الرفس على جثة الدولة.

الآن بعد أن هدأت الأحاسيس حول ما وقع في احدى مباريات كرة القدم، والتي كان طرفا فيها فريق الجيش الملكي وجمهوره، والتي عرفت أحداث عنف خطيرة، كان من صورها ورموزها الصادمة والمدهشة، حركة جمع من ذلك الجمهور وهو ينهال بالرفس على جسد أحد أفراد القوات المساعدة…

كانت الدولة كلها ملقاة على الأرض، بزيها الرمزي، وبأسلحتها البدائية، الزرواطة، وبخوذتها التي من المفروض أن تحمي رأس الدولة، وكان أبناء الجيش الملكي يرفسونها في بطنها ويركلونها على مؤخرتها ويبصقون على وجهها…

لا يمكن مساءلة هذه الاحداث من وجهة نظر قانونية فقط، ولا يكفي تقديم 44 متهم أمام المحكمة، وتغريم فريق الجيش الملكي مبلغ ثلاثون ألف درهم ولا يكفي أيضا حرمانه من لعب أربع مباريات بدون جمهور…

كان يجب أن تعقد خلية أزمة على أعلى مستوى من أجل تفكيك الرسائل المختلفة التي بعتثها هذه الصورة، وربما تحسس رقبة الدولة والمجتمع برمته من نتائج هذه المسلكيات….

جمهور الجيش الملكي، ومثله باقي جماهير كرة القدم، ونواته المكونة من هذا الانحراف التنظيمي المسمى الترات هو جمع لمراهقين وشباب ببروفيلات محددة: مستوى تمدرس متدني حيث أن أغلبيتهم منقطعون عن الدراسة أو لا زالوا في مستويات دنيا، مستوى مادي ضعيف، حيث أغلبهم منحدرين من أوساط فقيرة وهشة، والأهم من هذا وذلك، يعتبرون مخزون هائلا للتعبير الجماعي… والتعبير الجماعي هنا قد يأخذ شكل الدعم والتأييد، كما هو الحال في اتجاه فرق الكرة، لكن تم استعمال هذا التأييد لأغراض سياسية أيضاً، في حملات الاستفتاء حول الدستور، في الهتاف بحياة السلطان… كما يمكنه أن يكون احتجاجا غاضبا، ومن أجل مطالب تافهة أو بسيطة، كالذي حدث حين انتزع رل امن تيفو الالترا من يد مشجع، ويمكنه التحول إلى عنف جماعي لا يستطيع أحد التنبأ بمآلاته ولا بنتائجه…

يختلف التعبير عن التأيد والذي يكون متحكما فيه عبر آليات السلطة التي راكمت تجربة كبيرة في الحشد والتجييش عن التعبير عن الغضب الذي يكون عفويا ومندفعا ومدمرا….

هذه القراءة إذا وضعناها بجانب التضييق الذي تمارسه الدولة ضد كل أشكال التأطير الموجه إلى الشباب واليافعين من طرف الأحزاب السياسية وهيآت المجتمع المدني، سنعي حجم وهول ما يمكن أن يحدث إذا انفلت حبل العقال من الايادي، ويمكننا أن نتصور شكل الاحتجاج المرتقب والذي تبشر به كل التقارير الدولية الجادة، والذي لن يكون إلا مدمرا وحارقا للجميع، وستكون الدولة هي الأولى في وضع يشبه وضع رجل القوات المساعدة وهو ملقى على الأرض والجموع “كتشتف” عليه….

على الدولة أن تعي جيدا الرسالة، وتعلم أن تربية الجحافل التي تشيد بها وبرموزها ليس خيارا صائبا لمواجهة الاحتجاجات المشروعة، وأن هذه الاحتجاجات، حين تكون مؤطرة بأحزاب سياسية مناضلة ومشروعة، وتعتمد الأرصدة الفكرية في الانضمام إليها وتعمل على تشجيعها هي أأمن (أي الاحتجاجات) من تلك التي يقودها الرعاع والأميون والمحرومون…..

يحكى، والعهدة على ما يدور في الفايسبوك، أن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة زار القذافي في بداية حكمه، ونصحه بتعليم المواطنين في ليبيا، امتنع القذافي إذ رد عليه: حين ستعلمهم سيثورون ضدك… الحبيب بورقيبة الحكيم رد على القذافي: أن يثور ضدك شعب متعلم خير من أن يثور ضدك شعب جاهل….. مات الحبيب بورقيبة بسلام، وطار زين الدين العابدين إلى منفاه لكن القذافي توفي كجرو في ماسورة مياه معدمة، وعلى جسده آثار أقدام الجاهلين والأميين…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.