الدركي الوحش والمواطنة الحسناء

الفيديو الرائج في موقع اليوتوب في الآونة الأخيرة هو لدركي يتجول بسيارة الخدمة رفقة فتاة يتضح من خلال حوارهما أنها كانت ضحية سرقة لحقيبتها اليدوية….

فيديو يستوجب ملاحظات أساسية، ويستوجب أيضا قراءة ماكروسياسية مهمة…

أولى الملاحظات هو شجاعة مرافق الفتاة الذي صور تصرف الدركي، وعيا منه أن للإعلام والنشر دور مهم في ردع وإصلاح السلوكات الطائشة للحائزين على السلطة دون الدخول معهم في مشادات ومحاولات التنبيه لما يقومون به، لأنه في هذه الحالة ستنقلب “البردعة على الشواري” كما يقال في المثال الدارج، قد تصل إلى تلفيق تهم ثقيلة للناصح تودي به إلى غياهب السجون….

ثاني الملاحظات أن الدركي السائق يتجول بالسيارة دون أن يضع حزام السلامة وهو إجراء فرضته مدونة السير الأخيرة والتقصير فيه يعرض صاحبه لغرامة مالية تقدر ب300 درهم، غالبا ما يكون الدركيون هم محرري هذه المخالفة مع ما يصاحبها من تدكير بالقانون وتقريع للسائق… الحقيقة أن جل الدركيين ورجال الشرطة لا يتمنطقون أحزمة السلامة وهم يقودون سياراتهم الخاصة أو سيارات المصلحة، ويمارسون هذا الخرق القانوني في تأكيد بليد لسلطتهم…

الملاحظة الثالثة هو خطاب الدركي، وهو خطاب بالعامية المغربية ومتداول في الشارع المغربي ، طبعا مع تحفظ على سلامته، إذ أن المواطن المغربي رغم ألفته وهذا الخطاب، إلا أنه يمجه ويستهجنه… مع تنامي التيارات الأصولية وتقهقر المجتمع نحو المحافظة، قد يكون سب الذات الإلهية سببا لاقتراف جريمة ضد هذا الدركي من لدن متطرف أو منغلق على ذاته….

الملاحظة الرابعة هو أن الفيديو يبعث على التيئيس من الاحتماء بالسلطة في حال التعرض إلى الاعتداء، كالسرقة مثلا، فالفتاة موضوع هذه السرقة، تجد نفسها في وضع اذلال ومهانة تجسد في السب الذي انهال على شخصها وشخص والدتها وعائلتها، ولولا الفيديو المصور لما عرف سبيل لانصافها. مع طرح السؤال العريض، كم من مواطن ومواطنة في ربوع الوطن يتعرضون لما تعرضت إليه هذه المواطنة؟

الملاحظة الرابعة أعلاه تفتح باب القراءة الماكروسياسية لهذه الواقعة، عبر السؤال الأساسي: هل ممارسة هذا الدركي حالة معزولة؟ أم أنها تدبير ممنهج وسلوك متعارف عليه ومسموح به في نقط التماس بين السلطة، شرطة أو درك، وبين المواطن؟ ليتفرع عن ذلك سؤال مهم وجوهري: كيف يتم تنزيل التوجيهات والتوصيات حول احترام حقوق الانسان، وحسن معاملة المواطنين من أعلى هرم السلطة، الملك ومحيطه، المؤسسات الدستورية المحدثة لذلك، الحكومة وتفرعاتها المحلية وصولا إلى الدركي والشرطي وغيرهم؟ وهل هناك بالفعل توجيه صادق وحازم من أجل تنزيل هذه الثقافة، أم هناك خطاب مواز ونافذ، مفاده أن ما يروج في التلفزة والاعلام هو للخارج، وأن المخزن هو المخزن في علاقته بالمواطن “ولي دوى يرعف” ؟

بعد عقدين مما يسمى الانفراج السياسي، وعقد ونصف من العهد الجديد، وهي مدة كافية لخلق جيل جديد من رجال السلطة متشبعين فعليا بثقافة حقوق الانسان، وهو جيل كان سيكون في نفس العمر الذي للدركي موضوع الفيديو، والحالة غير ذلك، لا يمكن سوى التخمين أن كل التحول الديمقراطي المزعوم في البلد لم يكن سوى ذر رماد وقناع من المساحيق للتجميل الخارجي، وأن النواة الحقيقية للنظام احتفظت بميكانيزماتها العتيقة: القمع المنهجي للمواطن على جميع المستويات، مع الاستمرار في الرتوشات التجميلية المطلوبة خارجيا…. فقط هي رتوشات تسقط كلما تقدم هذا الخارج في تطوير التكنولوجيا…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.