الرحيل وشجاعة الانتصار إلى حكيم وجمال

فريد ايث لحسن

تقول الميثيولوجيا اليونانية القديمة، الموت اول الطريق وآخر الطريق خطوة شجاعة، وفي التراجيديا الريفية المعاصرة نقول الموت آخر الطريق واول الطريق خطوات شجاعة. والشجاعة هنا تعني ممارسة الفعل والواجب التاريخي في الحاضر الزمكاني . لاتأتي الكتابة إلا جزافا، ولا يمكن الكتابة إلا في لحظة الانكسارات والعذابات الأليمة التي يحن فيه كل ريفي نبيل إلى رثاء أو عزاء نفسه.

أواخر النصف الأول من هاته السنة كتبت شخصيا عن رحيل اشيليس، الحالم الريفي الكبير الذي عاد منتصرا إلى بلاد الريف ، عودة مثلت ملحمة في التراجيديا الريفية المعاصرة وبكل المقاييس، وقتها سجلنا وبكل فخر عناق الحياة على تربة ابية ووفية هجرها ابناءها مرغمين وعادة لا يعودون إلا في صمت التوابيت المرقمة. ترى لماذا يطارد الرحيل الشجاعة فينا، ولماذا يأتينا الموت مرغمين ؟

بحر هذا الأسبوع ومرة أخرى رحل الشجاعين حكيم وجمال، رحيل امتزج فيه الداخل الريفي بشتاته وتعانقا حول أربعينية الملحمة التاريخية الكبرى، ملحمة الشهيد محسن فكري، لست أدري لماذا يلح الريفيون في السنوات الاخيرة على استحضار الراحلون من أبنائهم وبناتهم بكل روح تضامنية ووقفة جماعية ، أمرا بالنسبة لي يحيل إلى الاحساس الجماعي بالمشترك القيمي النبيل الذي يرى في فقدان كل ريفي شجاع خسارة فادحة للراهن والمستقبل الريفي ويبشر في أن واحد اننا مازلنا بخير.

اصوغ هذا الكلام لاشير بالبداية إلى أمر مهم ،أمرا يتمثل في الشجاعة الإنسانية عند الراحلين حكيم وجمال حتى آخر نفس، قبلهم سجلنا ذلك ايضا بكل اعتزاز وافتخار كيف واجه اشيليس شاشا الموت بشجاعة نادرة.

أواخر ثمانينيات القرن الماضي وتحديدا سبتمبر 1988، وقد مرت ثلاثة ايام على تواجدي بالبلد السعيد هولندا، ساتعرف على الريفي جمال أوفتيح لأول مرة أثناء المشاركة في مظاهرة وطنية دعت إليها النقابات العمالية الهولندية ، وتجددت اللقاءات بعدها في ازمنة وأماكن عديدة.

على الضفة الأخرى يعود اول لقاء لي مع العزيز حكيم المسعودي إلى صيف 1992 وقتها كنت بحي ارجاف الله بالرباط عند المرحوم عبد الله اكروح وأحمد الجزولي وغيرهم، في اليوم الثاني التقينا به بمقهى باليما تعانقنا بعفوية وكأننا نعرف بعضنا البعض منذ مدة طويلة،وقتها اتذكر كيف ناولني بعفوية جريدة المواطن التي كانت قد صدرت ومنعت لاحقا في نفس الشهر، وبعد ذلك تعددت اللقاءات مع الحكيم أيضا في ازمنة وأمكنة متعددة، تطورت وبلغت ذروتها إبان فاجعة الزلزال اللعين لسنة 2004، وقتها تعددت الاتصالات بيننا وظهر مصطلح ” ارمابوح” الذي كان حكيم يفظل أن ينادي به كل من يحس بصدقه، وهكذا أمسى مصطلح “ارمابوح اينوا” مصطلحا محفظا من طرف الراحل/ الحاضر ، الشجاع الريفي حكيم المسعودي.

لذلك لا اتي بجديد إذا قلت ان ما يجمع الراحلين حكيم وجمال وقبلهم اشيليس هو مواجهتهم وانتصارهم بشجاعة على الرحيل، انتصارا للقيم والمبادىء التي اعتنقوها في ريحان شبابهم، حيث نادرا ما شهدنا على حالات مماثلة. كما اشيليس، عمل حكيم وجمال كل من موقعه من أجل الدفاع عن قضايا الإنسان الريفي في الكرامة والعدالة والانعتاق من الظلم والاستبداد، عملا تجلى في فعل الواجب بعيداً البعد عن المصالح الشخصية والضيقة وكانا مثالين لنكران الذات.

رأى ” ارمابوح” الريف حزينا وهو تهجره طيوره وتجف اشجاره ويتابع انهارده الشحيحة وعمل على إعادة الزينة الطبيعية للأرض قبل الإنسان لوطن تحول شظايا قاحلة بفعل قساوة التهميش والإهمال وتطرف الإنسان تجاه الطبيعة..وسعى لإعادة الأمل للبلدان الريفية من خلال العمل البيئي وزرع ثقافة جديدة داخل المجتمع الريفي.

رأى جمال أن العمل إلى الريف يمر عبر بوابة الشتات الريفي، وان تخليص المواطنين الريفيين بالدياسبورا من خوف وتسلط المخزن هو مدخلا أساسيا من أجل التغيير، وان واجب المنظمات المدنية بالشتات كاليات للعمل التنظيمي أساسي في تأطير الفعل المدني والسياسي بالدياسبورا، لذلك لا اتي بجديد إذا قلت ان الراحل جمال أوفتيح سعى دائما على العمل من داخل التنظيم.

في رحيل الشجاعين حكيم وجمال يفقد الريف مجددا خيرة من ابناءه، لذويهم واعزائهم نقول عزاؤنا فيهم هو واجبنا جميعا في الاستمرار في الحياة والعمل على نهج ماسعوا تحقيقه عاقدين الأمل كل الأمل والعزم من أجل الريف. لذكراكم أيها الاعزة نقول كلنا للواجب الريفي.

 ذات يوم/ القاهرة الكنانة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.