الخيار الاستراتيجي….

كان من الضروري أن يسافر الملك إلى دولة الامارات العربية المتحدة لحضور مراسيم احتفالها بعيدها الوطني…. فالمناسبة عظيمة، وفرصة للقاء القادة الكبار لهذا العالم، إذ سيكون حاضرا الرئيس الروسي بوتين، والامريكي اوباما والالمانية ميركل والفرنسي هولاند والايطالي والياباني، وحده الرئيس الجزائري العدو من سيتخلف عن حضوره لأنه مريض ومقعد… ملكنا على رغم مرضه الذي تجسد بحمى وصلت درجتها 39,5، منعته من السفر إلى الصين، ومن حضور الجلسة الافتتاحية للدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الانسان بمراكش، رغم كل ذلك، قرر زيارة الامارات العربية المتحدة….
كان لنا وحدنا شرف حضور المنصة، وأخذ الصور التلفزيونية وبثها، هناك في الامارات وهنا في هذا الوطن الجميل، إذ رغم أن الزيارة غير رسمية، ورغم تنبيه الديوان الملكي للقناة الثانية بعدم بثها للصور غير الرسمية، فإن هذه الأخيرة، أي القناة، فضلت فرحنا ومتعتنا ونحن نشاهد صور رئيس دولتنا سليم ومعاف وهو يحضر إلى جانب أمير الامارات لهذا العرض العسكري، حتى لو جلب ذلك إليها غضب الديوان الملكي مرة أخرى….
طبعا هي لم تجرؤ على بث صور الملك وهو يتجول في المولات الكبيرة هناك، بقميصه وسرواله المزركش الذي ألهب المواقع الاجتماعية، وجعل كل أبناء الوطن بشكل خاص، ومحبي جلالته عبر المعمور بشكل عام، يبحثون عن ماركة هذا السروال، وعن ثمنه وعن دلالة ارتداءه…. وأغلب الظن أنهم وفقوا في ذلك، والاجراءات سارية على قدم وساق من أجل استيراد هذا النوع من السراويل، مع حصر امتياز ارتداءها لعلية القوم لا غير، كي لا تصبح مبتذلة….
لم يكن لكل القادة هذا الحظ، ولن يكون لهم طبعا لغياب تأثيرهم على مجريات الأحداث في العالم، كما أكد ذلك أحد أهم مراكز الدراسات الحقوقية المصرية، حين تم تصنيف رئيس دولتنا ضمن الشخصيات الأكثر تأثيرا في العالم….
لم يكن الحضور في افتتاح المنتدى العالمي لحقوق الانسان المنعقد بمراكش بذات اهمية الحضور في الاستعراض العسكري، رغم أن ذات المنتدى في دورته الأولى تم افتتاحه من طرف رئيسة البرازيل، وبمشاركة رؤساء عديدين من القارة الامريكية الجنوبية، ربما لفراغ انشغالاتهم وخواء التزامهم مما هو مهم، كحضور الاستعراضات العسكرية لبلدان تبعد عنهم بالالاف الكيلومترات…. كان اختيار رئيس دولتنا استراتيجيا ومنسجما ويحمل في دلالاته رسائل عميقة للمنتظم الدولي والبشرية جمعاء…
طبعا لا يمكن غض النظر عن القليل من المواطنين الذين ماتوا جراء الفيضانات في جنوب البلاد، فمن جهة يستحقون ذلك، كونهم غير حريصين ولا مسؤولين، وهم يجتازون القناطر فوق وديان هائجة، وهم يحتمون بجدران منازلهم التي تسقط عليهم تباعا وهم إيضا يموتون جوعا لانعزالهم عن العالم بفعل تخريب كل الشبكة الطرقية في الجنوب، ومن جهة أخرى، لم تؤثر هذه الفيضانات على المشاريع الكبرى التي أشرف عليها جلالته، فلا هي دمرت مقرا اجتماعيا للشركة القابضة ولا هي جرفت الأشجار والابقار في أراضي الضيعة الملكية ولا أسقطت سورا عتيقا يحيط بقصر من القصور….
هذه الأحداث لا تستحق حداداً وطنيا ينغص الفرح بحضور استعراض عسكري، يكفي أمرا ملكيا للموظف العمومي المكلف بالداخلية، ليزور البرك المائية وبضعة جدران مهدمة، مسبوقا طبعا بفيالق من قوات التدخل ليستتب الأمن في المناطق المنكوبة….
للوديان أن تجرف كل شيئ غير الأمن، ونحن أصلا في هذا الوطن لا شعار لنا غير الأمن والاستقرار السابقين عن الخبز والكهرباء والماء….
كمواطن ليس لي سوى الابتهاج بهذا الخيار الاستراتيجي لسلوك الدولة اتجاهنا…. هو خيار حقيقي ومنتمي للبقوليات والخضروات….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.