الدامون “ساخراً”

كانت ليلة السبت 4 يوليوز فرصة اتاحتها لجنة عمل منظمة حاتم بمدينة طنجة للتواصل والتفاعل حول موضوع السخرية في الكتابة الصحافية. اللجنة استدعت للندوة كل من الزملاء جمال بودومة، وعبد الله الدامون، ورشيد البلغيتي.

كان الحضور نوعيا ومتميزا، صحافيون وإعلاميون، رسام كاريكاتور، مسرحيون… والعديد من متتبعي الشأن الثقافي والاعلامي، كانت المداخلة الأولى في الندوة التي أدارتها باقتدار الزميلة فرحانة عياش للاستاذ عبد الله الدامون مدير تحرير جريدة المساء، الاستاذ الدامون حاول أن يرجع شيئا ما إلى الوراء، الى تاريخ الأدب العربي ليقتفي اثر السخرية في الشعر العربي القديم، فأشار الى المتنبي وهجاؤه لكافور الاخشيدي، ثم عرج على الفرزدق وجرير، ثم استرسل في مداخلته التنظيرية حول فن السخرية، كنت أصغي باهتمام وانا أرى الاستاذ الدامون ينط بتثاقل من فكرة إلى أخرى دون أن يفلح في ضبط الخيط الناظم لمداخلته، ثم تبين لي أن الرجل يخلط كثيرا بين السخرية وبين السب والهجاء والاستهزاء والاستفزاز والقدح والقذع وهلم جرا… بالنسبة إليه كل هذا المجالات عنوان لفن واحد هو السخرية.

ما قاله الأستاذ في مداخلته استفزني واستفز مداركي حول الموضوع، وقررت أن أسجل مداخلة لاتفاعل مع الرجل، وهو ما كان، في مداخلتي تساءلت مع الاستاذ أن سفره في تاريخ الادب العربي للبحث عن مواطن السخرية فيه لم يكن موفقا، فهؤلاء الشعراء الذين استشهد بهم لم يكونوا ساخرين بقدر ما كانوا شعراء هجائين، شعراء يمارسون الهجاء لا السخرية، صحيح أحيانا يكون بعض الهجاء سخرية لكن ليس كل الهجاء سخرية، وقلت أن النموذج الذي يمكن الاشارة اليه في الشعر العربي هو الحطيئة الذي سخر حتى من نفسه، أما الاخرون الذين ذكرتهم فهم معروفون بالهجاء اكثر من السخرية، بل السخرية عندهم نادرة.

ولأنه بدا لي أن هذا النقص المعرفي والتهافت لا بد أن تكون له ترتبات في الواقع، حاولت ان استرجع ما يكتبه الدامون، وتذكرت حينما كتب قبل أيام في سياق حمأة فيلم “الزين اللي فيك”، كتب في المقال الذي يوقعه أسفل الصفحة الاولى من جريدة المساء، كتب في مقاله “المومس نبيل عيوش” عوضا عن المخرج نبيل عيوش، فقلت له في مداخلتي أن توظيفك لعبارة هي سب وشتم في مقال يقرأه الالاف بالنسبة إليّ مردّه الى أنك لا تميز بين السخرية وبين السب، السخرية أرقى من هذا بكثير، وليس كل سب أو قذف أو هجاء هو سخرية، السخرية مبنية على سمتين تكوينيتين هما : النقد والضحك، السخرية تتوجه الى قلب منطق الادعاء لتعريته وكشف مفارقاته، مما يفضي إلى ارسال سهام النقد نحو سلطة الادعاء، وكذا اثارة الضحك في نفس المتلقي. السخرية أولا مبنية على النقد، نقد السلطة السياسية وسلطة المجتمع وسلطة الدين وسلطة…بطريقة تلعب على قلب منطق الادعاء لتبيان المفارقة التي يحملها خطاب ما. أما توظيف صفة “المومس” لنعت مخرج لا تتفق معه فهو سبّ بيّن لا علاقة له بالسخرية.

الرجل في ردّه على مداخلتي اختار أن يتنطّع ويذهب عميقا في جهله، قال إن الهجاء هو السخرية والسخرية هي الهجاء، مضيفا بنبرة الاستعلاء الأجوف انه مستعد لحضور ندوة في هذا الموضوع والدفاع عن هذه الفكرة؟؟

أما توظيفه لنعت “المومس” في نقاشه لعيوش، فكان ردّه مضحكاً ومقززا في نفس الوقت، قال بالحرف “ان عيوش لا يقرأ العربية واكيد هو لم يقرأ عمودي اذن اصلا الكلمة لم تُؤذيه”ثم أضاف بنبرة تبريرية مضحكة” عيوش نفسه وصف نساء المغرب بالمومسات فلا ضير أن اصفه انا أيضا بذلك”.

في الحقيقة صُدمت بمداخلة السي الدامون مدير تحرير أكبر جريدة في المغاربة، صدمت لأميته وللطريقة التي يفكر بها وهو رجل صحافة يعرف جيدا معنى حرية التعبير، أو هكذا يفترض أن يكون على الأقل.

لكن الصدمة كانت مضاعفة من الأجوبة التي حاول أن يستر بها عجزه، أجوبة مبنية على منطق بئيس، تجعل الكأس ينضح بما فيه وما ليس فيه، هلاّ رأيتم مبررا كهذا: “وصفت عيوش بالمومس لأن هو اصلا لا يقرأ العربية” ؟ بهكذا جواب أجزم أن الدامون لا علاقة له بالصحافة ولا حرية التعبير، أجزم انه “تكنقراط” اعلامي سقط سهوا على مؤسسة اعلامية شاء الحظ ان يديرها نظير أميته وجهله، العبرة يا استاذ ليست في عيوش هل قرأ ما كتبته عنه أم لم يقرأه، العبرة في انك انت صحافي، يفترض فيك ان لك قراء وانك تمثل صورة الصحافي الذي يمتلك سلطة رمزية نظير عدد القراء الذين يقرؤون له والافكار التي يدافع عنها، العبرة هنا هو عندما يقرأ مواطن ما مقالك ويجد انك استعملت كلمة “مومس” في وصف مخرج سينمائي لا تتفق معه، ماذا سيترسخ في ذهن هذا القارئ؟ هل يعرف هؤلاء الصحافيون ان الصحافي ليس كأيها المواطنون، بل هو والرياضي والفنان والمبدع.. لهم صورة اجتماعية معينة، تجعل منهم مراجع في تربية الذوق والحس السليم، فأي ذوق هذا الذي يتربى على نعت المختلف ب”المومس”؟ لماذا يتم التذمر من المواطنين عندما يصبون عنفهم على المختلف كما حدث مؤخرا مع فتاتي انزكان ومثلي فاس، في حين صحافيون يكتبون في أكبر الجرائد توزيعا، يروجون لخطاب العنف والكراهية؟

هذا ليس دفاعا عن عيوش، وأصلا لستُ اهلا لذلك، لكنه بالدرجة الاولى دفاع عن نبل مهنة الصحافة، كان يمكن للاستاذ الدامون أن يكتب عن عيوش ما يريد، أن يفضح كل اجندته (ان كانت له)، أن يعرّيه، لكن ليس صحيحا ان يسبه بكلام ناب وعنيف، ثم يعتقد أو يدعي أنه فقط يمارس السخرية؟

ربما تتذكرون نهاية كأس العالم سنة 2006 بين إيطاليا وفرنسا، وتتذكرون النطحة الشهيرة لزين الدين زيدان، وكيف بسببها طُرد من المقابلة وخسر منتخبه كأس العالم، القصة وما فيها أن اللاعب الايطالي ماتيراتزي دخل المبارة وهو يراهن على استفزاز زيدان ليدفعه لارتكاب حماقة ثم يطرد، وهكذا يتخلص منتخبه من قوة ومهارة زيدان، وفعلا نجح في ذلك، ماتيراتزي صار يتعقب زيدان أينما حل، وعندما امتعظ زيدان من ذلك، قال له هازئا:”لماذ تمسك بقميصي في كل مرة، ان كنت تريده بعد نهاية المبارة سأمنحه لك”، فرد عليه ماتيراتزي :”لا لا أريد قميصك، انا أريد أختك”، هنا زيدان لم يتمالك نفسه، نطحه برأسه على صدره  فأسقطه أرضاً، وأشهر حكم المبارة البطاقة الحمراء في وجه زيدان وطُرد من المقابلة، وصدرت في حقه عقوبات من الفيفا، كما أنه اضطر الى ان يقدم اعتذارا لكل من كان يشاهد المبارة، العبرة هنا هو أن ماتيراتزي كان هو البادئ وهو المستفز، لكنه هو استفزازه لم يكن استفزازا “جماهيريا” لم يشاهده ويسمعه من كان يشاهد المقابلة لذلك لم يعاقب، في حين زيدان رغم أنه تعرّض لاستفزاز كبير لكن ليس من حقه أن ينطح أمام شاشات التلفاز حيث الاطفال يشاهدون، انه في اخر المطاف تصرف عنيف لشخص يفترض ان يعطي صورة فيها الحلم والرزانة للناس، ولذلك اعتدر زيدان.

تماما، في حالة السي الدامون فإن ورود كلمة “المومس” في مقاله لا تعني عيوش فقط، بل تعني هؤلاء؛ الاف القراء الذين يقرأون له، هؤلاء الذين يرون فيه مدرسة ونموذج، فيرونه يوظف خطاب التعنيف والسب والشتم في تصريف الاختلاف، ومن هنا يأخذ المجتمع قيمه وثقافته، فرجاء لا تلعبوا بالنار، واخرجوا من جهلكم وتعاليكم …

في الحقيقة موضوع السخرية في الصحافة المغربية موضوع ذو شجون، موضوع يتعرض لكثير من الاستسهال، كل من يسب يدعي انه يسخر، كل من يتهتك يدعي أن يسخر، كل من يكتب بدون طابوهات يعتقد انه يسخر، وهذا خطأ شنيع يؤدي الى تميع جنس السخرية في الصحافة، لتصبح طريق كل من هبّ ودبّ.. لا يا سادة للسخرية قواعد وشروط لا بد من توفرها، والتي أجد شخصيا بعضاً منها في كتابات الصحافي جمال بودومة، ربما هو الصحافي الساخر الوحيد حالياً، ثمة اخرون لكنهم كثيرا ما يخلطون بين الشخرية وبين أشياء أخرى.

تعليق 1
  1. عبد الإله يقول

    كان يجب عليك ان توجه هذه المقالة لنفسم اولا لانها مليئة بالسب والشتم لقد حضرت في الندوة وانت لم تكن امينا في نقل الرد المرجو النشر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.