الرئيس، وضياع المثقف التنجيمي!!

فريد ايث لحسن*

للأسف الشديد، لم تسعفني الظروف ونحن بجزيرة لاريونيون، لمتابعة كل حيثيات تصريحات السيد احمد الدغرني بالناظور بخصوص المشروع الفكري والثقافي للرئيس. أولا، يحق للسيد الدغرني كما عودنا دائما أن ينجم على مقاسه، ويستقرأ الفنجان النضالي السحري بخصوص كل ماهو ريفي على مزاجه، لذلك فلا الذات الريفية الممانعة والمناهضة للمخزن ترتقي ل “مزاجه ومقاييسه ” النضالية الخاصة، ولا تنظيمات الريفيين المستقلة سواء بالريف أو الشتات، تستهوي ابويته وتراتبيته النضالية، فأمام الريفي، بالنسبة له، كما لغيره، سوى الطاعة، والارتماء في أحلاف الملاحق المركزية، من جمعيات وأحزاب وحركات ونقابات، كي يبلغ رقيه ونضجه وصفاء مرجعيته الفكرية والثقافية والسياسية، مرجعية تتكأ وتستحضر كل شيىئ، باستثناء تجربة وفكر الرئيس، فالأخير بالنسبة لهؤلاء يمثل حالة شاذة في التاريخ وليس جديرا باستنهاض تجربته ولا اي شيىء يحيل الى زمنه.

انتجت دولة الاستبداد، على امتداد العقود الماضية مفهوم “المثقف التنجيمي”، ينتج الفتوى الثقافية/السياسية الوظيفية، ويستقرأ التاريخ على مزاجه ومقاسه ، يحدد سقف الممكن/ المحتمل بالنسبة للمريدين، متكأ في ذلك على موروث مدرسي طائفي هجين، قوامه خدمة السلطة وبالمجان، أي “الكورفي السياسي/ الثقافي ” فهكذا يتحول مفهوم “الريفي” وفقط في الاستثناء المغربي الراهن، الى ” نشازمنبوذ” كلما سعى الريفيون بالريف وعبر العالم الى طرح ارائهم وأفكارهم باستقلالية تامة خارج وصاية وتدخل اي كان من محيط ودائرة المركز، لذلك فالأمر يبدو جليا أن بعض شيوخ ” الثقافة التنجيمية” لم يستوعبوا بعد للأسف المتغيرات العميقة وسط الارادات الريفية الحرة المستقلة عن تنظيمات المركز ومشتقاته، لذلك ، وبالنسبة لي شخصيا لم ولن تفاجأني يوما خرجات ولا التصريحات الصادرة عن ” المثقف التنجيمي” بخصوص قضايا الريف الثقافية والسياسية، عكس مافاجأني وبحسرة، صمت قطاع واسع من تلاميذ ومريدي “المثقف التنجيمي” من الريفيين في أوساط مدنية مختلفة سواء بالريف أو بالشتات، صمت يذكرني بالمآل الحزين والمأساوي لنخبة من الشباب الريفي المكافح زمن سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

يقتضي الفعل الريفي المحتمل/المستقل، في آنيته وراهنيته، القطع مع ثقافة الوصاية والأبوية القادمة من المركز، ثقافة ترى في الريفي وتاريخه ورموزه السيادية مصدرا ل “للفتن والقلاقل”. يسعى المثقف التنجيمي، الموجه من المركز، تجاه الريف والريفيين دائما الى شيطنة النوايا وزرع الألغام والشكوك واللاثقة وسط الحقول المثمرة والمنتجة داخل الوسط الريفي، وظيفة يتقن ويعرف ممتهنيها جيدا كيف يفكون شفراتها وطلاسيمها وبالتالي اختيارموضوع ووقت توظيفيهما زمكانيا في الآن و الهنا.

“ليس هناك ما هو أقدس من قدسية الشعوب في تقرير مصيرها” مقولة للرئيس أوردها الكاتب المغربي الراحل مومن الديوري في كتابه “حقائق مغربية” الصادر بلوزان في بداية ثمانينيات القرن الماضي، مقولة تحيل للمبتغى الانساني النبيل لدى الرجل، ولمستوى التفكير الراقي ، وتختصر لنا في آن واحد كل المسافات الشائكة، مقولة تدين بالعمق نوايا الشيطنة الحاضرة التي تحرك ذهنية ومبتغى ” المثقف التنجيمي” في ماضيه وراهنيته.

أصوغ هذا الكلام وانا أتذكر تصريحات بعض “اليسراويين الامميين” في تسعينيات القرن الماضي حول نفس الموضوع، ونحن صغار، وفي مدارس الخسارة ، كانت الثقافة المدرسية التلقينية الرسمية تحيل إلى الصاق صفة مفهوم “المجاهد” الديني على كل شيء يتعلق بالرئيس، صفة قد تبدو للوهلة الأولى تحمل عبئا أصيلا وبريئا، وتحيل في نفس الوقت لحقيقة تاريخية محتملة، فكما الطفولة البريئة في مدارس السلطنة زمن السبعينيات قد تعرضت لمختلف أنواع التدجين وتشويه الحقائق التاريخية وعلى قطاع واسع، فإن بدايات استنهاض الزمن الريفي لم تكن سهلة عند أجيال العقود الثلاثة الأخيرة.

يحيل مفهوم ” الجهاد والمجاهد” الى فعل وفاعل تغذيا وسادا وانتشرا وأنتجا من داخل منظومة الثقافة السلفية العربية، اذ جوهرهما الأساسي تحقيق المبتغى الديني. ترى لماذا يصر ” المثقف التنجيمي ” الصاق الصفات الدينية بأحد اشهر الرموز التاريخية الريفية؟ ولماذا تزكي السلطة السياسية وظيفته ومهامه المتعلقة بالريف ورموزه التاريخية ؟ وكيف لنا أن نتعامل كريفيين مع الوظيفة الاستئصالية للمثقف التنجيمي؟ أسئلة أطرحها كمدخل للتفكير والنقاش الهادئ والمسؤول على كل ريفي حر، وبعيدا عن اي وصاية “ماركوزية”.

“مقاتل الحرب الشعبية مصلح اجتماعي”، كلام لغيفارا جسده الرئيس وحده ودون غيره في شقيه، ناضل من أجل التحرير عبر المقاومة والحرب الشعبية ضد اعتى القوى الكولونيالية الى حدود 1926، بالتوازي سعى الى بناء الكيان الريفي عبر مراحل، بعدها وبعد تكالب حلف الاستعمار والاحساس بمسؤولية أخلاقية تجاه شعبه، قادته الحكمة الغيفارية لاحقا لمصلح اجتماعي سياسي لمسنا ذلك جيدا اثتاء زيارتنا الأخيرة لشعب لاريونيون وما تركه هناك من اثر يصعب وصفه.

*ناشط حقوقي ريفي، لاهاي-هولندا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.