الدروس المستفادة من قضية الوزيرة سمية بنخلدون

صراحة تغمرني سعادة لا حدود لها، من حجم الرفض الذي قابلت به فئات عريضة من المغاربة، السلوك المنافي لأبسط قواعد الأخلاق الذي أتاه حميد شباط رئيس حزب الاستقلال اتجاه وزيرين في الحكومة، وإقحامه الفج لحياتهما الشخصية في معترك الصراع السياسي والحزبي، حين قال في تجمع خطابي بمدينة الراشيدية يوم الأحد 05 أبريل 2015، ما مفاده أن الحبيب الشوباني، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، هو زير نساء وأنه تسبب في طلاق سمية بنخلدون، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي، وهي في الخمسينيات من عمرها.

ولن أخفي سرا إن قلت أن سعادتي تكبر كل مرة أكثر وأكثر، حين أقرأ عبارات التضامن مع سمية بنخلدون والحبيب الشوباني، من سياسيين ومثقفين وصحفيين محسوبين على المعارضة، تجاوزوا المنطق الميكيافيلي المقيت الذي يقول أن الغاية تبرر الوسيلة، ورفضوا أن يقتاتوا مثل الضباع الكريهة من لحم إخوانهم في الوطن، وأعلوا قيمة الأخلاق الرفيعة على نزوع النفس الشريرة نحو فعل أي شيء من شأنه إصابة الخصم السياسي في مقتل.

موجة التنديد بما اقترفه شباط، وحملة التضامن مع الوزيرين، تجعلني أحس بأن هناك أملا في المستقبل، وبأن هذا المغرب على كثرة أعطابه وعلاته، قادر بفضل أبنائه على تجاوز كل كبواته، مادامت الأخلاق لم تغرب شمسها بعد عن سمائنا، ومادام الضمير لم ينتحر بعد في أعماقنا.

فلا طالما آمنت بالبيت الشعري الذي أبدعه أمير الشعراء أحمد شوقي: “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت — فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا“. وليس عندي شك أن قمة الأخلاق هي احترام الحياة الخاصة للأفراد، وعدم التجسس عليهم، والامتناع عن الخوض في أعراضهم بالغيبة والنميمة، كيف لا وقد شبه الله سبحانه وتعالى من يفعل ذلك بمن يأكل لحم أخيه ميتا، حين قال تعالى في سورة الحجرات: “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه“.

فداحة ما أقدم عليه شباط، جعلت أتباع حزب العدالة والتنمية خصوصا والإسلاميين على وجه العموم، يرون أن معارضيهم من اليساريين والحداثيين، لا يعارضون سوى السياسات التي ينهجها الحزب وهو يقود الحكومة، وأن دعواتهم بالحريات الفردية ليست دعوات مجون كما كانوا يعتقدون، بل هي دعوات من أجل تكريم الإنسان وحماية عرضه وشرفه، وإعطاء معنى للتكليف الإلهي الذي جعل من الإنسان خليفة لله في الأرض، وهو التكليف الذي يفقد كل معنى في غياب الحريات بكافة أشكالها. فحتى بالمنطق الإيماني فإنه لا يستقيم  يوم القيامة حساب إنسان لم يكن حرا، وكان مجبرا على الإتيان بأمور لم يكن مقتنعا بها، وكان مضطرا للامتناع عن فعل أشياء مخافة لسان “شباطي” جارح أو عقاب قانون جائر.

وكم سيكون الأمر كارثيا، لو شاءت الأقدار في يوم من الأيام أن يحكم كائن “شباطي” المغرب، في ظل قانون جنائي (الحديث هنا عن المسودة المطروحة للنقاش في حالة مرورها كما هي) يستلهم من زمن محاكم التفتيش أفظع ما فيه. فمن الأكيد حينها أن كل صوت لا يطرب الذات “الشباطية” سيكون مصيره السجن، ولن يصعب آنذاك إيجاد تهمة تبرر الحكم، مادامت مواد القانون الجنائي تتيح محاكمة الناس بسبب آرائهم ومعتقداتهم، وتصر على التدخل بطريقة قروسطوية في حياتهم الخاصة وحرياتهم الفردية.

ويا ليت حزب العدالة والتنمية يفهم الدرس، ويعيد النظر في مسودة القانون الجنائي، بما يجعله في نهاية المطاف لا يناقض الدستور ولا يتعارض مع المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان، حتى ينعم كل المغاربة دون حيف أو تمييز بحرياتهم الفردية، دون أن يخافوا من أحد يعتدي على حرمة حياتهم الخاصة، ويلفق لهم تهمة الزنا أو إعداد وكر للدعارة كما حدث مؤخرا مع هشام المنصوري الصحفي ومدير المشاريع بالجمعية المغربية لصحافة التحقيق. وعوض تضمين مسودة القانون الجنائي لمواد تحاكم ضمائر الناس ومعتقداتهم وتنتهك حرمات بيوتهم، فيجب أن يكون ما لحق بالوزيرين سمية بنخلدون والحبيب الشوباني، حافزا على سحب تلك المواد وتعويضها بأخرى تحمي حياة الأفراد الخاصة وتصون حرياتهم الفردية، وتجرم بالمقابل كل من يلحق بها ضررا بالقول أو الفعل.

لسان شباط البذيء جعلنا نعيد سبر غور ذاتنا الجماعية، لنكتشف أن الخير لم ينضب فينا، وأن الاختلافات الإيديولوجية بين اليساريين والحداثيين من جهة والإسلاميين والمحافظين من جهة أخرى، يمكن أن تكون مصدر غنى وثراء للمغرب، لا مصدرا للتوتر والصدام. فاقتحام شباط المرفوض للحياة الخاصة لوزيرين، لم نجح في جعل اليساريين والحداثيين يحيدون عن الحق، ولم يمنعهم من الوقوف إلى جانب المظلوم. ونجح في المقابل في جعل الإسلاميين والمحافظين ينظرون بنظرة مغايرة لموضوع الحريات الفردية. فرب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.