الخيار الأخير لبنكيران

من العبث أن يستمر البعض في الحديث عن خيارات بنكيران بعد صفقة “الأوراق البيضاء” التي رمى بها في غياهب الصندوق، ومعها رمى بنفسه في غياهب المجهول…
كانت لبنكيران خيارات قبل أن يلوذ ب”الاوراق البيضاء”…أما الآن فلا خيار له إلاّ أن ينتظر انعقاد المؤتمر الثامن لحزبه في بحر الستة أشهر القادمة لانتخاب زعيم جديد، وبعد ذلك بأيام قليلة أو أسابيع (حسب أحوال الجو والمناخ السياسي والاجتماعي) سيتم اسقاط حكومة بنكيران التي سيكون قد شكلها بالتوافق وارضاءً للمخزن، سيسقطونها بملتمس الرقابة أو أي حيلة أخرى، المهم أن يُزاح بنكيران من رئاسة الامانة العامة للحزب أولا، (هذا في حالة ما لم يتم تعديل القانون الاساسي للحزب لتزكية بنكيران لولاية جديدة)، ثم بعد ذلك ستتم ازاحته من رئاسة الحكومة ليضعوا له النهاية المرتقبة.
عندما أُعلنت نتائج الانتخابات ليلة 7 أكتوبر، كانت كل الخيارات تقريبا في يد بنكيران، إلى درجة أنه استبق وزارة الداخلية للاعلان عن النتائج، وبعد أن عينه الملك لتشكيل الحكومة وفق المقتضيات الدستورية، كانت في يده جل الخيارات، بل حدا به الأمر إلى أن يرفض تشكيل الحكومة مع لشكر وشباط وبنعبد الله، كما اعترف هو نفسه، رفض تشكيل الحكومة مع هؤلاء لأنه كان يريد رضى المخزن، وهو ما عبّر عنه هو بطريقته حين قال أن أخنوش وحزبه لديهم الكفاءة والنوعية السياسية، معناه معهم رضى المخزن ورغبته…
من هنا بدأ المسلسل وبدأ بنكيران يفقد خياراته، عندما بحث عن رضى المخزن وأشاح بوجهه عن ارادة المصوتين، في الأول قِيل له اطرد شباط، تنطع بعض الوقت ورفض، لكنه ما لبث أن عاد فانصاع لطلبهم وطرد شباط. بطرده لحزب الاستقلال من تحالفه الحكومي استنزف جزءا مهما من خياراته، ومع ذلك لم ينل رضاهم تماما، بل حثّوه على مزيد من الانصياع، فطلبوا منه أن يقبل 4 أحزاب في تحالف اخنوش لادخالهم ب”الجملة” الى الحكومة، وعندما تلكأ وانتفخ محاولا الضغط عليهم ب”انتهى الكلام”، انتقلوا إلى خطة أخرى؛ فتمّ الحديث عن الذهاب إلى انتخاب رئيس مجلس النواب قبل تشكيل الحكومة، تنطّع بعض الشيء مرة أخرى، وأطلق عنان لسان/قلم “محمد يتيم” و”حامي الدين” ضدّ الذهاب الى اختيار رئيس مجلس النواب قبل تشكيل الحكومة ووصف ذلك بالمهزلة…
لكنهم لم يأبهوا به، ولا ب “انتهى الكلام”، ولا بالسيوف الخشبية التي أشهرها “يتيم” و”حامي الدين” و”بوعشرين”، لأن المخزن عرف بغريزته الاستبدادية، أنه ما دام  قد بدأ مسلسل التنازل والانبطاح، فلا شيء سيمنعه من مواصلة الانبطاح إلى أن يتجرّد تماما من كلّ أسماله، وينبطح أرضاً على بطنه، ويقول لهم: ها أنا افعلوا بي ما تشاؤون…
وكذلك كان، صدق حدس المخزن، وتجرّد بنكيران من أسماله، واستلقى أرضاً على بطنه عندما اختار “التصويت الأبيض” في اليوم الأسود لانتخاب رئيس مجلس النواب، هنا انتقل “قصب” الخيارات المتاحة من يد بنكيران، لتصبح بيد المخزن يفعل بها ما يشاء، لذلك فاستمرار الحديث اليوم لدى البعض عن خيارات بنكيران هو عبث وحمق مجاني، لأن بعد التصويت بالأوراق البيضاء قام بنكيران بتسليم كل الخيارات إلى أخنوش ولشكر وصحبهما، بنكيران استنفذ كل الخيارات، وسلمها بهدوء لخصومه وهو فاغر الفم يحوقل ويعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسارع الخطى متلقفا تلابيب جلبابه بأسنانه حتى لا يتعثّر، ليبحث عن حصة حزبه من “وزيعة” هياكل مجلس النواب، وهكذا ثبَّت الداودي نائباً للمالكي، وثبَّت “محمد يتيم” على رأس لجنة الخارجية، وهو الذي كان قبل أسبوع يرغي ويزبد ويستنكر تشكيل مجلس النواب قبل تشكيل الحكومة.
الخيار الأخير الذي بقي بيد بنكيران، هو خيار على وزن “العشاء الاخير” للسيد المسيح، إذْ لم يبق من عمر الرجل السياسي إلاّ اشهر قليلة ليُرمى به في القمامة، كما سبق أن “تنبأ” الكاتب العام لشبيبة الحزب بذلك قبل أسابيع من اقتراع 7 أكتوبر، حين قال “لا يمكن أن نُستعمل في الإستقرار ثم نُرمى إلى مزبلة التاريخ”..
للأسف، المخزن خرج مرة أخرى أكثر قوة بعد أن ساعده بنكيران على قذف تطلعات الشعب المغربي عرض الحائط، بنكيران يتعرّض الان لنهش لحمه أمام الملأ من طرف الضواري المخزنية، لكن من سخريات القدر أن الضحية كانت رأس رمح الجلاّد ضد تطلعات الشعب، بنكيران/الضحية هو من نعت احرار الوطن ب”الغياطة والطبالة” تزلفا للاستبداد والملكية التنفيذية، واستلّ كل النعوت القدحية التي استرخصت دماء شهداء 20 فبراير، ودموع امهات المعتقلين والمعنّفين، لينفثها كالسم في وجه الحراك الشعبي.
الملكية التنفيذية في المغرب متخمة بسيكولوجية “النعمان ابن امرؤ القيس”؛ مالك “الحيرة” وصاحب قصر الخورنق، أحد أعظم القصور في زمانه، بناه له مهندس يدعى “سنمار”، وأنفق وقتا طويلا في بنائه وتحسينه، وعندما انتهى من عمله على أحسن وجه، وبينما هو ينتظر مكافأة الملك له على انجازه الباهر، قام الملك بالصعود به إلى أعلى مكان في القصر ورمى به إلى الأرض، ليتهشم رأسه وجسده جزاءً على صنيعه وجميله…
نفس القصة حدثت لليوسفي الذي خدم الملكية التنفيذية في ظرف حساس وانتقالي، رموا به وجاؤوا بإدريس جطو ليعينه الملك وزيرا أول، ونفس الشيء حدث ويحدث اليوم لبنكيران الذي خدم الملكية التنفيذية ومازال “يناصل” ضدّ الملكية البرلمانية، ويدعو الى “ديموقراطية قائمة على إمارة المؤمنين” وهذا ما قلته في مقال كتبته قبل 3 أشهر من انتخابات 7 أكتوبر، وعنونته ب “غباء أينشتاين وفطنة بنكيران والمؤلفة قلوبهم”….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.