“الخلافة”..ورؤساء تحرير مغاربة !

ضرورة الحوار اليساري الإسلامي بقٌطرٍ لازال يرزح تحت الفساد والاستبداد تُلزمني أن أنتصر لقيمه، ولا سبيل إلى الخلاص إلا بالحوار لا غير. نقاش عمومي أفقه تحقيق وتنزيل مشروع الديمقراطية المرجوة التي نصلها إن صدقت النيات، وتظافرت الجهود، بكل الفرقاء، دون إقصاء أو استعلاء .ديمقراطية قد تختلف حولها وجهات النظر، ولاشك يعالج العقلاء تفاصيلها وحيثياتها وتتبدد الإشكالات، إن جلس الناس ينصت بعضهم لبعض، بعيدا عن التشنج والاستفزاز، والأحكام المسبقة ،والتخوين والسب، ومنطق الأستاذية، والحملات الإعلامية المشوشة المشوهة، التي قد لا تعكس نقاء سريرة أحد، ونواياه في حوار مفترض، لم يفتح بعد،وإنما بدأت تظهر إرهاصاته، قد تصاحبه موجات مضادة وتطفو الى السطح محاولات إجهاضه والإجهاز عليه قبل نجاحه لخدمة جهات تريد استمرار الوضع بوطن يئن.

والمناسبة ما كتبه زملاء المهنة أنوزلا وبوعشرين و الجماهري عن “خلافة” العدل والإحسان. و لطالما شدتني كتابات أصدقائي بتجاربهم التي لا يمكن للمرء إغفالها، وهو في رحلته الإعلامية يبحث ويكد ويجد ويقارن ويوازن. أحاورهم بوصفهم رؤساء تحرير لمنابر لها مكانتها في المشهد الإعلامي المغربي، ولا أتفق مع من يعتبرهم أقلاما في يد مؤسسة، حزبية كانت أو تحكمية ، أو مماهاة في بعض الفرص للدوائر الرسمية، وثانيا لأنني أقدر كل واحد منهم، وأعرف أنه صاحب حنكة ورأي، لا مدادا ينساب تحت الطلب والأرب، فرصة نتبادل فيها الأفكار برقي وأدب واحترام ، وبوضوح أمام الناس ، مهما اختلفت زوايا التحليل والرؤية ، ورست سفينة “المال” و”الجهة” .وأعود لأقول أن الحوار الذي أشجعه وأزعم أنه سيفضي لا محالة إلى التوافق يوما ما ، بوطن يجمع الجميع بكل اختلافاتهم ، يقتضي من ممارس الصحافة والرأي ،الإلمام بالموضوع واحترام الآخر مهما كان الاختلاف ، كما حاول ذلك أنوزلا الذي طرح السؤال وحافظ ما أمكن على المساحة وإن خانه الفهم ، ويتطلب الاتزان والتفكير بعمق ، والنظر إلى الأفق البعيد القريب ، ويفرض الموضوعية والقبول بالتنوع لا فرض النموذج الواحد الأوحد وإلا فهو استبداد من نوع آخر وإن بلبوس يتلون !
لست هنا بصدد أن أدافع عن أطروحة أحد ، بقدر ما هي محاولة لوضع الحوار على سكته الصحيحة ، وهو ما يقتضي أن نطرح السؤال :
الحوار بين من ومن ؟
وأي أرضية تؤسس للحوار ؟
وهل فتحت الدولة أو اليسار حوارا مع العدل والإحسان كي تلام أنها لم تستجب له ولم توضح فيه وجهة نظرها ؟
وهل نعت أعضاء العدل والإحسان بالأتباع لغة تشجع على التواصل أم هي تنهل من قاموس السب والشتم لأطر ودكاترة وخيرة أبناء هذا الوطن نعرفهم وفيهم رؤساء تحرير أيضا !
إذا أضفنا إليها أحلام وكوابيس بوعشرين ومحاولة الربط بداعش ، والمفروض فيه كاتب رأي “المنصف” المرموق ، وصاحب جريدة ورقية مغربية معروفة والذي كان عليه أن يأخذ مسافة معينة بوصف جريدته “بالمستقلة” ؟
وهل فرض سقف الملكية البرلمانية من مكون سياسي من خارج دوائر السلطة والقرار يعطي للحوار معناه أم هو تنازل من جهة واحدة تستبق أي حوار لم ينطلق بعد ، في انتظار منة المعطي ومنحته الدستورية التي قد ينزل إليها كلما اشتد وهج الشارع ، والذي لم يومن يوما إلا بالإخضاع والكواليس و”هاك بمقابل” ؟
وهل من الممنوع والمحرم على تنظيم إسلامي له أفقه ومشروعه الاستراتيجي كمدرسة فكرية وتربوية كما يقول ، أن يطمح للم شتات “المسلمين” بخلافة على شاكلة اتحاد أوفدرالية كما يصرح دائما ؟
” خلافة هي مصطلح نبوي أحترم اختيار الإسلاميين له ، و أن ينهلوا من مرجعيتهم ، كما أقدر من يؤطره فكر ماركس ولينين وستالين ،وجمعتنا يوما ما ساحات النضال ذات حراك ” . مصطلح تقول الجماعة وتؤكد أنه على شاكلة الاتحاد الأوربي “تحديث الأشكال والاحتفاظ بروح المضمون” ، وسماه الاشتراكيون أممية وقومية واختار له كل قوم “إخراجا” آخر، بما يضمن ويصنع القوة والثقل المطلوبين المرغوبين دوليا ، كي تجد من يسمع لك وتحترم قراراتك وسياسياتك في عالم الدول العظمى والاقتصادات الضخمة والشركات العابرة للقارات .

تنظيم التزم ولازال في تصريحات ناطقه الرسمي “انظر حوار أخبار اليوم 4 يونيو 2011 ” بكونه يرى في الدولة المدنية المبتغى والهدف”القطري” ، الوطني بلغة الحداثيين .

هذه “الجماعة” التي تشكل حسب قولهم دائما كبرى الجماعات الإسلامية المغربية ومكانتها محفوظة . لكن ما جدوى “شروط” مسبقة ؟
بما يفسر أنه إذا أرادت “أي الجماعة” أن تكون فلابد لها أن تذوب وتتخلى عن مشروعها المجتمعي الوطني ، وتدخل تحت عباءة ما يرسم لها ، أو مصيرها أن تعدم وتحارب ويُنعت ما تدعو له بالخزعبلات !
أفترض أن بهذا المعيار والمنطلق والمزاج سيفرض كل فريق منطقه في وجود الآخر، ولا قانون ولا تواصل ، وكل يغني على ليلاه ، ولتفتح الأفواه ويطلق العنان لأنواع وقواميس الهمز واللمز، الذي ينزل بالمرء للسفساف وهو ما لا أرضاه لأصدقائي أو للجماعة أبدا ، وهو ما قد لا يفضي إلى تفاهم ويوسع هوة الخلاف وينأى بالناس عن النضج وأخلاق الكبار الذين تهمهم مصلحة الوطن قبل أي شيء .
ورأيت حزب النهج الديمقراطي المغربي يؤسس ولم يتحدث يوما عن شكل النظام ولم يتهمه أحد بالغموض ، وحصل على حقه القانوني في التنظيم ، وهو بالمناسبة ممن أهتم بمتابعتهم وأعتبره تنظيما ممانعا مكافحا مستقل القرار ، ودافع عنه رفاق الأمس بالبرلمان ، أم أن الوضع والاصطفاف الأيدلوجي مختلف ؟
وهناك ببريطانيا ،”الملكية” ، حزب جمهوري يعمل بشكل عاد ولم يهدد الاستقرار ولم يشكل خطورة ، بل هو من علامات التنوع والتعايش والتحضر والدمقرطة الحقيقية ، ما دام يعمل وفق الضوابط والمساطر المتفق عليها قانونيا يؤطر بشكل سلمي ويدعو لأطروحته من داخل ملكية عريقة .
والحالة بالمغرب وحسب معلوماتي ومتابعتي “فالجماعة” في كلتا الحالتين ، جمعية مؤسسة بشكل دستوري شهدت لها المحاكم بأنها إطار يمتلك كل الوثائق ، مصرح به ، والحظر عرف مخزني محض ، وما يفعله “إعلاميون” أو إداريون من ذرائع قانون الهاكا أو دعاوي المنع لحجب مرورها لا وجود له نصا أو نطقا ، وإنما اجتهادات وتعليمات ، كما وقع مع أحدهم في تحقيق تلفزيوني أثار حفيظة شباب الجماعة مؤخرا، كما من حقها الحصول على حزب وولوج وسائل الإعلام العمومية ، وهي التي اختارت حسب تصريحاتها أن لا تحصرها الأسماء ولا الأشكال ،وقالت : لتكن الديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة وليسمها الناس ما أرادوا ، ملكية ، رئاسية ، جمهورية ، لا تخدعها المسميات عن الممارسة والمضمون ، وهي التي ترى جارتنا الرئاسة الجزائرية ديكتاتورية، وأخرى ملكية إسبانية لكنها ديمقراطية بمؤسسات حقيقية وقرار وبرلمان قوي . فما جدوى اختيار واجهة للتسويق والتنميق والواقع مر ؟!
و العكس اسم “شكلي” ومضمون مؤسس “الجوهر” حداثي يضمن الكرامة .
أعتقد وقد يشاطروني كثيرون الرأي ، حينما نتحدث عن الحوار ، فهو يعني مما يعنيه ، تنازل أطراف عدة مع حفظ مكانة كل فريق ، يطرح كل منهم مقاربته للموضوع ليحصل في الأخير “التوافق” على مخرج ما.
ولا ضير أن “تطمح” الجماعة بمستقبل واعد راشد خارج بلدها بوصفها كما تقول هي مدرسة تربوية وفكرية ممتدة كأي مدرسة أخرى ماركسية كانت أو غربية ، وتنظر له بعد أن تتحقق “بالبلد الأصل” الحرية والكرامة والعدالة المجمع حولها ، وتربي وتبشر وتعد وتجد كل سبل الوصول إليه ،ما دامت لا تكره الناس ، يأتونها رغبا ، وتعمل وفق القانون وحكمت لها عشرات المحاكم بشرعيتها بعيدا عن “العرف ” المخزني الذي يرفعه بين الفينة والأخرى أحدهم ليبرر تجاوزاته وحصاره هو الآخر وإن كان وفق اختلاف إيديولوجي أو تنفيذا لهواتف وتوجيهات .
ما يهمني “أفترض” كمغربي هو ما يجمعني بالجماعة هنا وما عبر عنه أمينها العام الذي وضح تصريحه فيما بعد ، “التي استغلت”، وقال : ” فتشت في أعماق نفسي فلم أحد غلا ولا حقدا ولا كراهية لأحد..تعالوا إلى كلمة سواء ” ، إن كنت أبحث معها عن لقاء وعن صفاء وعطاء ، ومادمت خبرت صدقها وجربتها في العديد من المحطات وعلمت سلميتها طوال خمسين سنة من ممارستها ، بل وعرفت أنها ليست نسخة عن “الإخوان” كما هو حال آخرين ، أو امتداد للفكر “الوهابي”، بل لها رؤيتها وفق أدبياتها التي تمتح من ذلك الرعيل الأول الجامع كما يفتخر آخرون كونهم امتداد لتشيغيفارا وماركس !
وأشاطر الرأي مع شبابها الذي يعبر بين الفينة والأخرى على الفيسبوك ويقول :” أي حوار مع فصيل مكمم محاصر مقموع ممنوع من الإعلام العمومي ، يراد له أن يدخل دار الطاعة والولاء ليسكب عليه العطاء بسخاء ، يخشى الناس فكرته السلمية البسيطة ، ويحتفظ لنفسه بطريقته في الإصلاح ، ويدعو هو نفسه للحوار المفتوح الغير المقيد لإخراج البلد من أزمته وفقا للمنطق والقانون وما هو متعارف عليه ديمقراطيا وواقعيا ، وليس للمقاسات والمزاجات والإخراجات التي تقزم الآخر أو تزج به في متاهات الألاعيب وتجعل منه رصيدا ورقما لتجديد دماء الفساد والاستبداد “.
الحوار من وجهة نظري الشخصية يا سادتي يبدأ بالتقدير المتبادل واستيعاب الآخر ومد الجسور وأن يتحدث كل مشروع عن نفسه ، لا ننوب عن الآخر أو على الأقل ننقل عنه بأمانة كإعلاميين ، لا نتحين الفرص للانقضاض عليه وهو المكبل فقد نجهز على ثور “أبيض” ، ويخيل إلينا أن الساحة تخلو لنا بحسابات ضيقة ، وأثبت التاريخ والتجربة أنها لا تزيده إلا قوة وانتشارا وجماهيرية وتجذرا ، ولم تفد الوطن في شيء بل جعلته لقمة سائغة في يد السلطوية المتغولة العميقة ،وبذلك نزيده مظلومية إلى رصيده ونفوت على الوطن فرصة الانعتاق ، وتنضاف الانتهاكات ضده إلى لائحة ملفه الحقوقي الأقدم الصارخ بالمغرب !
والسلام .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.