الدولة والأحزاب السياسية في المغرب.

عندما تطوّرت حياة الإنسان وأصبح من الضروري تأسيس حدود بينية تنظم علاقة الناس ببعضهم البعض، خرجت السياسة إلى حيّز الوجود لتغطّي حاجاتهم لتنظيم تلك العلاقة وفق مبادئ أساسية كالحرية والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات والتوزيع العادل للثروات الطبيعية التي هي من حق جميع البشر، ومن أجل السهر على تجسيد تلك المبادئ وضع الإنسان المتحضر ناموسا يرسم حدود تصرفات الفرد ويقنّن حريته بما لا يمسّ حرية الآخر أو يعيق تطوّر الجماعة في سبيل يفترض فيه أن يكون إيجابيا، فتأسس مفهوم الدولة على هذا الأساس وأصبح العالم متمدنا بصيغة العصر الحديث بسيره في هذا المنوال، فالدولة هي صيغة تنظيمية صنعها الإنسان لربط الاتصال بين الفرد ومحيطه الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والطبيعي وكذلك محيطه الغيبي أو الميتافيزيقي بمعناه الفلسفي. وتبقى هذه العملية (أي ربط الاتصال بين الإنسان ومحيطه) خاضعة للتطوّر والتغيير والتحول على حسب المعطيات الزمانية والمكانية وعلى حسب الناس الذين يشملهم فضاء الدولة أي السكان أو الشعب باعتباره أحد الأركان الرئيسية لمفهوم الدولة.

لقد نشأت الدولة في البداية تبعا لما أكّده عديد من المؤرخين على أنقاض القبيلة أو العشيرة _بصفتها صيغة بدائية تشكلت تلقائيا بين جماعة من الناس تربطهم علاقة النسب والأرض_ لتعبّر عن نظام سياسي قادر على استيعاب تنوع اجتماعي وفكري يتجاوز دائرة القبيلة، فظهرت فيما بعد أشكال شتى من أنظمة الحكم (وراثية أو منتخبة أو غيرها) مبنيّة على فلسفة تفويض سلطة السيادة والتصرف من طرف الجماعة إلى شخص معين أو إلى مجموعة من الأشخاص، وقد تشعّب مفهوم الدولة وتطوّر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا فكثرت الأسئلة الفلسفية والانشغالات الثقافية حول شرعية وجودها ومدى تعبيرها عن بنية المجتمع وكذا حول مدى تحقيقها لمفهوم المواطنة الذي يساوي بين جميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات.

وبطبيعة الحال فإن درجات القرب أو البعد من هذا المفهوم النظري الذي يحقق المواطنة تتفاوت في وقتنا المعاصر من دولة إلى أخرى كما أن ضمان الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية للدول لم يعد ممكنا اليوم بعيدا عن مفهوم المواطنة، بل إن الدولة التي تقصّر في المساواة بين أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات بتفضيلها لفئة معيّنة دون الجماعة تعتبر دولة ضعيفة في خريطة العالم لا يسمع لها صوت في جمعية الأمم وفي كل مؤسسات المجتمع الدولي خصوصا وأن العالم المعاصر يتجه أكثر فأكثر إلى الانصهار في منظومة موّحدة وفق ناموس موحّد تتحكّم فيه معادلة المصالح الاقتصادية والعسكرية وكأننا نعيش في عهد الدولة الوحيدة أو “دولة العالم”.

فما هو موقع دولة المغرب في هذه المعادلة؟ وما الذي أنجزته هذه الأخيرة في سبيل تحقيق مفهوم المساواة بين المغاربة في الحقوق والواجبات؟

قد يكون المرء فاقدا للبصيرة إن ادّعى أن المغرب يعتبر رائدا في تحقيق مفهوم المواطنة في مصاف الدول العالمية، فنحن نعرف واقعه عزّ المعرفة ونعرف أن تصنيفه بناء على معايير العصر لا يضعه في صفوف المقدمة لأنه يعاني من مشاكل متعدّدة على مستوى تدبير الشأن العام كما أن وضعه الاجتماعي والاقتصادي ليس جيّدا على الإطلاق في ظل استفحال الدين الخارجي وغياب الاستقلالية الاقتصادية والسياسية، لكننا نعرف كذلك أن النظام السياسي المغربي عاش مخاضا طويلا وموجعا من التحديات السياسية و الصراعات التي لم تخب منذ حصوله على الاستقلال، بين من يطمح دائما لصناعة دولة عصرية عادلة قادرة على انتشال المجتمع من البدائية والفوضى وبين من كان ومازال يستغلّ ضعف المجتمع وعيوبه لتحقيق الربح الفردي السريع بما يعود بالضرر على البلاد واقتصادها، ومعلوم أن تجسيد مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمعانيها العصرية لا يمكن أن يتم بسهولة في حقل اجتماعي يتسّم بالأمية والفقر و بجذور عميقة للريع والفساد، ورغم ذلك، فإن هذا المغرب ظل يتميّز عن محيطه العربي والإفريقي باستقرار سياسي وأمني نسبيين وصيرورة انتخابية تتعثر أحيانا وتستقيم أحيانا أخرى، كما ظل يتميّز كذلك بتنوّعه الثقافي وانفتاحه على الغرب والشرق وبتعديدية حزبية حقيقية وإن كانت مشوبة بنوع من البلقنة وكثير من الاختلالات التنظيمية فهي تعبّر على كل حال عن مستوى البنية الفوقية أو الوعي الثقافي للمجتمع. فأين يكمن المشكل يا ترى؟ وما هي الأسباب وراء عدم قدرة الدولة المغربية على تحقيق النهضة المنشودة رغم المخاض الطويل الذي عاشته والمرتكزات الإيجابية التي ذكرناها أعلاه؟

في محاولتنا الجواب على هذين السؤالين، لابد من التذكير بأن المؤسسة الملكية في المغرب لعبت دورا أساسيا في حفاظ الدولة على استقرارها وفي تجميع التيارات السياسية المختلفة (علمانية وإسلامية ومحافظة) حول مشروع سياسي واحد خصوصا بعد منتصف السبعينيات من القرن الماضي، الشيء الذي جعلها تكتسب مصداقية وقوة مستنبطة من شرعية آنية بقدرتها على الإنجاز والتأثير في الحياة السياسية وشرعية تاريخية معزّزة ومعضّدة بسلهام إمارة المؤمنين، ذلك السلهام الذي أضفى للملكية بعدا وجدانيا وروحيا فساهم بشكل كبير في محبة جل المغاربة لملكهم وتعلّقهم بالعرش بغضّ النظر عن طبيعة الملكية في المغرب (دستورية تنفيذية أو برلمانية أو غيرها) وعلاقتها بالديمقراطية، وهي في الحقيقة ملكية دستورية شبه تنفيذية تقترب من الديمقراطية أكثر من قربها من الديكتاتورية. لكن المشكل الذي ينجم عن هذا الوضع هو أن بعض الأميين من أبناء الشعب المغربي _وهم كثيرون للأسف_ يغالون في تلك المحبة فيلبسونها لباس القدسية التي تنفي العقل البشري وتحجب عنه الاجتهاد والتنقيب في شؤون الحياة، في حين تجد بعضا آخرا _وهم في الغالب مقربّون من دوائر القرار_ يقومون باستغلال هذا العامل إما بالترهيب أو الترغيب لقضاء مآربهم الذاتية، وهي نفس المآرب التي خربت اقتصاد البلاد وأفسدت السياسة والأحزاب.

إن الملك في المغرب كما قلنا يمثل رأس الهرم في النظام الحاكم، ومشاعر المحبة والتعلّق بين الحاكم والمحكومين أمر محمود وإيجابي تعضّده اليوم خطابات الملك محمد السادس التي تعبّر عن إرادة إيجابية لتسيير الدولة بنظرة قويمة ورؤية سليمة، لكن المحبّة والتعبير عن إرادة الإصلاح ليستا كافيتين لبناء دولة عصرية تتحقق فيها معايير المواطنة بل يجب أن يعزّز ذلك بمنظومة سياسية متجانسة تلعب فيها الأحزاب السياسية دور الوسيط الحقيقي الذي يقف عند مسافة الوسط بين الحاكم والمحكومين ويعبّر بوفاء وإخلاص وموضوعية عن انشغالات الشعب وحاجاتهم الاجتماعية بعيدا عن التملّق والانتهازية السلبية من جهة والتآمر أو الانتحارية من جهة أخرى، وهذا شيء مفقود في المغرب للأسف، إذ أننا نلاحظ أن جل الأحزاب تحوم فقط حول منطقة الحاكم وتنتظر إشاراته وخطاباته لتقوم باجترارها لأنها عاجزة عن المبادرة والاقتراح وفاقدة للبصيرة كزعمائها الحاليين (مع احترامي لبعض الزعماء الذين ينتمون للقلة القليلة)، بينما يقف بعضها الآخر في زوايا مظلمة من فضاء المجتمع المغربي لتتكلم باسم فئة قليلة من المحكومين فتردّد خطابها المتمرّد القادم من عصر المنجل الشيوعي أو الفردوس النازل إلى الأرض من السماء. فهي أحزاب كلها متطرّفة إن كان موقعها في المركز أو في الهوامش، وأما مجال الوسط والاعتدال فإنه لا يمتلئ إلا بأغلبية صامتة لا تجد لها سبيلا للتعبير أو التأثير، وقد زادت من حدّة هذا الوضع عوامل كثيرة نذكر منها على سبيل المثال دون الحصر:

– تراجع الفاعل الثقافي وانسحاب الدور الذي كان يقوم به المثقف داخل الأحزاب السياسية المغربية خلال مرحلة الاستقلال فما بعده أي إلى غاية نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي.

– اندحار الخطاب السياسي الوسطي للأحزاب الوطنية (الأحزاب النابعة من الحركة الوطنية) التي كانت قريبة من انشغالات الشعب المغربي في ما مضى وتحوّلها من العقلانية والفعالية إلى العبث والابتذال.

–   غياب العقلانية في النظام الانتخابي وضعف العتبة الانتخابية مما ساهم ويساهم في سيادة البلقنة السياسية وفي عدم جدوى الخطابات البرامج الحزبية.

– استفحال المظاهر السلبية في ممارسات الحزبيين من قبيل الانغماس في الفساد والريع الاستغلال المغرض للمشاركة السياسية والتسابق على القرب من السلطة وتدمير الذات الجماعية لإرضاء الذات الفردية.

– غياب قوانين تسمح بضبط الاختلالات في الأحزاب السياسية ومعالجتها معالجة مستقيمة مثل منع التعددية أو الازدواجية في المهام والمسؤوليات وإزاحة الفاسدين والمتابعين قضائيا من الحياة السياسية وربط المسؤولية الحزبية والتدبيرية بالكفاءة العلمية وغير ذلك من المعالجات الضرورية لعقلنة الحياة السياسية والحزبية.

وفي الختام، نقول إن الوقوف على هذه الملاحظات ما هو إلى محاولة لوضع اليد على داء رأسه موسوم بممارسة سياسية بلا أخلاق ولا عقل، وأما دواؤه فلا يمكن أن يوجد إلاّ باتحاد الإرادات الحسنة الفوقية والتحتية في موقع وسطي يمثل أغلبية أفراد المجتمع أو لعلّه تجسيد لما سمّاه روسو نظريا بالعقد الاجتماعي، لكن ذلك يبقى مرهونا بالعمل على تكبيل أياد أبانت عن سوء نيات أصحابها وعمى بصيرتها عندما أرادت لدولة المغرب أن تتهاوى إلى مزبلة التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.