الدكتور موسى أغربي يكتب .. العبودية: مختارة أم مفروضة؟

موسى أغربي

مناسبة هذه المقالة صدور الترجمة العربية لمقال في العبودية المختارة، للكاتب الفرنسي “اتين دي لابويسيه” (La Boétie)، وذلك من لدن عالم النفس المعروف مصطفى صفوان، عن دار العلم بيروت سنة 2002، وقد لا يستغرب القارئ بالعربية من إقدام الأستاذ مصطفى صفوان على ترجمة مقالة تفصلنا عنها خمسة قرون تقريبا، والتي صدرت على الأرجح في سنة 1549، وخاصة إذا عرفنا أن المترجم كان له مشروع واعد مرتبط بتأصيل نظرية التحليل النفسي في الجامعة المصرية، وقد استهله بترجمة جزء من كتاب فرويد “تفسير الأحلام”، ولكن بيئة بلده وبيئة جيرانه شرقا وغربا لم تكن مهيأة لقبول مشروع مثل هذا، لأن ركائز التخلف الحضاري والسبات العقلي لا زالت راسخة ومطمئنة إلى يقينياتها القاتلة لكل فكر نقدي، وكأني بالأستاذ مصطفى صفوان وهو يترجم هذه المقالة في بداية القرن الواحد والعشرين يريد أن يذكر قومه بأنهم لا زالوا خاضعين لمفهوم العبودية المختارة التي عبر عنها لابويسيه منذ قرون خلت، والمأساة الأعظم، أن في الأزمنة القادمة متسعا من الحرية لهذه العبودية تصول وتجول نتيجة عبث الفكر الخرافي بالعقول وخاصة في زمننا الراهن هذا.

ولكن القارئ قد يتعجب من إعادة نشر المقالة ملخصة في مجلة Philosophie عدد 86 فبراير 2015 الفرنسية، وهل القارئ الغربي في حاجة إلى من يذكره بأزمنة العبودية المتجاوزة بفعل سيرورات تاريخية، الثورة الفرنسية وفلاسفة الأنوار والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وشعار المواطنة والمساواة الدستورية أمام القانون ..الخ.

إن الغرب الرأسمالي يزهو بنفسه حينما يدعي أنه مركز الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل وحتى حقوق الحيوانات، وهذا الخطاب إذا كان له جانب من الصحة، فإنه يجب أن لا ننسى أنه كان ولا يزال يتحالف مع أنظمة الاستبداد والطغيان التي تقع خارج حدوده الجغرافية والسياسية حفاظا على مصالحه، أضف إلى ذلك نزوعه نحو الهيمنة لغويا وثقافيا بعد أن هيمن سياسيا على شعوب الأرض، إلى غير ذلك من التفاصيل التي لا يسع المجال لذكرها، ولكن لنركز اهتمامنا على مدى تحقق حرية الإنسان داخل النظام الرأسمالي نفسه، لأن الديمقراطية أو حرية الفرد والشعب في اختيار من يتولى شؤونه السياسية والثقافية والاجتماعية، كل ذلك لا يدل على أن الشعب أو الفرد ينعم بالحرية المطلقة أو أن العبودية أصبحت من الماضي،  أو هي قدر الشعوب المتخلفة والهمجية، ففي قلب العالم الديمقراطي توجد أيضا عبودية ليست من النمط الذي تحدث عنه لابويسيه قبل ما يقرب من خمسة قرون، ولكنها مع ذلك تظل عبودية والوسائل فقط هي التي تختلف والطرق المفضية إليها.

في مقدمة المقالة التي كتبها المناضل والمفكر الأرجنتيني Miguel Benasayag (المقيم حاليا في فرنسا) يقول أن آليات الاستعباد لم تزل بزوال النظام القديم، ويراهن على أنه لو تأتي لبوسيه أن يرى عادات معاصرينا فإنه سيلقى نظرة متشائمة جدا على هذا العصر، لأنه لا زالت هناك استمرارية تذوق عذوبة العبودية إن لم تكن إرادية فهي محل الرضا، وكل ما في الأمر أن هذه العبودية اتخذت سمات أخرى تختلف عن تلك التي وصفها لابويسيه، أن التغيير الأساس الذي حدث يتصل بطبيعة الهيمنة التي ليست سياسية، بل إنها في المقام الأول تكنولوجية، وماكرواقتصادية، ومن ثم فإن الطغاة الجدد ليسوا بالضرورة زعماء الدولة، والطغيان أصبح يعتمد على آليات مستحدثة تتجسد على نحو خاص في سحرة نيو ماركتينغ يتولون البحث عن آليات رغباتنا في الاستهلاك وذلك اعتمادا على كشوفات العلوم المعرفية sciences cognitives، ومن سمات العبودية الجديدة الأساسية تعميم مراكز التنبؤ بحيث أن كل فرد يختصر في جانب واحد: المستهلك، بل يصل الأمر إلى حد  التحسس على أوراقك الحميمية والخاصة، وهكذا فعن طريق تحليل مداخل ومخارج بطاقتك البنكية يمكن التنبؤ بما إذا كنت مقدما على الطلاق خلال الثلاث سنوات المقبلة (وهكذا يتبين أن دول العالم الثالث تنشر المخبرين في المقاهي لإحصاء أنفاس الناس، وحركاتهم وسكناتهم، بينما الليبرالية الاقتصادية في أوج العولمة تريد أن تنفذ إلى أعمق أعماق حياة الإنسان بالعلم المعرفي، لا بالاذنين كما يحصل عندنا- لضمان ربح السوق وعملقة الرغبة في استهلاك المنتوج حتى ولو كان غير ضروري وزائد عن الحاجة كما يقال)، ومن ثم ينتهي بنسياك إلى استنتاج يعتبر الخاصية الثانية للعبودية المعاصرة يتمثل في غياب الإدراك والفهم، نتحول معه إلى مجرد “دمى” marionettes في استراتيجية بدون مخطط استراتيجي.

لا شك في أن العالم الإسلامي متميز بكونه يخضع منذ قرون لمستبدين تتغير صفاتهم وألوانهم وقبائلهم دون أن تتغير حرفتهم التي يرثونها ويورثونها عن جدارة: استعباد الشعوب التي لا تكتفي بتحمل العبودية بل بقبولها والرضا عنها حتى أنها لا يمكن أن تتصور وجودها بمعزل عن الطاغية، ألم يشاهد العالم كلما مات طاغية تشييعه بالدموع والندب والسكتة الدماغية وهو الذي مارس طيلة وجوده أصناف التنكيل والتحقير، وهذا في حد ذاته يمثل مفارقة وقف عندها لابويسيه: أي أن العبودية ليست مفروضة من الخارج من لدن القاهر الطاغية، بل هي منبثقة من الذات المقهورة وقد اختارت عبوديتها. هذه الفكرة مرعبة على عموميتها ويزداد رعبها كلما أمعنا في كشف تفاصيلها.

غالبا ما ينصرف فهمنا كلمة العبودية، أو الاستعباد، أو الاسترقاق، إلى السلطة السياسية (الخارجية) التي تفرض هذه الأنماط  من سلب الحرية الإنسانية، فهي التي بيدها –عبر التاريخ- أدوات التنفيذ: السيف، السجن، الإيديولوجيا ورجال الدين… ونختغاضى – في غفلة من الوعي – عن مسؤولية الفرد عن اختيار عبوديته بتعبير لابويسيه، بل تحملها، وفي هذا الصدد يقول: “ليست القوة هي التي تنشئ الخضوع، بل الخضوع هو الذي ينشئ القوة”، [راجع مقالة فردريك كروس حول بويسيه في المجلة الفلسفية المشار إليها ص 80]، وردد من بعده الفيلسوف “سبينوزا” الفكرة ذاتها حيث لاحظ بكل مرارة الكثرة الكارثة التي تناضل كل يوم في سبيل عبوديتها، وكأنها سبيل إلى الخلاص [م. ن]، وقد يقول قائل لا أحد يختار عبوديته، بل يناضل في سبيل حريته، هذه الفكرة قد تكون صحيحة في حالة واحدة وأمام شكل واحد من أشكال العبودية ألا وهي العبودية السياسية، فأشكال العبودية أنواع.

لنتأمل ظاهرة عبادة الأوثان: فالوثن المعبود قد يكون تمثالا جامدا أو تجمعا حجريا (مدينة مثلا، أو مكانا مقدسا)، أو جهة من جهات الكرة الأرضية، أو زعيما سياسيا، أو فقيها مدلسا يخرب العقول والقلوب..الخ، بمعنى أن هذا الميل التلقائي إلى الخضوع، لما يصنعه الإنسان بيده أو يتخيله جزء من البنية الذهنية واللاشعورية للإنسان، ذلك بأن الإنسان لكونه يقع تحت تأثير الخوف والذعر والإحساس بالضعف في حاجة إلى خلق صورة خيالية خارج الذات يسقط عليها طموحاته وأحلامه وهواجسه فيصبح عبدا لها وهو في الوقت نفسه معبود، ومن هنا اعتبر يونغ أن القوة الماورائية التي تميت وتحيي ستظل صورة ضرورية للحياة لا مفر منها (انظر كتابه Métamorphoses de l’âme et ses symboles، الطبعة الفرنسية 1993، ص 123).

إننا هنا إزاء نمط من أنماط العبودية تطابق تماما صورة ملوك آشور الذي كانوا يتجنبون الظهور لأن غيابهم يتيح المجال أمام نسج الأساطير من حولهم (انظر مقال في العبودية المختارة، الترجمة العربية ص97).

إن هذا الموقف اللاشعوري للذات البشرية محايث للوجود الإنساني لا يمكن أن تتصور امحاءه بأي شكل من الأشكال في أي مكان وفي أي زمن، إن أقصى ما يمكن تصوره هو أن العبودية تتخذ أشكالا مختلفة ولكن جوهرها الذي هو الاستلاب لا يتزحزح طالما كان جزء من البنية الذهنية واللاشعورية للإنسان، ومما يزيد من صلابة هذه البنية أنها ليست مفروضة من الخارج لأنها بكل بساطة تعبر عن موقف اختياري، وهذا هو الفرق بين هذا النمط من العبودية، والنمط الآخر الذي هو موضوع مقالة لابويسيه.

إن ما يتحدث عنه الكاتب الفرنسي هو انقياد الإنسان طوعا إلى ما يقهره ويسلبه حريته، حتى أن المرء ليعجب من كون قاهر واحد يستعبد آلافا من البشر، بل شعوبا وأوطانا، ولهذا عزم لابويسيه على إعلان صرخته الفاضحة لهذا التخدير الدغمائي الذي يحول بين المرء وإدراك سر اطمئنانه إلى عبوديته، والمسؤول عن قلب ميزان القوى بين القاهر والمقهور، فيصبح الضعيف قويا والقوي ضعيفا، أو بمعنى أوضح أن قوة الشعب يتم تحويلها (أو بالمعنى النفسي) إسقاطها على فرد أحد فيصبح أقوى، وفي الوقت نفسه –وسبب ذلك- يفقد الإنسان ماهيته الأساسية، الجوهر الذي حبته به الطبيعة، وهو أنه يولد حرا، وتولد معه إرادة الدفاع عنها، نعم إن لابويسيه يصرخ قائلا: نحن جميعا أحرار بصورة طبيعية، لأننا معا سواسية”.(انظر ملخص المقالة في مجلة الفلسفة المشار إليها).

أن تكون حرا عند هذا الكاتب هو أن لا تقدم خدمة لمن يستعبدك ويكفي أن ترغب في الحرية لكي تكون حرا، إن هذا الخط السهل الذي يقترحه الكاتب للوصول إلى الحرية نابع من كون مصدر الاستعباد قوة خارجية، ولكن حينما يكون الاستبعاد مستبطنا وتتحالف من أجله السلطة السياسية والإيديولوجية فإن عمره الثقيل يطول ويطول.

ولا شك في أننا إذا انطلقنا من مبدأ المقالة المذكورة لتوظيفها في مجال جغرافي وتاريخي وبشري، يقع جنوب المتوسط وشرقه، مختلف عن واقع لابويسيه التاريخي، فإننا سنلاحظ أن البشر في الحالة الأولى ضحايا الاستعباد سواء أكان مختارا أم مفروضا، في حين أن لابويسيه لا يضفي صفة الضحية على من اختار العبودية طوعا في سياقه التاريخي أي أوربا. ذلك أن أوربا عرفت ما بين القرنين العاشر والثالث عشر نهضة اقتصادية تجلت في تحسين الإنتاج ووسائله وظهور طبقة رجال الأعمال، وفي هذه الفترة برزت كوكبة من المثقفين الفلاسفة أو الانتلجنسيا بالمفهوم الحديث الذي يعود إليهم الفضل في اكتشاف النصوص اليونانية واللاتينية، وكانوا يفضلون قراءة فرجيل والقديس أوغسطين على قراءة سفر الجامعة، وقد عبر برناردي شارتر خير تعبير عن موقف هؤلاء المثقفين من دراسة القدماء فقال: “إننا أقزام نقف على أكتاف عمالقة، نرى ما لا يمتد بصرهم إليه، ليس لأننا أحد نظرا بل لأنهم يرفعوننا” [انظر مقدمة الأستاذ م صفوان في المقالة المترجمة المشار إليها ص 41-42]، بل يمكن القول أن العصور اللاحقة مع استثناءات زمنية طبعا، كانت في طور من الصعود الحضاري لم ينتكس أو يتراجع: ظهور الجامعات وخاصة الفرنسية والإنجليزية التي أنتجت عباقرة ومفكرين أحدثوا ثورات في العلم وفي الفكر وهذا معناه أن لابويسيه لم يكن يصرخ في واد بدون رجع الصدى، أو على الأقل لم يكن النظام السياسي من القسوة واستعباد الشعوب مثلما هو عليه الأمر في العالم الإسلامي منذ سقيفة بني ساعدة.

حقا لقد عرف العالم الإسلامي عمالقة في الفكر دفعوا حياتهم ثمنا لمقاومة جحافل الغزاة القادمين من البداوة الصحراوية يلهثون وراء الغنائم المادية والبشرية التي اعتبرت حقا بموجب الغزو: غزو فارس والعراق ومصر وشمال إفريقيا، ولم يقف الأمر عند حدود تقويض حضارات كانت قائمة في هذه البلدان بل استرقاق شعوبها واتخاذ نسائها إماء وجواري في سوق النخاسة، ويكفي أن نعرف أن عاصمة المملكة الإسلامية بغداد كان بها شارع يسمى “شارع دار الرقيق” كما أن المسلمين (ويا للمفارقة المضحكة) أباحوا لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرقاء ولو كانوا مسلمين (انظر ضحى الإسلام ج I، ص 71 –دار الكتب العلمية 2010)، وقد لا يسع المجال لسرد فضائح الماضي التاريخية الذي تحول إلى زمن معبود من لدن فقهاء التلفزيون التيميين والقطبيين والقرضاويين، فإذا كان الحجاج قد طرد النبط من واسط كما طرد النصارى من الشام ومصر من لدن المسلمين وأهان عقبة بن نافع سيد الأمازيغ اكسيل- إذا كان بالأمر كذلك فإن مقولة: “لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”، يجب أن تتحول إلى مقولة معكوسة تماما وذلك بعكس لفظيها الأساسيين، حتى لا يتحول هذا الماضي إلى صورة عاكسة لذات مريضة تداوى أمراضها بالجهل والتجهيل اللذين لا يقودان إلا إلى التخلف وعنوانه عبودية في الفكر وفي السلوك.

يتبجح البعض  بترديد مقولة قائلهم: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، وذلك بغية إضفاء الشرعية والطهرانية على الماضي المقدس والمعبود ، والمؤسف أن بعض المحسوبين في صفوف المثقفين لا يخجل من عرض ظاهرة السبي التي لم تكن معروفة حتى في العصر الجاهلي، بشكل حيادي ومجرد من أية نزعة إنسانية وكأنه يتحدث عن حفل عرس، والأفظع والأدهى أن يسمح لمهلوس وهابي اسمه خالد الجندي يعظ ملايين الناس حول الجواز للرجل، أي رجل، أن يشتري امرأة ويتمتع بها كملك يمين، ثم يبيعها ويشتري أخرى. (انظر: محمد المزوعي: تحقيق ما للإلحاد من مقولة – دار الجمل، بيروت- بغداد 2014، ص 181-182)، بل هناك من المفتين عندنا من لا يستطيع حتى لجم شبقيته وذلك حين أفتى بجواز مضاجعة الزوج لامرأته الميتة، أضف إلى هذه القاذورات الأخلاقية (كما أسماها الراحل هادي العلوي) قاذورات وقاذورات لا نهاية لها في عالم تائه فقد بوصلة العقل ويريد غزو العالم بذكره والمثل يقول: “إذا انتصب أير (ذكر) المرء ذهب ثلثا عقله” ولا أعتقد أن الثلث المتبقي سليم”، اقرأ بكل مرارة ما تفتي به ناشطة سياسية ومسلمة من الكويت العظمى، حيث تجيز للرجل المبتلى بالنساء أن يشتري جواري ويتمتع بهن كيفما يشاء، وتدعو إلى سن قانون في الكويت يشرع “العبودية” (م المزوغي ص 183)، ويجب أن لا يستغرب القارئ من هذا الشذوذ العقلي ويكفي المرء أن يقرأ شذرات – شذرات فقط – من تاريخ الانتشار البدوي في الشام والعراق وخرسان ومصر وشمال إفريقيا، ليكشف أن ما تفوهت به هذه المرأة الكويتية هو من صميم تاريخ قومها الذي تتحسر على ماضيهم الذهبي والذي ما انفك الوهابيون يحلمون بعودته، عودة ماضي السبي الذي لا تمارسه إلا الأقوام المتوحشة وماضي التمييز بين الأمة والحرة، وبين العرب والعجم، وحتى لا أكون مغاليا في حق هذه المرأة المهلوسة، دعوني اذكر ما ذكرته بعظمة لسانها، إنها سألت أهل العلم (هم هكذا: أهل العلم) في مكة عن قانون الجواري والسبي فأجابوها أنه جائز في الإسلام أن يغزو أحدهم بلدا غير مسلم ويسبي نساءه ويحولهن إلى جوار تباع وتشترى في الأسواق (محمد المزوغي، ص 183) الصورة عارية إلى حد الفضيحة ولا تحتاج إلى تعليق، ومع ذلك أتساءل: هذه المرأة لم تجد أمامها من سؤال غير الجواري والسبي، هل هؤلاء القوم (وهنا أسأل العلماء حقا: علماء النفس والانتربولوجيا والفلاسفة) من زمرة التوحش؟ هل خلقوا من نار أم من طين؟ أم من شيء آخر غير ذلك؟ والمأساة لا تتمثل في وجود هذه العصابة العدوانيين، ولكنها تتمثل في وجود جحافل من الأميين الذي يلجأون لحل معضلاتهم المادية والنفسية لا إلى وعيهم والإصغاء إلى الخبراء والعلماء حقا، بل إلى أمثال هؤلاء الدجالين مصدر معارفهم محصور في أقاويل “الهريريين”، أن تطمئن إلى جاهل وتثق في جاهل تصدق جاهلا، فتلك عبودية ما بعدها نظير وصدق الشاعر حين قال:

في كل أرض وطئتها فدم     ترعى بعبد كأنها غنم

وحتى نستطيع الكف عن الالتحاق بالأغنام يجب أن نحفظ عن ظهر قلب وصية اتين لابويسيه، فقد رأى أن الطغاة مثل الأشجار التي تتغذى بنسغ العبودية، فإذا ما كفت هذه الأخيرة عن تغذية سطوتهم سيصبحون عراة  ومهزومين (الفلسفة المشار إليها آنفا)، ولا بد في هذا المقام من التذكير بأن الطغاة لدى بويسيه، هم القادة السياسيون مهما اختلفت صفاتهم – كما أشرت إلى ذلك آنفا – ودليلنا على ذلك أن صدور المقالة المذكورة تصادف مع المجازر التي ارتكبت ضد الفلاحين الذين انتفضوا رافضين دفع ضريبة الملح المفروضة، وعلى الرغم من هذا القهر المفروض من الخارج فإن هذا المفكر اعتبر أن الإنسان هو المسؤول عن عبوديته، ويكفي أن يرغب في الحرية حتى ينالها ويدعوه إلى أن يأخذ العبرة من الحيوانات التي تعشق الحرية بشكل يدعوها إلى استعمال الأنياب والأظافر حتى لا تقع في الأسر، وأما إذا حبست فإنها ستموت.

وأما وعاظ السعودية ومصر الذين يحنون إلى زمن أجدادهم “الذهبي” زمن الجاريات، فيجب النظر إليهم من الزاوية اللاشعورية لأنهم لا يملكون من العقل زنة حبة الخردل، إن الذي يسمع إلى مفتين يتخيلون أنه من الجائز غزو بلد لاستعباده قد يصاب بالدوار فلا يدري هل هذه الأصوات المسموعة والكريهة من زمن عقبة والحجاج وخالد بن الوليد وهارون الرشيد، أم من أي زمن؟ وقد لا يحار المرء في إيجاد الجواب: إن مرور قرون منذ القرن الأول الهجري إلى الآن لا يعني بالنسبة لعقل آسن لا ينتج إلا القاذورات الذهنية فرصة قراءة الماضي قراءة نقدية وعقلية كما فعل الأوربيون في القرنين  العاشر والثالث عشر حيث كانوا يحسون بأنهم أقزام فصاروا عمالقة، أما الذي يتعملق ويدعو إلى الغزو وهو قزم فهو إما متوحش أو معتوه أو جامع بينهما، من أين لهؤلاء القوم بهذه الشجاعة المشفوعة بالنذالة والوقاحة؟ قد يسعفنا المفكر الفرنسي غ لوبون  في الاهتداء إلى جانب من الجواب، فهو يرى أن أفعالنا الشعورية مستمدة من جوهر اللاشعور الذي تشكله تأثيرات موروثة، ويتضمن هذا الجوهر عددا لا يحصى من راسب الأسلاف التي تشكل روح العرق، ويضيف: أن مجرد وجود الفرد في جماعة يجعله يحس بأنه يملك قوة لا تقهر مما يسمح له بالاستسلام إلى غرائزه (نقلا عن فرويد Essai de psychanalyse 2001 , p 144). فعلا إن ما نشاهده الآن من استعباد وقهر للشعوب ووأد الفكر الحر المستقل شواهد على منجزات أسلاف القوم ولا نعني بالأسلاف صناع الفكر التحرري من أمثال ابن المقفع ابن مسكويه وأبي العلاء وابن الرواندي، ولكن أولئك الأسلاف الذين كانوا يفخرون بالسيف واللسان لا بالقلم (ضحى الإسلام ج I ص 134)، أداتان كلتاهما تفضيان إلى فرض العبودية، ولكن الأداة الثانية أخطر إذا كانت امبراطورية الجهل واسعة، إلا أنهما لا تملكان السيادة إلا لدى الأقوام الهمجية ومشعوذيها، بالسيف كانت تحز رؤوس مفكرين أحرار، وباللسان والخطب الهوجاء تصنع الذهنيات وتخرب العقول، والقوم ظاهرة صوتية كما يقول عبد الله القصيمي، وأصحاب الإفتاء الوهابيين لهم نفاذ إلى القلوب ونفوذ على العقول العارية من الحصانة والتدمير الداخلي نتيجة غياب الوعي والافتقار إلى ملكة النقد والتمييز بين القاذورات الذهنية والأفكار اللامعة لأن الذات قد استلبت بسبب كونها أولا قد ألقت بكل ما تملك من قدرات نفسية وفكرية على الآخرين العلماء الذين يمتلكون علوم الدنيا والآخرة، وثانيا لأن هؤلاء يوظفون اللغة توظيفا سحريا، وخاصة إذا كانت هذه اللغة هي لغة مضر التي هي لغة المنبر كما وصفت قديما. لنعد مرة أخرى إلى غوستاف لوبون، فلقد اعتبر أن الجمهور La foule خاضع حقا وحقيقة لقوة الكلمات السحرية التي تثير في النفوس العواطف الهوجاء بشكل رهيب، وتنطق أمام الجماهير بشكل خاشع فتعلو الوجوه فورا سمة الوقار (أما اليوم فهل يمكن أن تلمس في وجوه المفتين الوهابيين وقارا أم عبوسا قمطريرا وكأنهم يدنون من جهنم الحمراء) وتنحني الجباه، [عن فرويد في المصدر السابق ص 152].

نعم، هكذا تتخذ اللغة أداة للهيمنة  واحتكار المعرفة وهذا ما يجلي لنا سر تقديس لغة مضر على حساب لغات الشعوب في الشام ومصر وشمال إفريقيا، التقديس هنا لإحداث ما سماه فرديريك كروس. “السبات الدوغمائي”، وما سماه علماء التحليل النفسي “التنويم المغناطيسي”، وعلماء اللغة القدامى، وكذا المؤرخون العرب أمثال ابن منظور وابن جني لم يسلموا من الإيمان بسحر الكلمات وقدرتها على القيام بأعمال خارقة [رشيد الحاج صالح، الوجه السياسي للثقافة العربية المعاصرة- 2012، ص 47]، وهذه الأعمال الخارقة يمكن لأي إنسان أن يلمسها من خلال ردود الأفعال الهستيرية التي تصاحب النطق بالكلمات لدى الشيوخ الوهابيين ولدى من يستمع إليهم، وليس من الضروري أن تفهم معاني هذه الكلمات، فالملايين المخاطبة لا تقرأ ولا تكتب وهي القاعدة الضرورية لإبقاء الاستعباد وإلا هل سمعنا من أحد هذه الشيوخ مرة كلمة واحدة عن الحرية والتحرر ما عدا: يجوز ولا يجوز، حلال حرام، والتخويف من جهنم الحمراء، ولا بد أن تبقى كذلك لأن شرط العبودية الأساس أن يظل الذئب ذئبا والخروف خروفا، والعبد عبدا والسيد سيدا، والسيد ليس فحسب المتحكم في الرقاب عن طريق القمع بالسيف، بل أولئك الذين يتحكمون في القلوب والعقول عن طريق اللغة هذه الملكة الإنسانية الباهرة التي تحولت إلى أداة قمعية رمزية بامتياز.

إن مجرد إطلاق لفظة “العلماء” يوحي بمضمون ديني خاص، فمن هم، أو كيف ينظرون إلى أنفسهم ويريدون أن ينظر الناس إليهم، أنهم الذين يملكون ناصية اللغة الفصحى (وهل في الدنيا لغة فصحى وأخرى بكماء؟) التي تؤدي إلى فهم وإلى تفسير النصوص المقدسة، ومن يستطيع التأويل فهو يسمو على العاميين الذين لا يمكن أن يفتوا في أي نص حتى وإن نالوا نصيبهم من هذه اللغة، لا بد من وسيط ألا وهو رجل الدين أو “العالم” فهو بمثابة الطبيب بالنسبة للمرضى جسديا مع فارق وهو أن الطبيب لا يسعى من وراء عمله إلى الهيمنة أو ترسيخ الإيديولوجيا، أما الواعظ فهو جزء من “القلة النخبوية” التي “تخدم حفاظ السلطة على استبدادها وسيطرتها على الجماهير”، عن طريق توظيف لغة لا يتكلمها الشعب (انظر مصطفى صفوان، لماذا العرب ليسوا أحرارا؟ دار الساقى، 2012، ص 13)، ويرى الأستاذ صفوان أن السلطتين الزمنية والدينية على حد سواء تفرضان تعليم لغة الشعب في المدارس، إنهما ترفضان الفصحى، وتعلم صرفها ونحوها مما يؤدي إلى اغتراب التلميذ عن اللغة التي تعلمها على ثدي الأم، وبالتالي فهو يدخل في النخبة المنفصلة  عن الشعب، ويتخذ من الفصحى مرجعية له، وبهذا يبقى الشعب تحت السيطرة” [م سابق، ص 14).

والواقع أن التمييز بين لغة الأقلية النخبوية ولغة العامية” أو “الشعب” ليس وليد اليوم فهو موغل في القدم ويعبر عن النزوع السلطوي والديني نحو هيمنة الأقلية على الأكثرية واستعبادها، فلقد ذكر الأستاذ صفوان أن الدولة الفرعونية كانت تمارس الكتابة لخدمة الفرعون بلغة غير لغة الشعب، فتتعذر قراءتها على هذا الأخير” ولذلك فقلد تكرست رمزا للسلطة السياسية والاقتصادية والقانونية والإدارية” (انظر مقدمة المترجم للكتاب السابق، ص 17).

ولا شك أن قراء الكاتب الراحل “العفيف الأخضر” يتذكرون أنه دعا قبل رحيله إلى خرق ما أسماه “المسلمات الغبية”، ومن هذه المسلمات بالنسبة لواقعنا الراهن الاعتقاد بأن هناك لغة أرفع من لغة، وأن لغة الشعب لا ترقى إلى مستوى غنى وإبداع لغة الكتابة والقراءة، وما يصاحب ذلك من جدال أكاديمي عقيم لا مبرر له غير التعبير الدوفين عن “تأبيد” العبودية اللغوية والثقافية، مع أن هذه القضية تجاوزتها الشعوب المتحضرة التي أنتجت مثقفين فعلا نقلوها من الحضيض الحضاري إلى مستوى حضاري لا زلنا نحلم ببعض من بصيص نوره في عالم ملبد بالظلمة القاتلة وهيمنة الجهال والعميان، فهؤلاء يجهلون أو الأصح –يتجاهلون- أن الحضارة الغربية الحديثة دونت بلغات الشعب التي لم تكن مقدسة، وكان ذلك إيذانا بالتحرر من الطابوهات وفي مقدمتها الطابو اللغوي ويشير الأستاذ صفوان  إلى أن الثورة الثقافية التي كانت مصاحبة للثورة الصناعية لم تقم في أوربا إلا بعد الثورة على اللاتينية ، لغة الكنيسة، كما أن الديمقراطية لم تكن ممكنة إلا بعد حسم المعركة بين اللاتينية وبين لغة الكلام الفعلى، ومن هنا فإن التحرير النفسي والثقافي الفعلي يمر من خلال استرداد الشعب للغته… [ لماذا العرب ليسوا أحرارا ص: 15-16].

وليس من سبيل إلى استرداد هذه اللغة وهو يساوي الإمساك بحريتنا وتحررنا إلا بوسيلة واحدة: القطيعة المعرفية مع المسلمات الغبية، حينئذ فقط يصبح الطاغية عاريا ومهزوما كما قال لابويسيه منذ ما يقرب من خمسة قرون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.