الدولة المغربية بين خيار العودة إلى الأصول المخزنية العتيقة وخيار اعادة بناء الدولة الديمقراطية المتعددة

عندما استحضر ما يقع الآن في بلاد المغرب الأقصى من أحداث وصدامات تؤثث العلاقة بين السلطة المركزية و الكثير من جهات الوطن التي تشهد احتجاجات شعبية علي واقع الحكرة و التهميش الذي مورس عليها ولا يزال من طرف الدولة المخزنية.وكذا
ما تتميز به هذه الاحتجاجات خلافا لسابقاتها ،قبل عقد الثمانينيات، من خصوصيات جهوية يغذيها الإحساس المشترك بالانتماء إلى مجالات جغرافية متميزة بثقافاتها وتاريخها وذاكرتها الجماعية المشتركة، استخلص ملاحظتين أساسيتين.

الأولى : هي عودة الدولة المخزنية كسلطة مركزية إلى طبيعتها التقليدية، لمرحلة ما قبل الحماية ،رغم ما تدعيه من حداثة ظاهرية واستهلاكية، لا تنم عن تمثل حقيقي للحداثة كمشروع فكري وفلسفي .وهي المرحلة التي تحددت من خلالها طبيعة العلاقة التاريخية التي ميزت من جهة، السلطة المركزية بما يسمى بالهوامش ،ولو بما تتصف به هذه الهوامش حاليا من اختلافات تمس الشكل دون أن تلغي جوهر العلاقة التي ربطت السلطة المركزية تاريخيا بها ، والقائمة على التشكيك في ولائها للوطن، والنظر إليها من موقع الربي والتوجس والخوف من نواياها وتحركاتها التي تخفي تاريخا قديما يحيل علي كون الهوامش كانت دوما محددة لتاريخ تعاقب الدول في بلاد المغرب الأقصى مرورا بـ المرابطين والموحدين الخ… . مع كل ما تخلل هذه العلاقة من توترات عنيفة تارة ،و من سلام على أساس اتفاقات سرعان ما يتم نقضها تارة أخرى، عندما يستقوي طرف على الآخر ، تستوجب حملات تأديبية من طرف السلطة المركزية مفضية بذلك إلى اتفاقات جديدة تحافظ نسبيا ،والى حين ، على السلم الاجتماعي المفضي بالضرورة إلى استقرار الحكم المركزي .
ومن جهة اخرى علاقة السلطة المركزية بمحيطها الجغرافي، الذي توطد سلطتها المطلقة عليه وتتحكم في تفاصيله الدقيقة بالإكراه والريع وكل أنواع الامتيازات ، بحيث تجعله خاضعا لارادتها ،ولما لا مساهما حتي في حملاتها التأديبية على من تعتبرهم خارجون عن طاعتها ، عندما تقتضي الضرورة ذلك .كما كان الشأن حاليا مع حملات التخوين الممارسة من طرف الأحزاب المركزية والحكومة ،في حق المشاركين والمشاركات في الاحتجاجات الاخيرة ،والتشهير بقياداتها ، والتشكيك في ولائها للوطن وللدولة المركزية، مكررة بذلك نفس الممارسات، ونفس الاتهامات ،التي طالت الكثير من جهات الوطن المنتفضة إبان مرحلة الاستقلال، لا لشيء الا لكونها طالبت بحقها في تدبير شؤونها بنفسها ، بالشكل الذي يضمن حقها في الثروة والسلطة . لكن ان تعود هذه الممارسات ونفس العقليات بعد مرور أكثر من 60 سنة عن الاستقلال ،وبعد كل ما قيل عن بناء الدولة المركزية الحديثة .فهذا يؤشر على فشل ذريع لمجمل شعارات التحديث والديمقراطية والتنمية ، التي تم رفعها بعد الاستقلال وكانت سببا في قمع الكثير من الانتفاضات وفي ارتكاب الكثير من الانتهاكات بدعوى ان البلد لا زال مهددا في وحدته ويتطلب استقرار اجتماعيا وسياسيا من أجل إنجاز هذه المهام حسب اعتقادها.

الملاحظة الثانية :هو أن ما تشهده الكثير من الجهات التاريخية بالمغرب من تصاعد لوتيرة الاحتجاجات ،التي أخذت أبعادا شعبية وجماهيرية ،على خلفية ما سبق و ذكرناه من أسباب قوامها تنامي الإحساس بالقهرة ، والتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، في مقابل خفوت وصمت الحواضر الكبرى التي يتشكل منها مثلث السلطة المركزية .
كما أن هذه العودة البينة الي الاصول المخزنية للسلطة المركزية , في مقابل التخلي عن مجمل الشعارات التي رافقت مرحلة الاستقلال , يمكن رصد تمظهراتها كذلك منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، خاصة مع بداية أجرأة سياسات التقويم الهيكلي رضوخا عند رغبة المؤسسات المالية الدولية المانحة ،وما تطلبه ولا يزال من أعمال لسياسات تقشفية تمس المواطنين والمواطنات في قدرتهم المعيشية و حياتهم اليومية، الشيء الذي تطلب منها العمل وفق اختيارات اقتصادية وسياسية امنية وليس تنموية، شكلت الهوامش ، المجالات الفضلي لتطبيق سياساتها التقشفية في التشغيل والاستثمار العمومي والخاص، وحتى ما تم إنجازه من بنيات تحتية في هذه الجهات ، لم يكن بهدف خلق أقطاب استثمارية واقتصادية التي تتطلب ارادة سياسية حقيقية واستراتيجية تنموية شاملة بقدر ما أصبح يتحكم فيها منطق فك العزلة ، وتسهيل عملية ولوج السلطة المركزية إليها، وتعزيز عملية ضبطها، وحتى ما أنجز كذلك من مشاريع هامة في بعض المدن الكبرى المحسوبة على جهة الشمال او الريف كطنجة مثلا، لم يكن يندرج ضمن اختيارات استراتيجية هدفها النهوض بالجهة وتصحيح الاختلالات الاقتصادية بين الجهات ، بقدر ما أملتها الوقائع الجيو استراتيجية للمنطقة التي تقع على بعد كيلومترات من أوروبا، مما يعطيها امتيازا وقدرة اكبر علي التنافسية ، و جلب الاستثمارات التي مع الاسف لم تستفد الجهة ولا ساكنتها منها ، سواء من ناحية تشغيل اليد العاملة بالمنطقة التي عملت الدولة المركزية علي جلبها من فائض البطالة في الجهة الوسطي حيث تتمركز سلطاتها ، او من ناحية عائداتها المالية التي تصب في اللوبي المالي والاقتصادي المركزي ،وهو ما يفسر ما صاحب هذه المشاريع كذلك من بنيات لوجيستة تهدف الي ربطها canalisation بمركز السلطة الاقتصادية والمالية والسياسية ، من خلال انجازها لشبكة من الطرق السيارة و السكك الحديدية وحتي بمشروع القطار السريع ،رغم عدم جدواه ، الذي سيربط الميناء المنوسطي بمدينتي الرباط والدارالبيضاء .هذا في الوقت الذي لازالت ساكنة الجهة ، تعاني خصاصا حادا في شبكة الطرق السليمة والامنة في التنقل بين المدن ،وفي الوقت الذي لاتتوفر فيه كذلك الجهة، رغم شساعتها ،علي اكثر من مئاة كيلوميتر من السكك الحديدية .هذا كله انسجاما ومفهومها المركزي للتنمية، القاضي بجعل الهوامش في خدمة المركز، سواء تعلق الامر بالسياسة او بالاقتصاد ، مع هاجس الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي بالجهة التي تتمركز فيها سلطاتها.

كما ان الدولة المركزية وفي مقابل ما تنتهجه من سياسات عمومية تقشفية اتجاه الهوامش ،عمدت إلى اتخاذ إجراءات احترازية امنية ، ضابطة لانفاس وتحركات ساكنة الحواضر الوسطي، واجراءات اخرى اقتصادية اتجاهها، بحكم كونها حاضنة لمركز السلطة من خلال إنجاز استثمارات مهمة لفائدتها من عائدات بعض القطاعات الانتاجية الوطنية (الفوسفاط الصيد البحري الخ..) او من عائدات العمال المهاجرين من العملة الصعبة ، التي تعمل من خلالها، على خلق المزيد من فرص الشغل لساكنتها ،وامتصاص البطالة المتزايدة لديها، حتى وان تطلب الامر تشغيلها في مشاريع استثمارية خارجة مجالها الجغرافي ، وهو ما اصبحت تعتبره هذه الساكنة ، مع الاسف ،امتيازا بالنسبة لها رغم كونه يتم على حساب حقوق ساكنة الجهات الأخرى، في التشغيل والعيش الكريم، هذا كله من أجل تفادي الاضطرابات الاجتماعية التي قد تؤدي إلى تفكك القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها الحكم المركزي،وحتى لا يتكرر ما حدث مع انتفاضتي العاصمة الاقتصادية والإدارية سنتي 65 و81 .وهو ما يفسر ،إلى حد ما كذلك ،عدم انخراط ساكنة الحواضر الوسطى حاليا ، في حركة الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها او شهدتها معظم الجهات وحتي قبلها اي منذ اواسط الثمانينات مرورا بانتفاضة 84 و 90 ، التي شملت الكثير من الحواضر الهامشية ، اضافة الي الكثير من الحركات الاحتجاجية الشعبية المناطقية، اخرها حراك الريف وجرادة وسيدي افني وزاكورة و خنيفرة الخ…انها فعلا نهاية مرحلة بكل مأسيها ،وبكل احلامها وشعاراتها ،رغم زيفها ، وبداية مرحلة تعود بنا إلى بدايات الاستقلال ،عندما طرح سؤال اي شكل لدولة الاستقلال نريد ؟. وما تخلله من انتفاضات لكثير من المناطق والجهات المهمشة مرورا بالريف/الشمال و الأطلس والجنوب الخ.. مطالبة بحقها في السلطة السياسية والثروة الاقتصادية .
يبدو اننا فعلا، بصدد العودة إلى بدايات البدايات ، بكل ما تعنيه هذه العودة ،من نهاية لمشروع استكمال بناء الدولة المركزية الحداثية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية ، التي كان من المفروض أن تقوم على الحرية و العدل و المساواة و تكافؤ الفرص بين المواطنين والمواطنات، وبين المناطق والجهات، الذي تغنت به الحركة الوطنية في بدايات الاستقلال وساهمت من أجله، حينها ،في قمع الكثير من الانتفاضات الشعبية المطالبة بحقها من الثروة والسلطة بمبرر الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية، خاصة وان الدولة لازالت حديثة العهد بالاستقلال، حسب اعتقادها ، في مقابل إطلاق وعود، تبين زيفها حاليا، بمستقبل زاهر للبلاد سيفيض خيره على الجميع.

كما ان هذه العودة تعني عودة إلى الأصول المخزنية للدولة ،ونهاية التوافقات التي نسجتها الحركة الوطنية والقصر، إبان انطلاق اوفاق اكس ليبان ، ولكل المشاريع والشعارات الزائفة التي قامت عليها دول ما بعد الاستقلال .
إذن فهي عودة للدولة إلى جوهرها وطابعها المخزني التقليدي ،رغم ما تتسم به من تمظهرات حداثية وذلك بعد تنصلها من توافقاتها السياسية السابقة مع أقطاب الحركة الوطنية ،وبعد أن أجهزت على تعبيراتها التنظيمية حتى كاد ينعدم دورها في المشهد السياسي الحالي . وهو ما يعكس كذلك مدى مسؤولية هذه الأحزاب في ما نحن عليه من أوضاع نتيجة ما أقدمت عليه من توافقات مع العرش إبان مرحلة الاستقلال ، رغم ما كانت تتسم به المرحلة من اختلال لموازين القوى لصالحها والتي تواترت فيها كل الظروف من اجل انجاز تعاقدات اجتماعية ودستورية تؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي، وبعد.ان بادرت بدل ذلك إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة في حق مشروعيات تاريخية مقاومة أخرى، بدواعي خيانة الوطن والعرش .
اننا فعلا نعيش مرحلة العودة إلى بدايات البدايات ،وذلك بعد فشل كل محاولات دولة التوافقات في إحقاق شعاراتها التحديثية و فشل نموذجها في التنمية والديمقراطية، وعجز نخبها السياسية ،بعد أن شاخت في عمرها السياسي و البيولوجي ، على طرح بدائل تتطلب نقدا ذاتيا صريحا ، وجرئة سياسية قوية من اجل اعادة النظر في الكثير من الاساطير المؤسسة للفكر السياسي المغربي المعاصر ،التي تم بنائها في إطار التوافقات السياسية التي سبق ذكرها ، برعاية تامة من طرف الدولة الاستعمارية الفرنسية قبل وبعد الاستقلال مباشرة، وهو ما يتطلب كذلك التنازل على الكثير من الامتيازات الاقتصادية والسياسية والمالية التي أمنتها هذه التوافقات لصالح العائلات الكبرى التي شكلت مع مرور الوقت لوبيات معيقة للتطور والتحديث والديمقراطية ،والتي يبدو أنها مستعدة للتضحية بالدولة والمجتمع في مقابل الحفاظ عليها ولا يهمها في ذلك العودة الى الاصولية المخزنية ،وحتى التقائها الموضوعي بالأصولية الدينية إذا كان في ذلك، ضمانة لاستمرار مصالحها ، واستمرار وجودها، خاصة مع ما يعيشه المجتمع كذلك من تحول فكري و ثقافي في اتجاه الأخونة و الدعشنة منذ عقد الثمانينيات. ساهمت فيه الدولة باعدامها للبرامج التعليمية التنويرية، وإلغاء مادة الفلسفة من حقل التعليم الثانوي والجامعي، في مقابل التشجيع على البرامج التعليمية الدينية ، مع رعاية خاصة لحركات الإسلام السياسي من أجل مواجهة الفكر اليساري التقدمي الذي اعتبرته خصما لها.اضافة الى استفادة هذه الحركات من واقع الازمة والهشاشة الشاملة التي تنخر جسم المجتمع المغربي خاصة في الحواضر الكبرى ، مما ساعدها في تحكمها تدريجيا في الحقل السياسي عبر تأسيس قاعدة انتخابية صلبة، وفي الحقل الديني عبر ما يتيحه لها مبدأ امارة المؤمنين من إمكانات لوجستية هائلة تمكنها من السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع. وهو ما يزيد من توسع قاعدتها الانتخابية ، التي من طبيعتها الاصولية ،مناهضة اي مشروع سياسي تحديثي، بالشكل الذي يمكن أن يشكل التقاء موضوعيا ولو بمنطلفات مختلفة بين الأصولية المخزنية والأصولية الدينية . وذلك في مقابل غياب شبه كلي للنخب الثقافية والفكرية القادرة على طرح مشاريع سياسية بديلة تنموية و ديموقراطية ،تقطع مع الأنماط السابقة تفكيرا وتنظيما وممارسة، و تعمل في نفس الآن على إنقاذ الدولة والمجتمع معا مما يهددهما من اصولية مركبة قد تعصف بالجميع.
كما أنها كذلك، عودة لشرائح واسعة من المجتمع المغربي ،خاصة الفئات الشابة منها ، إلى أصولها التاريخية في التعامل مع الدولة المخزنية، واستنهاض مقوماتها التاريخية والحضارية الروحية والثقافية منها ، التي تمكنها من مقاومة الاستبداد المخزني والاصولية الدينية المشرقية ، واعادة صياغة مطالبها المشروعة القائمة علي حق الجهات التاريخية في تدبير شؤونها بما يضمن حقها في المشاركة في السلطة السياسية و حقها في التوزيع العادل للثروة والعدالة والحرية والكرامة .وهو ما يثبت أن الذاكرة الجماعية لهذه الجهات التاريخية لازالت حية وخصبة ،ولازالت وفية لمطالب اجيال ما قبل وبعد الاستقلال ، وقد تجلي هذا بالملموس في ما تمثله الحراك الشعبي مؤخرا سواء بالريف أو في جهات أخرى من الوطن ،من مطالب مشروعة تؤطرها رموز ثقافية وتاريخية تؤجج الإحساس بالانتماء إلى مجالات جغرافية غنية بخصوصياتها التاريخية والثقافية ، وبما تختزنه من ذاكرة جماعية مشتركة مضيئة.
انها عودة الى بدايات البدايات ، التي تؤشر بالملموس على فشل كل الشعارات التحديثية الرامية إلى اقامة دولة مركزية قوية مستوحاة من النموذج اليعقوبي التي بدأت بوادر فشلها مع منتصف الثمانينيات من القرن الماضي .انه الفشل الذي يمكن ايعازه ، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من أسباب مرتبطة ببنية النظام السياسي المخزني القائم على نظام الريع والامتيازات والذي تشكلت من داخله وحوله مجموعات مصالح ضاغطة ومكبلة لأي مشروع ديموقراطي و تحديثي للدولة والمجتمع، نظرا لما يمكن أن يستتبع ذلك من انهيار شامل لهذه المنظومة. يمكن ايعازه كذلك إلى ما حصل. من توافقات سياسية هشة ، حتى في حدها الأدنى، فاقدة لأي ضمانات دستورية وذلك على حساب مصلحة الشعب في استكمال التحرير والديمقراطية والحرية . كما اظن كذلك ان هناك اسباب اخرى لهذا الفشل تتمثل في عدم استفتاء الشعب المغربي من خلال إشراك مشروعيات تاريخية أخرى، ناضلت وقاومت من اجل التحرير و التي تم قمعها بالحديد والنار في الخمسينيات من القرن الماضي لا لشيء، إلا لكونها طرحت سؤال، أي استقلال نريد؟ وأي شكل للدولة سنعمل علي إقامتها لمرحلة ما بعد الاستقلال؟. وهي الأسئلة الحارقة التي تعيد طرح نفسها من جديد ، والتي مع الأسف شكلت صك اتهام ، قوامه خيانة الوطن والعرش، للمشروعيات التاريخية التي رفعتها ،و مبررا لارتكاب أفظع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في حقها، وذلك بدل الذهاب في حينها إلى حوار وطني شامل حولها ،بهدف بناء تعاقدات اجتماعية صلبة ،محصنة دستوريا لمغرب ما بعد الاستقلال ،تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتنا السوسيو ثقافية والتاريخية ، التي صقلت الهوية المغربية كشعب وبلاد امازيغية ،شكلت فيها دوما الجهات التاريخية ،حصنا منيعا في مواجهة التهديدات والاطماع الخارجية التي كانت تهدد وحدته الترابية ،وصمام أمان لوحدته الوطنية بمفهومها التعددي،وهي التي أبقت المغرب دائما بلدا مستقلا موحدا ومتعددا ، بالرغم مما كانت تتسم به علاقة هذه الجهات التاريخية بالسلطة المركزية، من وأم تارة او توترات مرة اخري ، ولها كانت توكل مهمة حماية الحدود الترابية للوطن، في حين كانت تكتفي السلطة المركزية بمشاركة رمزية، وتترك شان الدفاع على الثغور للقبائل المجاورة المنتمية للجهات الترابية المعنية . ولنا في تاريخ الحركات الجهادية في القرنين السادس عشر والسابع عشر الي حدود القرن العشرين في كل من جهة الريف والصحراء والأطلس الخ …خير دليل على الأدوار الرائدة للجهات التاريخية بالمغرب في الدفاع وصيانة وحدة البلاد، وذلك حتى في الظروف التي تكون فيها السلطة المركزية ضعيفة وعاجزة على الاضطلاع بمهام الدفاع على البلاد والعباد.

أقول هذا للتأكيد علي احقية وشرعية السؤال، حول شكل الدولة الذي كان يمكن أن يكون ملائما لمغرب ما بعد الاستقلال ؟. وهل كان ضروريا استنساخ النموذج اليعقوبي القائم علي مفهوم الدولة الوطنية القومية اللاغية للتعدد الذي يتميز به المجتمع المغربي وللخصوصيات السوسيو ثقافية والتاريخية للجهات بالمغرب؟. هذا في الوقت الذي تم التخلي عن نموذج الدولة اليعقوبية في عموم دول أوروبا باستثناء موطن نشأتها بفرنسا ؟. وهل لم تتوفر لنا خيارات اخرى من اجل بناء الدولة الديمقراطية والحداثية القوية بجهاتها التاريخية ، القائمة على مفهوم الامة المتعددة ، بخصوصياتها الثقافية واللغوية والتاريخية في إطار دولة الاطونوميات الجهوية المتضامنة ، الضامنة للاقتسام العادل للثروة والسلطة بين المركز وجهاته ،و حيث تكون هذه الاخيرة شريكا حقيقيا في سن وتنفيذ السياسات العمومية ،جهويا ووطنيا ،بما تقتضيه من إعمال لمبدأ الديمقراطية التشاركية ، وليس فقط مجالا جغرافيا مبتورا و فاقدا لشخصيته المعنوية والمادية ، كما هو الشأن مع ما سمي بالجهوية المتقدمة التي كل ما أفضت إليه هو إعادة انتشار تمركز الدولة وتوطيد عملية تحكمها في الجهات المهمشة التي شكلت قلقا تاريخيا لها؟.
أقول قولي هذا حتى لا أكون مجحفا في حق تاريخنا المشترك الذي أثبت ان الجهوية في المغرب، هو شيء أصيل في ماضينا النضالي والحضاري، وكانت تاريخيا ضامنة لوحدته الوطنية و الترابية، وبالتالي شكلت إرثا سياسيا وفكريا وثقافيا كان يجب البناء عليه من اجل الاجابة على سؤال شكل الدولة، الملائمة لخصوصياتنا المغربية ؛ لمرحلة ما بعد الاستقلال .وبدل تبني نموذج الدولة اليعقوبية كان من الصواب الذهاب الى بناء دولة الاوطونميات الجهوية المتضامنة في إطار تعاقدات اجتماعية منسجمة ومتناغمة مع الواقع التعددي للمجتمع المغربي ومطورة له ، بدل اعتماد نموذج تم التخلي عليه في الكثير من الدول والمجتمعات الديمقراطية على المستوى الأوروبي بعد أن أفضى الى ما افضى إليه من حروب عالمية ومآسي إنسانية . وهو النموذج الذي من جملة نتائجه وطنيا كذلك، حتى في طبعته المخزنية ،هو الفشل في احقاق الاهداف التي رسمها المدافعون عليه ،المتمثلة في إحقاق التنمية والديمقراطية من جهة ،وصيانة الوحدة الوطنية من جهة أخرى، التي أصبحت تعيش على واقع استمرار الاحتلال الاسباني لأجزاء من بلادنا ، وعلى واقع النزاعات الترابية خاصة بجهة الصحراء، حتى أضحينا مضطرين إلى طرح مبادرة الحكم الذاتي المؤطرة ضمن القانون الدولي الخاص بحل النزاعات المسلحة القائمة علي اساس عرقي او ديني في البلد الواحد، او من اجل حل النزاعات بين الدول الاستعمارية وبعض مستعمراتها السابقة برعاية اممية، وذلك وفق الفصل الحادي عشر وكل من الفصلين 73 و74 من ميثاق الأمم المتحدة…. هذا في الوقت الذي كنا في غنى عن هذا الوضع لو تم اعتماد شكل الدولة القائم على الاوطونميات الجهوية التي تؤطر هذا الحق ضمن تعاقدات اجتماعية ودستورية داخلية تجعل من الوحدة الوطنية مفهوما طوعيا و إراديا ، يتحول بمقتضاه مفهوم السيادة الوطنية إلى مفهوم مكثف لسيادات جهوية .ومن أجل المزيد من التوضيح في هذا الباب كان لابد من تبيان الفرق بين الحكم الذاتي كترجمة حرفية لكلمة الاوطونوميا، والتي تعني حصريا الحكم الذاتي الدولي ، الذي ترعاه الامم المتحدة وهو ما تحيل اليه الترجمة في القاموس السياسي العربي الذي لا يتسع لمفهوم التعاقدات الداخلية لكونه ، أي العقل السياسي العربي ،هو نتيجة أنظمة توتاليتارية متعصبة للقومية العربية ومعدمة لما تختزنه مجتمعاتها من تعدد عرقي وثقافي، وبالتالي فان قاموسها اللغوي لا يمكن أن يتسع لمفهوم هي في الأصل تعمل على إنكاره .هذا في الوقت الذي يمكن أن يشكل فيه نظام الاوطونميات بالإضافة إلى ما يحيل اليه في القانون الدولي ، شكلا متقدما من أشكال أنظمة الحكم الديمقراطية التي تستند الي القانون الدستوري الداخلي، وهذا ما يجعلني من المدافعين علي ان تبقي كلمة الاوطونوميا على أصلها وعدم إخضاعها للترجمة العربية التي تحصرها في المفهوم الاممي والدولي و تفقدها معناها التعاقدي في سياق تطور الأنظمة السياسية للشعوب والدول . كما أن القصور في الفهم وهذا الالتباس في المفهوم هو ما يجعل من يتبنون فكرة الحكم الذاتي في اصطلاحه العربي ، يبتدعون ما يطلقون عليه “بالشعب الريفي” في محاولة يائسة لاظهاره كعرق مضطهد ومتميز عن باقي أمازيغ المغرب الذين تتشكل منهم غالبية الشعب المغربي، ان أحصينا حتى المستعربين منهم .وذلك من أجل استكمال الشروط والعناصر الاساسية للمطالبة به.
لكن أن تتبنى هذا المفهوم علي اساس عرقي واحادي، في بلاد كالمغرب الذي يعتبر في الأصل أمازيغيا ،ارضا وشعبا .فانك كمن يريد ان يفصل الفرع عن الأصل وفيه الكثير من التجني على التاريخ والجغرافيا وعلى أمازيغ المغرب عامة الذين يتشكلون من ثلاث مجموعات قبلية كبرى، لا وجود لشيء ضمنها يسمى ب”شعب الريف” هي: قبائل سنهاجة التي تمتد من الريف الأوسط شمالا إلى الصحراء جنوبا مرورا بالضفة الغربية للأطلس وأسسوا احدي الدول الكبرى في المغرب الأقصى هي الدولة المرابطية وعاصمتها مراكش. ومن قبائل المصامدة التي تمتد من الريف الغربي شمالا الي الصحراء جنوبا مرورا بالساحل الاطلسي وأسسوا الدولة البرغواطية وعاصمتها شالة قديما والرباط حاليا .ومن قبائل زناتة وتمتد من الريف الشرقي شمالا إلى حدود الصحراء جنوبا وأسسوا الدولة المرينية وعاصمتها فاس اولا وبعدها الرباط أو شالة حيث توجد قبور سلاطينهم . وبالتالي فان القول بالشعب الريفي هو تنكر الفرع لأصله وجذعه سواء تعلق الأمر بالريف اللسني نسبة إلى من هم لا زالوا ناطقين بالريفية حاليا المتواجدين بمنطقة الريف الأوسط والشرقي والذين يتم بترهم عن امتداداتهم سواء كسنهاجيين او زناتيين الذين يمتدون إلى حدود الصحراء جنوبا كما يتعسفون في نفس الآن على باقي امازيغ بلاد الريف المستعربين كجبالة حاليا الذين ينتمون إلى مجموعة قبائل المصامدة المتواجدين بالريف الغربي. كما يتعسفون علي التاريخ المشترك لبلاد الريف كما وردت عند ابن خلدون وليون الافريقي التي تتشكل من كل هذه المجموعات القبلية الأمازيغية المختلفة بما فيها المستعربة التي راكمت لقرون من الزمن إرثا نضاليا وحضاريا مشتركا وتشكلت ككيان وشخصية معنوية متميزة حتى قبل مرحلة انطلاق الحركات الجهادية مع بداية القرن السادس عشر وحتى عهد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي استفاد من هذا التاريخ المشترك من أجل توحيد أكثر من 60 قبيلة في مواجهة القوى الاستعمارية في الوقت الذي لم تتجاوز القبائل الناطقة بالأمازيغية في هذا التحالف نسبة الثلاثين بالمائة .انه فعلا تعسف على التاريخ والجغرافيا والإرث الحضاري المشترك لعموم بلاد الريف التي تتشكل من مجموعات قبلية امازيغية مختلفة في انسابها واعراقها اضافة الي باقي المكونات الأخرى من والوندال والعرب والموريسكيين التي انصهرت في النسيج الحضاري والاجتماعي والثقافي لبلاد الريف كبلاد انفتحت تاريخيا على مختلف حضارات البحر الأبيض المتوسط . لذا فاني اعتبر ان ما يتم تسميته بـ “شعب الريف” هو تمييز و تعسف يمارس في حق أمازيغ بلاد الريف وكل امازيغ بلاد المغرب الذين يتم تقطيع أوصالهم و اظهارهم كأقليات عرقية مختلفة ، في الوقت الذي يشهد فيه تاريخ المغرب على عكس ذلك ، وهو كذلك تجني على كل مكونات بلاد الريف الأخرى، بما فيها المستعربون من قبائل المصامدة في الريف الغربي ، ومن قبائل صنهاجة في الريف الأوسط ، ومن بعض الأقليات العربية والموريسكية ، وعلى كل تاريخ وجغرافيا بلاد المغرب .
بالتالي فإن أي تبني لفهم من هذا القبيل من طرف البعض، أما ينم عن جهل عميق، اويتم بشكل مقصود بهدف الاستيلاد القصري لعنصر مغلوط ،لكنه ضروري لبناء كيان سياسي وهمي، سواء باسم الحكم الذاتي او باسم الجمهورية ، يفتقر إلى أدنى مقومات وشروط الحياة.
لذا فإني ممن يتبنون مفهوم الشعب المغربي، بهويته الأمازيغية وبتعدد ثقافاته والسنته، وبجهاته التاريخية الغنية بخصوصياتها السوسيو ثقافية والحضارية ، التي من حقها تسيير شؤونها بنفسها .
نظرا لكل ما سبق فإني اتفادي دوما استعمال مصطلح الحكم الذاتي في تحليلاتي السياسية ،نظرا لبؤس القاموس السياسي العربي الذي يعكس بؤس وتخلف الانظمة السياسية العربية، وبالتالي افضل دائما استعمال مصطلح الاوطونوميات بالمعنى الأصلي و الواسع للكلمة ، الذي يأتي في إطار تطور الدول والمجتمعات وأنظمة حكمها عبر تعاقدات اجتماعية ودستورية من أجل الرقي بالعملية التنموية والديمقراطية ومن أجل الانتقال بشكل الدولة، من الدولة المركزية الى المركبة او الفدرالية .

خلاصة القول اننا فعلا أمام رحلة العودة إلى بدايات البدايات .لكن السؤال المطروح هو هل لازال في المجتمع وفي الدولة ما يكفي من الإرادات النيرة المستشعرة لخطورة الاوضاع التي تهدد استقرار البلاد والعباد ،خاصة مع ما يعيشه وضعنا الإقليمي والدولي من نزاعات اجتماعية عنيفة تغذيها مصالح الدول الكبرى؟.
وهل تمتلك هذه الإرادات، ان وجدت ، القدرة والجرأة على مواجهة هذه المرحلة بما تتطلبه من إعادة صياغة السؤال التاريخي الذي يضع سؤال شكل الدولة قبل سؤال شكل السلطة، واعادة بنائها بالشكل الذي يلائم خصوصياتنا كبلاد امازيغية وشعب متعدد بالسنته وثقافاته و خصوصياته الجهوية والتاريخية؟.
أم اننا امام عودة وتكرار للتاريخ لكن بطريقة اكثر ماساوية .

انتهي في 18 أبريل 2018
د. تدمري عبد الوهاب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.