الديمقراطية التشاركية و “دستور السلطة القضائية “

استوقفي ,كمتتبع للحياة السياسية المغربية ,المواقف المعبر عنها في الندوة التي نظمتها “مؤسسة الفقيه التطواني للعلم والأدب “بمدينة سلا يوم الثلاثاء 22دجنبر 2015 ,وخاصة تلك المتعلقة بمفهوم”الديمقراطية التشاركية “وتطبيقاتها في مجال التشريع ,لعل اهمها ما جاء قي مداخلة ,النائب البرلماني والأستاذ الجامعي ,حسن طارق,عندما وصف “الديمقراطية التشاركية”ب”احدى اكبر الخرافات التي سيعاني تبعاتها المغاربة في الاعوام المقبلة”وبأنها”عنوان مستعار لديكتاتورية الفئات”.

فبقدر ما شكلت مداخلات ,السادة النواب ,مناسبة لتقييم دور الفاعل السياسي في تطوير وتحديث الحياة السياسية المغربية ,بقدر ما يستوجب التفاعل الايجابي مع ماجاء فيها من افكار و”أحكام”.

الاكيد ان مداخلات الاساتذة النواب في الندوة,عبرت عن تضايقهم من تأثير تطبيقات “الديمقراطية التشاركية”على دورهم في انتاج التشريع,وخاصة فيما يرتبط بالقوانين التنظيمية المتعلقة ب”السلطة القضائية”,لذلك اعتقد ان مضمون تعبيراتهم يبرر تقديم الملاحظات التالية:

اولا:مما لاشك فيه ان الديمقراطية كمفهوم سياسي جاءت بعد تجاوز الفكر للأسطورة والخرافة وصولا الى محطة بناء الدولة المدنية على الصعيد السياسي ,وبالتالي لا يستقيم ,في العصر الحالي,في اي تحليل سياسي او قانوني ,الربط بين مفهوم الديمقراطية والفكر الخرافي ,او تبخيس قيمة الديمقراطية لتتماثل مع الديكتاتورية,فالديمقراطية التشاركية تعبير واقعي عن تطور الفكر الانساني وتقدمه في سبيل تحديث  المممارسة السياسية .

ثانيا:ان نظرية التمثيل السياسي التي يدافع ,الاستاذ حسن طارق ,عن مقوماتها,تتأسس على تصور معين لكيفية ممارسة السلطة السياسية ,اعتمدته البرجوازية الاوروبية ,في اطار تطبيقات مبدأ السيادة الوطنية ,والتي بمقتضاها لايمكن ان يعبر عن السيادة المجسدة للإرادة العامة إلا بواسطة ممثلين اكفاء ناطقين باسمها ,ولا يعتبر الناخبون مؤهلين للتكلم باسمها.لكن ,كما يعرف الاستاذ الجامعي حسن طارق ,التطور التاريخي ادى الى انتقاد الاساسات النظرية التي تقوم عليها الديمقراطية التمثيلية بحكم ابتعاد الياتها عن تحقيق اشراك المواطنين في عملية اتخاذ القرار,بشكل فعال,فظهرت اشكال جديدة للتمثيل الديمقراطي ,اطلق علها تعبير “الديمقراطية المستمرة” والتي تحيل الى مشاركة الجميع في تشكيل الارادة العامة ,التي لم تعد مختزلة في الحق في الانتخاب ولكنها تستمر يبن اللحظات الانتخابية ,عبر التدخل التشريعي للمواطن وانطلاقا ايضا من حقه في الملاحظة ومن تم في مراقبة مؤسسات النسق السياسي.

ثالثا:اذا كان اصلاح السلطة القضائية يعد توصية مركزية لهيئة الانصاف والمصالحة,فان تحقيق مطلب الاصلاح الدستوري لإقرار استقلالية القضاء كسلطة,والمعبر عنه من طرف الاكاديمي والسياسي والحقوقي اساسا,ظل مؤجلا الى غاية صيف 2011,بعد الحراك المجتمعي المغربي الذي قادته حركة 20فبراير المجيدة,ليتم اضفاء صفة سلطة على المؤسسة القضائية لأول مرة في دستور 2011,فمن الطبيعي ان تواصل جميع فئات المجتمع دورها في تحصين المبادئ السامية التي جاء بها الدستور ,ومنها استقلال السلطة القضائية وفصل السلط والديمقراطية التشاركية,كما ان مبدأ استقلال القضاء يرتبط في وجوده ايضا بالضمانات السياسية والضمانات الثقافية التي في غيابها لايمكن الحديث عن استقلال القضاء ,حيث ان الضمانات السياسية يوفرها السياق السياسي المحيط بمؤسسة القضاء والذي يعمل على استقرار فكرة دولة القانون وترسيخ ثقافتها في مؤسسات الدولة ووعي المجتمع في حين تساهم ثقافة المشاركة في جعل مبدأ استقلال القضاء قيمة مشتركة بين الدولة والمجتمع على عكس ثقافة الخضوع التي تشكل عائقا امام التطبيع مع مبدأ استقلال القضاء.

رابعا:الديمقراطية التشاركية ليست خرافة لأنها ببساطة تشكل مقوما من مقومات النظام الدستوري المغربي حسب تصدير  دستور2011 الذي يشكل جزءا لايتجزء منه, ولايمكن بآي حال ان تتحول الى ديكتاتورية مادام  البرلمان يشرع بالفعل للأمة ويلعب دوره كاملا في الدفاع عن حقوق جميع الفئات ,وليس بالشكل الذي يجعله غرفة للتصويت على قوانين المالية بالإجماع,بدون تقديم اي طعن في دستوريتها , رغم انها تتضمن مقتضيات تحابي بعض الفئات وتضر بمصالح اغلب الفئات الشعبية كما هو حال القانون المالي لسنة 2016 !!!!.

*ناشط حقوقي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.