الديمقراطية والعلمانية ، أي أفق في المشهد المغربي ؟ | الحلقة الثالثة : البناء الديمقراطي في المغرب لا يزال في قاعة الإنتظار .

البناء الديمقراطي في المغرب لم ينطلق بعد حتى يمكن القول بأنه يعرف تراجعا كما يذهب إلى ذلك الكثير من السياسيين والمتتبعين وغيرهم من الجامعيين والصحفيين والكتاب ، والحقيقة هي أن البناء الديمقراطي لم يبدأ إلا في الكلام وفي الشعارات ، أما في الواقع السياسي والدستوري والحقوقي فإن لا شيئ يشير إلى نية البدء ناهيك عن البدء في فعل البناء. إن ما سمي “بالعهد الجديد” أبهر العديد من العقول وأفقدها بوصلة التفكير العقلاني في ما يجري بالفعل على المسرح المغربي خصوصا بالنسبة لجيل من المغاربة الذين عاشوا معظم حياتهم في أجواء سنوات الجمر والرصاص ولم يشهدوا قط انتقالا للسلطة وتغييرا في كرسي الحكم بالمغرب ، انبهار هؤلاء بمضامين شعارات “العهد الجديد” هو رد فعل نفسي تلقائي تعبيرا عن رغبة عامة في التغيير والتخلص من إرث ادريس البصري والحسن الثاني الذي أوصل كرامة المغاربة إلى وضعية الباعوض والحشرات المَمْقُوتَة . وفاة الحسن الثاني كان حدثا مفاجئا لم يكن يتوقعه معظم المغاربة في ذلك التوقيت، فلأن فترة حكمه كانت طويلة ولأن له تجارب سابقة مع الموت خرج منها سالما تكونت لدى الناس ما يشبه الإعتقاد في أن عمر الرجل غير أعمار باقي الخلق وسيُعمِّر طويلا ، وبنفس وزن هذه المفاجأة كانت مفاجأة نقل السلطة إلى الملك الجديد والطريقة السلسة التي تمت بها والأجواء التي رافقت جنازة الملك الراحل ، هذان الحدثان فجرا أملا كبيرا عند المغاربة في بزوغ عهد جديد وأعادا الثقة لديهم في إمكانية التغيير وحررا نفسية المجتمع من حالة اليأس والإحباط ، هذه المعطيات هي التي تشرح ما أَسْمَيْتهُ بالإنبهار الذي سيطر على الشارع المغربي بالعناوين التي دشنت بها السلطة الجديدة عهد الملك الشاب . جزء مهم من الحركة التقدمية والديمقراطية ، وأساسا من الحركات النسائية ، آمنت بتلك العناوين واقتنعت بها اقتناعا دغمائيا وصدّقت بصورة عمياء أن نكون الملكية قاطرة التجديد والتحديث وقائدة التغيير بديلا عن القوى السياسية التي استهلكت عقودا من النضال والصراع السياسي دون تحقيق أي شيئ من مطالب الشعب المغربي فوقعت بذلك على تعاقد أبيض مترفع عن كل الضمانات والإلتزامات فقط تزينه رؤوس أقلام برّاقة مُدَغْدِغَة للمشاعر العامة من مثل : “المفهوم الجديد للسلطة” ، “طي صفحة الماضي” ، “الشروع في البناء الديمقراطي” ، “إرساء دولة القانون والمؤسسات”، “الإنصاف والمصالحة ووقف الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان” و “مدونة الأسرة وإنصاف المرأة” وما إلى ذلك من المشاريع المسيلة للعاب المجتمع السياسي المتعطش إلى التحول نحو الديمقراطية .
الآن ، في التاريخ الذي نحن فيه ، تكون مرت خمسة عشر عاما على “العهد الجديد” ، على بداية حلم ونهاية حلم . في منتصف هذه الفترة كان الإعلان الرسمي عن التراجع عن الوعود التي حملها هذا العهد حيث بدأت تلوح في الأفق بوادر الرغبة في العودة إلى ماضي التحكم القهري والإستحواذ على المشهد السياسي من خلال ما سمي في حينه بالوافد الجديد حزب “الأصالة والمعاصرة” الذي أسسه صديق الملك ، بروز هذا الحزب إلى الوجود هو بمثابة رسالة من الدولة العميقة ، من المخزنية ، إلى الرأي العام مفادها أن السلطة قائمة على ثوابت لا تتزحزح وأن التحول الذي وقع لا يمس استمرارية النظام وجوهره ولا يتجاوز حدود الأشخاص وأن الكلمة العليا تملكها المخزنية وهي الماسكة بالسلطة الحقيقية وليست الملكية. من طبيعة الطبقة الحاكمة في المغرب أن لا تشارك في الحياة السياسية بواسطة أداة حزبية لكن من حين لآخر تتجلى إلى الوجود عبر كيانات دَرَجَ المغاربة على نعتها بالأحزاب الإدارية وغالبا ما نكون دواعي هذا التجلي تستند إلى مبررات سياسية دقيقة تهم الوضع الداخلي وبالضبط عندما تكون الإستحقاقات الإنتخابية على الأبواب ويكون المراد منها بعثرة الإصطفافات السياسية وإنتاج خريطة حزبية تحسم التوازن السياسي في الشارع وداخل المؤسسات التمثيلية ، أو لما تكون مؤسسة الملك واقعة في مأزق يستدعي تدخلا استعجاليا لإعادة ترتيب علاقة السلطة بمكونات المجتمع السياسي . هذه الطبقة الحاكمة عادة ما تنأى بنفسها عن التورط في ملعب الأحزاب والتزاماته فتتوارى خاف الدور التحكيمي للملك ومن هناك تمارس سلطتها بإسم الملك وتتعامل مع الصراع الإجتماعي ، التي هي فيه طرفا رئيسيا ، عن طريق مؤسسة الملك المُتمَوْقِعَة دستوريا فوق القانون . حزب”الأصالة والمعاصرة”، وكما تدل على ذلك تركيبة الإسم ، أراد الإستحواذ على الخطابين المركزيين المُعبِّرَيْنِ عن توجهات المغاربة : الخطاب الأصولي/الإسلامي السياسي والخطاب العلماني/اليساري ويقدم نفسه بديلا عن الهيئات السياسية التي تتبنى هذين التوجهين لتكتمل الصورة ويُغلق مسرح الفعل السياسي المغربي على لاعبين اثنين فقط : الملك قائد مشاريع التغيير والحزب قائد مشاريع الأصولية والحداثة .
نهاية حلم “العهد الجديد” لم يتوقف عند حدود خروج المخزنية إلى الساحة السياسية بحزب الأصالة والمعاصرة بل رافق ذلك جملة من التنكرات لما حمله هذا العهد من شعارات ؛ البداية دشنها قانون محاربة الإرهاب الذي حرر يد الأجهزة الأمنية من جديد للعودة إلى ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بكل دلالاتها ومعالمها . التنكر الثاني نمثل في الإنتكاسة التي لحقت بمجال حرية الرأي والتعبير حيث عرف المغرب سلسلة من المضايقات والمتابعات القضائية لمنابر إعلامية ولصحفيين والتي لا تزال مستمرة إلى اليوم . التنكر الثالث مس روح فلسفة الإنصاف والمصالحة التي لم تحقق أهدافها الكاملة . التنكر الرابع تمثل في مفهوم دولة الحق والقانون والفساد الإداري والمالي واستقلالية القضاء ونهب المال العام . التنكر الخامس تعلق بالحريات العامة (حرية التظاهر والإحتجاج والإضراب ..). التنكر السادس همَّ المقاربة الحقوقية

والقانونية لقضايا المرأة التي أقبِرت داخل مدونة الأسرة وتوقفت أمام الباب المسدود … . هذه التنكرات وأخرى تدل غلى أن البناء الديمقراطي بالمغرب لم ينطلق بعد لأنه وبكل بساطة يستحيل البدء في هذه الأوراش السياسية والحقوقية من طرف واحد ، أعني في غياب تعاقد سياسي يتوافق عليه جميع الفاعلين السياسيين . شعارات “العهد الجديد” لم تنبع من دستور جديد واكب التغيرات التي حدثت والطموحات التي صاحبت عملية انتقال السلطة بعد وفاة الحسن الثاني ، لذلك كانت حمولة هذا العهد موجهة إلى الإستهلاك العام وتأثيثا للبيت الجديد ومرشحة في أية لحظة للتعطيل ما دامت خارج كل الضمانات والإلتزامات السياسية والقانونية ، والدليل الأبرز الذي يفقأ العين على فراغ تلك الشعارات وانعدام الإرادة في تدشين البناء الديمقراطي هو التعديل الدستوري الأخير الذي لم يحمل الأسس المطلوبة لهذا البناء والذي كان الغرض من إجراءه فقط هو إجهاض حركة العشرين من فبراير التي حركت الشارع المغربي مطالبة بنفس تلك المضامين التي نادت بها منابر “العهد الجديد” ما يعني أن المغاربة سقطوا ضحية تضليل جماعي وانطلت عليهم خدعة المخزنية وصدقوا الأوهام وضيعوا فرصة حقيقية للتغيير وقد ينتظرون سنوات حتى تتهيأ فرصة مُمَاثلة . فمنذ متى كانت الملوك تُحب التغيير أو تشارك فيه حتى تكون قائدة للتغيير ؟ .
حركة العشرين من فبراير الشبابية لم تنطلق من فراغ أو من رغبة صبيانية طائشة أو رد فعل عاطفي لمسايرة ما كان يجري بالجوار الإقليمي كما يحلو للبعض تفسير ذلك ، بل مبررات تفجُّر هذه الحركة هي رد فعل طبيعي وتلقائي للشارع المغربي اتجاه التدهور المهول للأوضاع الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والتعليمية التي شهدها “العهد الجديد” ونتيجة الإحباط والتدمر الذي عَمَّ الشارع العام من سياسة قفة رمضان وتوزيع المأذونيات والوظائف جوابا على رسائل الإستجداء ومن التكفل بضحايا حوادث السير بالمال الخاص ، لقد رفض شباب المغرب أن يكونوا متسولين في وطنهم أو أن يكونوا مرشحين للإنتحار في قوارب الموت بين الضفتين الظاهرة التي أصبحت العنوان العريض “للعهد الجديد” . حركة العشرين من فبراير تعبير قوي على شعور المغاربة بالتضليل والإستبلاد والإحتيال الذي تعرضوا له حين علقوا كل آمالهم وطموحاتهم وأحلامهم على وعود “العهد الجديد” ، لقد صدحت حناجر الشباب في شوارع المغرب بالكثير من الشعارات والمطالب التي إذا أختزلت ولُخِّصَت لا نجدها تخرج عن مسألتين جوهريتين : إسقاط الفساد وإنهاء الإستبداد ، لذلك إذا أردنا القيام بتحليل للخمسة عشر سنة الأخيرة من تاريخ المغرب والتوقف عند الحصيلة واستشراف الآفاق فإنني لا أرى مدخلا أفضل من تجربة حركة العشرين من فبراير ، فهي المِرْآة العاكسة الأمينة لهذه المرحلة ؛ لقد أعلنت هذه الحركة عن نهاية الحلم والعودة إلى الواقع العنيد الذي يفرض مرة أخرى على القوى التقدمية والديمقراطية إعادة ترتيب أوراقها ومراجعة برامجها من أجل تأسيس منطلق جديد لمعركة التحول إلى الديمقراطية بالمعرب .
لا أرى في القول بأن المخزنية هي المسؤولة عن انسداد المشهد السياسي تقديرا عقلانيا للواقع السياسي بالمغرب وإن كان هذا القول يتمتع بنصيب وافر من المصداقية ، فالمخزنية طرف رئيسي في الصراع الإجتماعي وهي المالك الفعلي للسلطة ومن الطبيعي أن تستخدم كل الأسلحة للحفاظ على مكاسبها وحماية امتيازاتها ، هذا أمر واضح ولا يدعو إلى التعجب أو الإستفهام ؛ ما هو غير طبيعي ويستدعي الرثاء هو حال الحركات المنادية بالديمقراطية والهيئات الحزبية والنقابية والأهلية الحاملة لمشروع بناء دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات ، ماذا هيأت لتنخرط بقوة في معركة التحول الديمقراطي ؟. ما هي المسافة الحقيقية التي تبعدها أو تقربها من معانقة الثقافة الديمقراطية توجها وتنظيما ( أشير هنا بالضبط إلى فدرالية تحالف اليسار الديمقراطي ) ؟. ما هي أسلحتها ؟. كيف هي تنظيماتها وكيف هي أحوال الديمقراطية داخلها وعلى ماذا تحتوي برامجها ؟. ما هي مساحة التحالفات المُتاحَة لتدبير صراع عنيد يروم إحداث تحولات عميقة في حياة المغاربة ؟. وما العمل في موضوع تورط رموز وأطر وازنة ناشطة ومؤثرة داخل التنظيمات اليسارية والتقدمية والديمقراطية في مستنقع الفساد ؟. ومن ثم ما هي تقديراتها للوزن الفعلي للطرف الرئيسي في الصراع الإجتماعي ؟ .
يُــتــبع في الحلقة الرابعة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.