الدعوة للتعليم بالعامية لعنة أخرى تلاحق تصور المشروع المجتمعي المغربي المفقود.

من المفارقات الغريبة في مغرب اليوم، والتي نعيشها بمرارة لا مثيل لها ،وبأسى قاتل ،هي المبادرة التطفلية لمن ليس له الدراية الكافية والقدرة العلمية والفكرية والثقافية المؤهلة ،لينظر في مصير أمة ويناظر باسم قضاياها الحضارية الشائكة على اختلاف مجالاتها، وهو ما حصل معنا في هذه الأيام، إلى أن توجت بمناظرة على شاشة القناة الثانية (M 2 )،جمعت بين رجلين لا مجال لالتقائهما في نقط مشتركة،اللهم عند نقطة واحدة تتجسد في الانتماء الوطني وفقط،،والتي كان موضوعها إشكالية علاقة التعليم باللغة في المغرب، كان كل من الضيفين فيها متميز عن الأخر في العديد من الدلالات والرموز، وبين هذا وذاك هناك مسافات ضوئية تباعد بينهما، بين رجل خبر كل ثنايا الفكر الإنساني وتضاريسه، وقرأ أمهات كتبه ومقولاته، واطلع على العديد من المعارف الفكرية والعلمية والفلسفية والثقافية، ألا وهو المفكر التاريخاني عبد الله العروي، وبين رجل لا يعرف إلا لغة الأرقام وأسماء الألوان ومدى علاقاتها بالأذواق والإثارة لدى المشاهد العادي، ألا وهو السيد نورا لدين عيوش، وحتى لا نبخس الرجل في قيمته، فمجاله يرتبط بأنشطة أخرى من النشاطات الإنسانية،ولا علاقة له بميدان البحث العلمي التربوي بصلة. لكن السؤال الذي يباغتنا على حين غرة ،ويقض مضجعنا، وهو كالتالي : ما الذي جعل رجل لا علاقة له بالمجال التربوي، اللهم من باب الاهتمام بالعمل الجمعوي،كما صرح هو،يتجرأ على مناظرة رجل ليس من السهل مناقشته،في أبسط الأمور،إلا إذا كنت مسلحا بالعديد من أسلحة الفكر والعلم والمعرفة، وفي قضية شائكة، أخذت من المغاربة المهتمين القسط الأوفر من انشغالاتهم بالمجال التربوي التعليمي منذ عقود من الزمن ؟

    إن حقل التربية والتكوين هو من أكبر الحقول تعقيدا، إن لم نقل أم الحقول الأخرى،وهو المجال الذي تلتقي فيه كل نقط التماس، في علاقة كل المجالات والأنشطة الإنسانية ببعضها البعض، لذلك كان الرهان على حقل التربية والتعليم والتكوين من لدن المجتمعات على مر العصور، فتم التنظير له والبحث فيه، والطرح بصدده العديد من المنظومات التربوية لتعليم النشء ،وتربية الأجيال الصاعدة، وتهيئ الإنسان الفعال والمسلح بمعارف وأفكار،تكون بمثابة الأرضية التي توجهه وتساعده على بلوغ الأهداف والمرامي والمساعي لمجتمع ما،ولهذا نطرح السؤال التالي : هل يحق لأي كان أن يتحدث ويطارح ويجادل وينظر ويوصي في مجال التربية ومقوماتها وأسسها ووسائلها، سواء كانت بالمفهوم المادي أو الرمزي أو المعنوي،من دون خبرة عميقة وتجربة رصينة، واحتكاك مع كل المعارف والفلسفات والنظريات المتداولة سواء في مجتمعه أو في المجتمعات الأخرى ؟ ,

    إن المغرب على غرار البلدان الأخرى، احتلت فيه قضية التربية والتكوين أهمية قصوى،في خريطة انشغالات الشأن العام، من لدن كل الأطراف سواء كانت رسمية أو غير رسمية، وتطارحت بصددها العديد من التخريجات، وتجاذبتها توجهات عديدة، كل من موقعها الخاص، ودخلت بعضها حيز التطبيق،فكانت الغلبة،في نهاية المطاف،لكفة الأطروحات التي تساير ما هو أيديولوجي رسمي، وباعتبار حقل التربية هو حقل أيديولوجيا،وانطلاقا من كونه المشتل التي تربى فيه الأجيال الصاعدة ، خضع لآليات خاصة، ولبرامج مضبوطة بحسب مؤسساته ووسائله لتهيئ ما يمكن تهييئه ، والعمل ما يمكن أن يخدم الأيديولوجية الرسمية،فجسد بالملموس واقع الحال بالمغرب، في علاقته بالمكونات المجتمعية، فكانت كل نظريات التربية قد توقفت على أبعاد فلسفية اجتماعية تخص الواقع المغربي، ف ” التربية بوصفها عملية اجتماعية، تتلون من حيث أهدافها ووسائلها ومعرفتها للطفل، بلون مجتمعها، بلون عصرها، فلا النظريات التربوية،ولا الطرق البيداغوجية، ولا معارف المربين بالطفل، لا شيء من ذلك يعلو على المجتمع، على تناقضاته وصراعاته،بل كل ذلك مرتبط بهذه التناقضات والصراعات شديد الارتباط  ” (1) , ففي صلب هذه العملية الاجتماعية المعقدة تطرح الوسيلة الأهم في إيصال المعارف الممكنة،ناهينا عن البرامج المعتمدة، ألا وهي اللغة، وعلاقتها بالأهداف والغايات المتوخاة من ورائها، لتعكس هذه الأخيرة ما يتوق إليه المجتمع من مشاريع حضارية هادفة،وبالتالي تجسيدا لمشروع مجتمعي محققا لآمال وطموحات كل الشرائح المجتمعية كافة، من دون تمييز فارق وطبقي بينها، وهو ما يساءل الواقع التربوي والتعليمي بالمغرب طيلة عقود من الزمن،فتعالت أصوات لاعتماد اللغة الفصحى، وهو المعمول به حتى الآن،إلا أنه بدأت أصوات أخرى مؤخرا تطالب باعتماد الدارجة في العملية التربوية بمؤسسات أسلاك التعليم بالمغرب، فتجند لمقارعتها كل من يحمل هموم هذا القطاع ،إلى أن كانت موضوع مناظرة تلفزيونية، وهو ما خلق ردود أفعال وقراءات كلها تصب في شجب هذه الدعوة ذات الأهداف الأيديولوجية المغرضة والتضليلية للمجتمع المغربي، وانطلاقا من خلفيات هذه الدعوة التي كانت من وراء لقاء تحسب أطرافه على ما هو رسمي وقريبة منه ولصيقة به، حيث تكلف ببثها رجل ليست له صلة بهذا القطاع، فإننا نتساءل من جديد، هل بهذه الدعوة يمكننا، نحن المغاربة، أن نعتبرها فصل من فصول مشروع مجتمعي قادم يحقق للمغاربة كل ما ضاع منهم وانتهاز الفرص الممكنة للتقدم والرقي انطلاقا من تقريب المعارف والأفكار بلغة الأم  ؟ .

    إن إشكالية اللغة في علاقتها بالتعليم، لم تكن وليدة اليوم، بل تم النقاش فيها من طرف العديد من المفكرين والباحثين والمثقفين والمهتمين، وفي كثير من المناسبات وعند كل المجتمعات، سواء قديما أو حديثا، وطرحت بصصدها العديد من الأفكار والنظريات، وغالبا ما كان ترجيح الكفة لما يمكن اعتماده من ميكانيزمات لغوية متوخاة لأجل الامتداد الثقافي والعلمي والمعرفي والفلسفي والحضاري لأمة من الأمم، وبالتالي خلق إمكانية الوجود وسط دائرة المجتمعات والأمم، ومحاولة الاستقطاب والانتشار الواسع لها ولحضارتها، وهو ما تحقق لبعض الأمم في وقتنا المعاصر، ومن ثمة كان الحضور بداخل ثقافات أغلبية المجتمعات التي لم تعمل على تطوير ذاتها بالشكل المطلوب، وانطلاقا من مقوماتها الذاتية المرتبطة بهوياتها وثقافاتها الخاصة بها، لتغدو مستلبة ومستهلكة لما يوجد من طرف الأمم المتقدمة .

    وبالعودة إلى مغربنا المعاصر الذي لم يحسم مع إشكالياته المتعددة، ولم تأخذ البوصلة اتجاهها الصحيح في مسيرة التقدم المأمول ،وذلك باعتماد مشروع مجتمعي هادف ووازن، متفاعل مع كل معطياته الذاتية والموضوعية، تنبري أصوات، وخاصة في عقده الأخير من زماننا هذا، تطالب باعتماد اللغة العامية ،لغة الأم، في مؤسساتنا التربوية، وهو ما يؤشر على أزمة بنيوية يتخبط فيها القطاع التربوي، وأن الأهداف من وراء الدعوة إلا تغطية على واقع مأزوم بكل المعايير، وما اللغة إلا معطى من المعطيات التي تشكل أزمة تربية وتكوين بالمغرب، وبقدر أخر، يمكننا أن نستبعد أن اللغة ليست هي السبب في هذه الأزمة التربوية المفتعلة، وبأهداف ومساعي أيديولوجية، تهدف إلى تكريس ثقافة الميز والفوارق الاجتماعية  بالمغرب، لذلك يجب التعامل مع هذه الدعوة في إطارها الصحيح وكشف مخططاتها،بناء على أفكار وقراءات وتأويلات الباحثين والمهتمين والمفكرين الذين لهم ارتباط وثيق بالمجال كما سطرها الأستاذ عبدا لله العروي في مناظرته التليفزيونية، والتي يصل عددها إلى خمسة عشر اختصاص مرتبطة بالبحث في إشكالية اللغة وعلاقتها بمجال التدريس،وبمجال التربية عموما، ” فانطلاقا من تعريفين يوردهما المرحوم المفكر والفيلسوف محمد عابد الجابري لدركهايم  وهوبير، يخلص إلى أن   ” التربية، إذن،غاية ووسيلة وتصور معين للطفل،وبعبارة أخرى : إنها، في أن واحد، فلسفة وفن وعلم. الغاية والوسائل والمعرفة تختلف باختلاف المجتمعات، وتتغير بتغير المجتمع الواحد.تختلف وتتغير بتغير واختلاف المستويات والاهتمامات والإمكانيات .. الخ. (2 ) . لنتساءل مع مناصري هذه الدعوة، هل استحضرتم كل هذه المعطيات حتى تطلعوا بتغريدكم النشاز لقلب الطاولة على لغة لها مقومات الفنون على اختلاف مجالاتها ؟ فإن كان هؤلاء الكبار الذين يرومون التنظير لتربية الصغار من خلال هذه الدعوة المغلوطة في أساسها لبلوغ المساعي المراد تحقيقها عند نضجه، وذلك باعتماد العامية في التدريس لإيصال المعارف، فإن كل التجارب لدى البلدان الأخرى ،وكل المثقفين والمفكرين والباحثين، وخاصة في العالم العربي لم يقبلوا بهذه الدعوة على الإطلاق، منهم على سيبل الذكر لا الحصر،طه حسين والروائي الكبير عبدا لرحمان منيف .

    وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقف عند خلفيات هذه الدعوة المبطنة بأيديولوجية تضليلية، لا تخدم المغاربة في أي شيء، ولا تبوؤهم مكانة خاصة، ولو في علاقاتهم بمحيطهم القريب منهم والمشاع فيما بينهم في كثير من النقط ، ولا حتى في علاقاتهم بثقافات وحضارات الأمم الأخرى، ولذا وجب إيجاد مشروع مجتمعي،متضمن لمشروع تربوي فعال بكل وسائله ومناهجه وأهدافه، والذي لم يعمل المغرب الرسمي لحد الساعة في إيجاده باعتماد مقاربات شمولية للنهوض بمواطنيه، لا القفز على همومهم وانشغالاتهم  بتخريجات لا تسمن ولا تغني من جوع، فيكفينا،نحن المغاربة، الدرجات الدونية في سلم التراتبيات على جميع الأصعدة، فالشخصية المغربية أحرى بها أن تتبوأ المكانة اللائقة والمشرفة إقليميا وقاريا ودوليا .

  1 – محمد عابد الجابري ، ” من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية ” ،الطبعة الخامسة ، المطابع المغاربية، 1985 ، ص 149 .

2 –  نفس المصدر ،ً 149 .

 

* كاتب مغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.