fbpx

الدائرة المغلقة واللانهائية

نادية عطية

ما ان هممت بقطع الطريق ما دامت فارغة مع أن الضوء أحمر، حتى انتبهت أني وحدي من فعل وأن الجميع بقي واقفا، عدت مطأطأة الرأس، وكأني خرقت قانون حمورابي، وأنا مندهشة ومنبهرة من انضباط الفرنسيين العجيب للقانون. في الحقيقة هذا الموقف بقي لاصقا في ذهني، وأثار لدي تساؤلات كثيرة، حاولت فهمه من كل الجوانب، فأن ينتظر الراجلون الإذن من الضوء الأخضر حتى يقطعوا الطريق الخالية من السيارات- في العمق- يضرب الروابط المنطقية بين القانون ومقاصده في ذهنية الناس، وقد يتحولون الى شبه آلات منضبطة لأوامر معينة في صيغة رموز وأضواء دون وعي أو إدراك .

في الأسواق التجارية الكبرى بفرنسا، غالبا ما ستصادف شباكا للأداء بدون موظف، أنت من تخدم نفسك بنفسك وتؤدي بالبطاقة البنكية، هذه الطريقة أصبحت منتشرة في محطات البنزين وفي المترو. انها طريقة تمكن الرأسمالية من الاستغناء عن اليد العاملة وتعويضها بالآلة، لكن، الخطير هو أنها على المستوى الاجتماعي الانساني تضرب البعد الخدماتي المتبادل بين الناس، وتدمر الروابط، و ستكون لها أبعاد سيكولوجية عميقة ممتدة، فما معنى أن تنتظر خدمتك من آلة لا تبتسم لك ولا تتواصل معك سوى عبر أرقام ورموز.

كانت المساءات الصيفية في قريتي صاخبة ودافئة، يخرج الجميع الى الأزقة صبية وشبابا وكهولا، الأطفال يلعبون والكبار يتحدثون ويتحاورون، وقد يغنون ويرقصون. بدأ المشهد يتغير مع غزو الصحون الهوائية وكثرة القنوات التلفزيونية التي عوضت كل فرص الفرح المبدعة بأخرى معلبة تباع عبر الشاشات، وأما بعد ان انتصبت تلك البناية الحديدية الشاهقة نشازا وسط الاشجار والبيوت المتواضعة، فقد بهتت ملامح قريتي وهيمن عليها صمت الاشباح وأصبحت مليئة بالخواء أمام الرؤوس المنكفئة على الهواتف، لا أحد ينظر لأحد ولا أحد يحدث الآخر.

أتذكر اليوم بابتسامة خفيفة حواراتنا وكتاباتنا في المدرسة عن التلفزيون، وأستحضر بالضبط ما قاله بيير بورديو في كتابه عن التلفزيون وكيف اعتبره أداة من أدوات الهيمنة على العقول. يعتبر بورديو أن التلفزيون ليس وسيلة للتسلية والتثقيف ونقل المعلومات فقط، بل هو وسيلة للتأثير في الوعي الجمعي وتشكيله، فالمشاهد يلتهم يوميا فيضا من الصور وسيلا من المعلومات والحوارات التي قد تحجب الحقائق الخفية. الابهار، الاثارة والسبق، حرب نفسية تتخذ شكل غسل الذهن الاستهلاكي، من خلال الترويج لرغبات وشهوات تختزل الوجود الانساني في اللحظة ومتع اللحظة واشباع الحواس، على حساب كل القيم الأخرى التي تشكل حالة التوازن الوجودي الضروري.

دعوني أتساءل الآن ما هو الخيط الناظم بين كل الأمثلة التي أسلفت؟

التكنولوجيا، تكنولوجيا تجعل الانسان ممتثلا لرموز وأضواء أكثر من صوت عقله والمنطق. وتكنولوجيا تقطع اللحمة الاجتماعية بقتل البعد الخدماتي بين الناس، وتتعامل مع الانسان على أنه بطاقة بنكية ورموز وأرقام. وتكنولوجيا تعوض الاستمتاع الجماعي وإبداع الفرح بآخر معلب في الشاشات. وأخيرا تكنولوجيا بيد من يملك السلطة والثروة والمعرفة والمعلومات فيتحكم في تصدير الصور وتشكيل الوعي تبعا لقوانينه ومصالحه.

ألن نشعر بالفزع حين يجتمع كل هذا في جهاز واحد، جهاز صغير يصاحبك أنى ذهبت حتى إلى الأماكن الأكثر حميمية، جهاز متاح وسهل الاستعمال، فأنت لن تحتاج سوى لنقرة وحركة بسيطة بأصبعك. لا، إنه جهاز يتجاوز كل هذا على صغر حجمه، جهاز له سحر خاص ليبلغ قمة العنف الرمزي والقهر اللامرئي على حد تعبير بورديو، أنت لا تملك أن ترفضه ولا أن تقاوم خدماته المجانية الجليلة التي يقدمها لك وأنت قابع في أريكتك، لكنه قد يستلبك ويهيمن على حياتك في تفاصيلها الصغيرة. جهاز قد يصنف وحشا كاسرا بالمقارنة مع التلفزيون، وقد يجعلنا نحن إلى جلسات الأسر لمشاهدة برنامح يثير اهتمام الجميع، ليتبعه نقاش وحوار ودي، وأما هو فيخلق لكل شخص عالمه الخاص لكنه يجعله يطل على عالم لا ينتهي، وقد يستنزف ذهنه ووقته، هو شاشة صغيرة تستحوذ على تفكيرك، و أنت أمامها لست مشاهدا مستهدفا لترويج سلع وثقافة معينة، بل أنت السلعة نفسها، سلعة تبيعها الشركات لبعضها أو لأصحاب القرار من السياسيين والاقتصاديين.

الشبكات العنكبوتية، مواقع التواصل الاجتماعي، الهاتف الذكي والتابليت، إنّها الدائرة المغلقة واللامتناهية في نفس الوقت التي يحبسونك فيها. سيقولون لك، لا مجال للأسرار هنا، فالأسرار نوع من الكذب، اقتسم صورك ومعلوماتك الشخصية مع الآخرين، ستشعر بالألفة معنا، ما إنْ تستيقظ حتى يقول لك الملايين، صباح الخير. لن تشعر بالوحدة بعد الآن، سيحتفل معك أصدقاؤك بعيد ميلادك، وسيرسلون لك باقات ورد مصورة بدون رائحة. أنت مراقب معنا بكاميرات ترصدك في كل حين، وسننقذك متى تعرضت للخطر. ستستطيع أن ترى أباك وأمك وأهلك وستتواصل معهم في كل الأوقات. مع دائرتنا لا مجال لأنْ يقوم الديكتاتور بكل فظاعاته دون فضح، نحن سنساند كل الحركات من أجل الحرية، وستصل المعلومة في لمح البصر. لكن شيئاً فشيئاً ستكتشف أنك تتخلى عن حريتك الشخصية، وأنك أصبحت مرتبطاً بعالم وهمي، وغريباً عن عالمك الواقعي، ستتخلى عن هواياتك الرائعة وعن أصدقائك الحقيقيين. وستكون هذه الدائرة السبب في موت كل من يحاول الانفلات منها. ستدرك أنهم أصبحوا يجبرونك على فعل أشياء دون اختيارك، وسيختفي وهم الديموقراطية والحرية. وفي النهاية ستكتشف أن المشرفين على الدائرة، والذين يحققون أرباحاً هائلة من ورائها وحدهم من يرفضون الانخراط فيها، وهم من يتحكم في كل تفاصيلها.

انه سجن مغلق ولانهائي، فأنت لن تملك أن تحيد بعيونك عن هذه الشاشة الصغيرة التي تجعلك تطل على العالم اللانهائي، لن تلتفت يمينا ولا يسارا، ولن تنظر إلى فوق ما دامت الشاشة الساحرة بين يديك، وما دامت تعويضا عن العالم الواقعي. يخربون عالمك الواقعي، يشوّهون ذاتك، ويجعلون منك مسخاً، ثم يخلقون لك لذّات زائفة ربما تتحمل الحياة. عالم واقعي أسود من الحقد والكراهية والفقر المادي والعاطفي وتدمير العلاقات الإنسانية، وعالم لتعويض الإحساس بالحب والإشباع العاطفي الإلكتروني. عالم يدمّر القدرات والكفاءات، ويخمد الطاقات، وعالم يضمّد الجراحات ويمدّ بنشوة التقدير الوهمي والإحساس المعطوب بتقدير الذات. عالم ليس لك مكان فيه إلا ككائن بدون كرامة، وعالم يجعلك تحسّ بأنّك نجم من النجوم وأنت تنشر صورك كبطل من الأبطال.

إنه وسيلة للتجسس والمراقبة، تنتهي معه الحياة الخاصة تماما لتصبح في ملك العموم، وفي ملك المافيات الاقتصادية والمؤسسات الاستراتيجية الثقافية والسياسية. يمنحونك أفقا شاسعا للبحث تحركه بنقرة واحدة، لكنك بمجرد أن تفعل تصبح اهتماماتك الثقافية والفكرية في خزينة معلوماتهم. يسمحون لك بسماع موسيقاك المفضلة في كل مكان، لكن أذواقك تصبح تحت سيطرتهم، حتى وهم لا يقترحون عليك سوى ما تميل له من الفيديوهات.

يمكنك أن تسأل عن حاجاتك الاستهلاكية وتجري مشترياتك من خلاله، لكنك بمجرد أن تفعل ستصبح سلعة يبيعها المعلنون والشركات لبعضهم. في النهاية أنت لست سوى عبد في أيديهم، يحددون هويتك وأذواقك وتصرفاتك وأنماط تفكيرك، ويتحكمون بالتالي في حياتك كأي “روبوت” آلي، لست سوى حيوان استهلاكي مهمته تسمين أرصدتهم، وحتى وأنت تتوهم أنك تفكر وتختار فلن تخرج عما رسموه لك. وسيصبح هذا الجهاز أول ما تفتح عليه عينيك صباحا، وآخر ما تودع قبل النوم، سيصبح مركز الكون ومركز حياتك.

لا أحد يمكن أن ينكر دور التكنولوجيا في تسهيل الحياة وتحقيق الرفاهية، لكن ما يجب الانتباه له هو حين تتدخل التكنولوجيا كآلة وكرموز وأرقام لتضرب الحاجات الطبيعية لدى الانسان. الانسان كائن اجتماعي بطبعه، يحتاج للعيش في جماعة، يحتاج للشعور بالانتماء والأمان، وقد خلق أساطير كثيرة لتحقيق ذلك، اخترع اللغة للتواصل، واللغة ليست فقط كلمات ورموز، بل قد تكون تعبيرا بالجسد والعيون، تعبيرا وجدانيا وعاطفيا، الذي يحدث اليوم أن الانسان يخلق ما يقطع تلك اللحمة الاجتماعية. والانسان كائن عاقل، أكثر ما يميزه عن الكائنات الاخرى هو عقله، والذي يحدث اليوم أنه يخلق ما يقتل ملكة التفكير والاندهاش والابداع لديه. في فرنسا، كثيرا ما نصادف إعلانات لجمعيات تقترح التواصل مع من يعانون الوحدة والغربة والاغتراب، في مدينة بوردو تقام كل أسبوعين حفلات غذاء جماعي لتقوية الروابط الاجتماعية، كما نسمع كل يوم عن مراكز العلاج من الإدمان على مواقع التواصل. هنا ستكتمل الصورة لدينا، فلا وجود لمقاومة بدون ظاهرة أصبحت ملحة وخطيرة، خطيرة جدا.

يشير برتراند راسل في كتابه “أثر العلم في المجتمع” ألا أحد كان بإمكانه أن يقنع الناس بأن الثلج أسود، لكن اليوم وبفضل تطور العلوم والتقنيات، يمكن فعل ذلك بسهولة شديدة، يمكن قلب الحقائق. ويضيف أنه رغم ما يوفره العلم من أسباب الراحة، فيمكن الجزم أن الانسان الانجليزي كان أكثر سعادة قبل مائة سنة. يؤكد أن المشكلة الكبرى هي في الذين يتحكمون في العلوم والتقنيات، فهي غالبا بيد أوليغارشية فاسدة تسعى للحرب قبل السلام من أجل مصالحها الضيقة. وأما اليوم فقد أصبحت في ملك سوق متوحشة، فوضوية، تقفز على الدولة وعلى كل القيم. من يملك هو من يتحكم ومن قد يجعل العلم والتقنيات في خدمة الانسانية أو العكس.

سأتساءل الآن، ومع الإيجابيات التي لا يمكن نكرانها للجهاز الساحر، التواصل بأقصى سرعة، التعرف على ثقافات وعادات الآخر، تناقل المعلومات وتبادل خدمات فكرية مجانية… ماذا لو أصبحت هذه التكنولوجيا بيد حكومة عالمية عادلة، وقد تنبأ المؤرخ توينبي بأن الإنسانية ليس أمامها سوى الوصول لحكومة عالمية عادلة أو الفناء. الأمل موجود وبيير بورديو أكبر مناضل ضد النيوليبرالية وآثارها يؤكد بأن حركات اجتماعية قوية يمكنها أن تغير الواقع.

لننتبه أنه يمكننا اليوم تلقي دروس مجانية في اللغات وفي العلوم، يمكننا أن نرى من نحب ونسمع أخبارهم حتى لو كانوا في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، قد يتغير شكل المدرسة كما يتنبأ جريمي ريفكن المتفائل جدا، سيصبح تقاسم المعلومة مشاركة، ولن يبقى أي داع لاحتكارها، وستختفي قيم النفعية والفردانية التي تسود الآن مع هذا الجهاز الذي يجعل من العالم قرية صغيرة بالفعل. قد تسود قيم المصلحة الجماعية على حساب المصلحة الفردية. لننتبه أن معرفة الآخر والتواصل معه تجعل تفكيرنا أرحب وأوسع وقد تسود قيم الود والتسامح أكثر. لننتبه أن هذا العالم فوضوي ويمكنه الانفلات من هيمنتهم بسهولة، مهما جندوا له من تقنيات ولجن الكترونية، يمكنه أن ينفلت متى صارت نوازع الانسانية بيد قوى كبرى.

أخيرا ومع بوادر الأمل التي لا يمكنها أن تموت، لا نملك الا المقاومة الذاتية، والتي تتلخص في تصوري في أن يبقى الانسان فاعلا غير مفعول به، هو سيد اختياره، فكما يختار متى يستعمل السيارة ولأجل ماذا، عليه أن يختار متى يستعمل الهاتف الذكي ولأجل ماذا، متى يلج الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل ولأجل أي هدف، وعلى كل من يؤمن بمسؤوليته في صياغة عالم اخر ممكن ألا يعزف عن هذه الدائرة المغلقة واللامتناهية بل بالعكس تماما،عليه أن يجعل منها نافذة متاحة وجديدة لكل ما هو جميل ومفيد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.