الراب المغربي: بين جنون عظمة صاحب المهمات الصعبة وكلاش بوزن 170 كلغ شحم

 تسود حرب ضارية هذه الأيام بين رابوارات البيضاء، أشعل شرارتها الرابوار المخضرم ” البيغ”، عندما أنزل أغنية حادَّة “كَلَاشْ”، حسب اللغة المتداولة لدى جمهور الراب، ينتقص من شأن رابوارات ينتمون لجيل لاحق، فسح لهم المجال، وترك لهم الساحة، لكنهم لم يحسنوا التصرف، واعتقدوا أن البيغ انتهى للأبد، وهاهو يعود ليمسح كل هؤلاء، مؤكدا أنه سيِّدُ الراب.

كلُّ هذا الكيل اتجاه الرابوارات الجدد “حليوة” ، “كريزي”، “ديزي دروس”والآخرين، وتضمنت هذه الأغنية “الكلاش” لغة حادة تمتح من قاموس الشارع البيضاوي السُّفلِيَ. أمَّا الصورةُ المصاحبة للفيديو الأغنية 170 كلغ، يظهر البيغ جالسا على كرسيٍّ ملكيٍّ، وبيده سيجارًا، بينما الرابوارات المَقصُوفينَ متناثرينَ تحتَ أقدامِهِ في مشهدٍ يُوحي بالشَّفقةِ.

الرَّد جاءَ سريعًا من قبلِ الرابوارات المستهدفين، ماستر كريزي ” حليوة” وغيره، وبقاموسِ سبٍّ واستنقاصٍ من البيغِ، أو الخاسرِ، وعلى أنَّ 170 كلغ التي يزنُ مثارَ افتخارٍ بالنسبةِ له هي فقط شحمةُ، وما تحمله من دلالة تبخيسية الجميع لا يرغبها، وأنكروا عنه أيَّ علاقةٍ تربطه بالراب ورسالته، عندما استجاب وغنى ” للاشتراكييين” !! ـ يقصد مؤتمر الاتحاد الاشتراكي-، وانشغاله بالأوسمة.. في المقابل يؤكد مستر كريزي على أنَّه مرتبطُ برسالة الراب، وشرائحه، وأدوات استعماله ” الشاقور”.. وإنْ تواجها فلن ينفعه القانون في حسم المواجهة…

وتوالت سلسلة الردود الحامية الوطيس، وارتفع منسوب المتابعة والتلقي إلى أرقام قياسية، وانقسم جمهور الراب بين منتصرٍ للبيغِ وربوارات الجيلٍ الجديدٍ، وتمَّ استقطابُ جمهورٍ جديدٍ من باب شغفِ الاستطلاعِ. وتبقى التعليقاتُ والآراءُ المستهجِنةُ لهذه الحروب الرابواريَّةِ لمضمون لغتها “السَّاقطة”، والتي تَفسِدُ معها ذائقةُ الشّبابِ، حيثُ قاربت الموضوع من زاوية أخلاقيةٍ متعاليةٍ، مردودٌ عليها من قبل شبابِ وجمهورِ الراب المنتصرِ لهذه الحروب، على اعتبار اللغة المتداولة ب ” الكلاشات” المتبادلة ليست بالدَّخيلةِ، بقدرِ ما تعكس لغةَ الشارع الحقيقي، وأن مثل هذه الحروب ليست بالغريبة على طبيعة غناءِ الرَّابِّ، يستشهدون في ذلك بالنموذج الأمريكي الذائع الصيت في مثل هذه الحروب.

بعيدا عن هذه الحروب الشعواء التي يعيشها الرُّوَّابّا البيضاء، كما سبق في طنجة أن وصل حد المنابزة بين مغنيين إلى مستوى تبادل العنف انتهى بأحدهم جريحا بمسعجلات المستشفى. وبالرجوع إلى التاريخ القريب لهذا النمط الغنائي ببلدنا، يبقى الراب من الأنماط الغنائية التي حضرت في قلب ووجدان الانتفاضات المغاربية والعربية، عندما ارتفع صوتها على باقي الأنماط الغنائية الأخرى، ولم يعد يُنظر للراب كنمط غنائي ملتصق بأوساط ثقافية متأثرة أكثر من غيرها بالمزاج الغربي، فأضحت الفرصة مواتية أمام أغاني الراب للتأثير الإيجابي في واقع الانتفاضات الشعبية الساخطة على الظلم بأشكاله والتسلط، ويبقى نمط “الراب” الغنائي بقدر تمرده على الأنماط الغنائية الكلاسيكية وقوالبها، يتوفَّرُ على المرونة الكافية لالتقاط لغة الشارع، لتغدو كلمات الراب المباشرة أقرب للشعارات السياسية المرفوعة، فمع غناء الراب تتقدم الكلمة، لتنزاح الموسيقى للخلف، وتظل مجرد خلفية للرسالة التي يريد الرابوار إيصالها.

بتونس سنة 2011 أطلق مغني الراب ” حمادة بن عمر” الملقب ب ” الجنرال” الشرارة عبر أغنية “رايس البلاد” تضمنت جرأة ولغة حادة، استمع لها أكثر من مليون متصفح للأنترنيت في ظرف خمسة أيام، يبدأ مطلعها “رايس البلاد..راني نحكي معاك اليوم..باسمي وباسم الشعب اللي عايش تحت العذاب..اهبط للشارع وشوف..” هذه الاغنية الأكثر صراحة سرّعت باعتقال الرابوار حمادة مباشرة بعد صدورها من قبل نظام بنعلي المترنح، في المقابل كان لأغنية “رايس البلاد” الوقع الإيجابي على حماس ومشاعر الملايين من الشباب التونسي الذي واصل الطريق ليجبر بنعلي على الرحيل يوم 14 يناير 2011. وعمت العدوى على شاكلة هذه اللغة الناقدة بحدة بكلَّ الدول التي تدفقت فيها الحِرَاكات، وسطعت في ديناميتها أسماء جديدة، وكما هو معروف في زحمة مغنيي الراب، القليل منهم يتمكنُ من صناعة اسم له، والاستمرارُ لمدةٍ أطولَ في استقطابِ متتبعين لدواعيَ عدةٍ.

وعادة ما يبدأ الراب غاضبا متمردا، لكن الكثير منهم يسقط في مستنقع السلطة، كما حصل الأمر مع حازب ” البيغ ” بالمغرب، عندما نعت شباب حركة عشرين فبراير “رباعة ديال البراهش ووكالين رمضان”، بينما كانت تنمو بجنب حركة عشرين فبراير أصوات عكست مطالبها أشهرهم الحاقد بكازا وسيكوفيرين، واعتبر مسلم من ضمنهم بأغنية الرسالة “جينا نديرو ردْ على حقنا اللي راحْ… لابد نفيقوا الشعب لضاعْ …بلادْ فلاحيةْ والأرضْ عندنا خاويةْ…ناسْ راهي.. والحربْ اليومْ بداتْ .. منخافْ من حدْ..نْخافْ منْ اللي خلقنا..” والرابور خالد ” كيْضْرْني خاطْري” كما يصرخ “حركة عشرين فبراير ..خلاتْ بْني آدمْ حايرْ… وبعد خفوت صوت حركة عشرين فبراير،وانفراد السلطة مجددا بالشارع، لم تسلم أصوات الراب الرافضة بدورها، فقامت بإخراسها بواسطة المتابعات، فانتهى الحاقد صاحب أغنية: ” كلاب الدولة..” منفيا بعد عقوبات سجنية ،ومن جهة أخرى عملت السلطة على استمالات استباقية لأصوات منذ بداية صيتها مثال الرابوار”مسلم” الذي اعتذر 2011 في ذروة حركة عشرين فبراير عن الحضور للغناء بالمهرجان الخطابي الحاشد بأحد الملاعب طنجة، ليظهر بعده ذلك بمنصات مخزنية كانت تقام للتشويش على هدير حركة عشرين فبراير.

و يجسد الرابوار “مسلم” إلى جانب أسماء أخرى جيلا جديدا بعدما سقط الجيل الأول في نعيم ريع السلطة قبل انطلاق حركة عشرين فبراير، وبالرغم من نأي محمد الهادي المزوري، الملقب بمسلم، عن حركة عشرين فبراير، واختياره لنعيم الجهة الأخرى، إلا أنه حافظ على شهرته، وتجاوز شهرة جيله بعد الجيل الأول. وعمل مسلم على التقاط بعض التمظهرات السلبية بالواقع من بطالة وسرقة، من دون أن يجرأ على وضع الأصبع على الجرج، بنوع من الدغدغة لمشاعر الفتيان المحرومين، والتي تعكس كلماتها الواقع البئيس من دون فهم أسبابه العميقة، أو تَلَمُّسَ أفقَ الخروج من ورطتها، وهي حيلة من قبله تحفظ له صورة الموقف الرافض في أعين معجبيه، يعكس صوتهم المبحوح، كما يحمل واقعهم على منصات يستدعيه إليها المخزن للغناء وبسخاء، لكنه في حقيقة الأمر هو في الجهة الأخرى من المعادلة يساهم في تنفيس الغضب وفقط ،خصوصا وأنه لاوجود لفن الراب خارج لغته “الرافضة”.وكان الوقت كفيل ليظهر مسلم على حقيقته إبان حملة المقاطعة الشعبية للمنتوجات المعلومة، وخرجته العجيبة التي استهجنها الجميع، على اعتبار لا وقت لديه يضيعه في هذا الشأن التافه، بينما هو منذور للمهام الكبرى !؟!؟!

خلاصة القول أن فن الراب بالمغرب، وباستثناء بعض الأصوات الممانعة و المنفلتة عن الإطار المرسوم لها، بعضها واكب حركة عشرين، وظلت وفية لمنطلقات مواقفها ، سرعان ما تم تحييدها من ساحة الراب، وإخراسها . بينما تبقى هذه الحرب المشتعلة التافهة الذي أطلقها ” البيغ” عملا محسوبا، ويدخل ضمن أجندة محددة، تلقفته حتى بعض وسائل الإعلام الرسمية- استضافة البيغ من قبل بلال مرميد- للحيلولة دون انبثاق راب شعبي شبابي بمضمون اجتماعي سياسي، وشد الانتباه لحروب فارغة، خاصة بعدما باتت شعارات ملاعب كرة القدم تصدح، بدأها جمهور الرجاء بنشيده:” ظْلْموني فْبْلادي..” التي تحولت لأغنية انتشرصداها خارج حدود الملاعب، تتقاطع في طريقة أدائها الجماعي مع هذا النمط الغنائي الرافض.

جابر الخطيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.