الحيرة الملكية

خارج موضوع الحديث المنسوب قسرا إلى الرسول، وخارج ما راج ويروج حول الخطاب الأخير للملك، هناك ناقوس خطر يُدق في هذا النص، كما دق في خطابات ملكية سابقة….
يتعلق الأمر بما يسميه الفاعل السياسي، أي الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، والذي يعول عليها ليس من أجل التصفيق والتهليل لمنجزات الملك، وهي الوظيفة التي يتقنونها، ولكن من أجل تيسير واشعاع البرامج الكبرى للتنمية وسط المواطنين….
هناك تضاد قوي بين رغبة الدولة، عبر المؤسسة الملكية وربما الملك ذاته، في حصر المشهد السياسي في بضعة أحزاب ممثلة في البرلمان، منقسمة إلى أغلبية ومعارضة، تتناوب بشكل محروس ومتحكم فيه، على تدبير الشأن العام، وتجسد ذلك الانضباط العائلي المثالي، الذي يناقش الأمور دون أن يحسم فيها، أو أن يحسم فيها بالشكل الذي قرره الديوان الملكي، وأن لا يطرح الانشغالات الكبرى دون اذن مسبق أو دون ايعاز فبلي بذلك… تضاد بين واقع هذا المشهد السياسي المكون من أحزاب لا قواعد بشرية لها، ولا برامج حقيقية، حتى تلك التي تتماهى أو تسرق الرغبات الملكية، ديمقراطيتها الداخلية خربة وقياداتها مجموعة من من شاخوا على اقتناص المغانم وعقد الصفقات وجني الأرباح من ممارستهم السياسية ولا يفقهون في تدبير الشأن السياسي “حتى وزة”….
هذا التضاد هو الذي تجده في نٓفٓسِ الخيبة الذي ساد في الخطاب الأخير حول الفاعل السياسي، وحول الانتخابات والتعامل معها، وحول الأحزاب وضرورة تجديد نخبها….
لكنه أيضاً تضاد يساهم في اضعاف هاته الأحزاب، إن لم نقل أن شرط وجودها في مرمى الاهتمام الملكي هو ضعفها القبلي، ويتبدى هذا أساسا في حالة الحزبين الكبيرين ، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، واللذين لم يتم الاطمئنان إلى تطويعهما إلا بعد تخريب دواخلهما عبر تأجيج الخلافات داخلهما، وعبر تشويه روحيهما ومسح كل أثار المرجعيات الوطنية التي كانا يستندان عليها وأخيرا عبر تنصيب شخصيتان لا علاقة لهما لما ألفاه المجتمع داخل هذه الأحزاب، شخصيات هي أقرب إلى البلطجة والعنف منها إلى القياديين والمناضلين….
في مقابل ذلك، ورغم كل مجهودات الدولة في تقزيم وقمع المكونات السياسية والمدنية الخارجة عن الحضيرة أعلاه، فإن المتتبع يلاحظ تنامي الوعي العام بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي الاحتقان المؤدي إلى الاحتجاج، السلمي منه والعنيف، واستغلال هذا الوضع من طرف مكونات سياسية خارجة عن الاهتمام الملكي يضعها محل التفاف جماهري ويجعلها أيضا هي ممثلة جموع المواطنين، سواء منها اليسارية أو اليمينية، بمعتدليها ومتطرفيها….
هو وضع يهمش أكثر فأكثر المشهد السياسي الرسمي…. ويزيد بالتالي من الحيرة الملكية، حيرة هو مسببها وهو الواقع في شركها…
لا يمكن الادعاء بأن مهندسوا هذا الوضع ليسوا على علم به، سيكون ذلك استخفافا بذكاءهم، لكنه سيبقى استخفافا أقل ايلاما من فكرة تفيد أنهم يقصدون هذا الوضع بالذات،يقصدون اضعاف المغرب الرسمي، ملكاً وأحزابا، وهو ما تأتى لهم في جانب الأحزاب على الأقل، والدفع بالوضع إلى الاحتقان والتفجير….
هؤلاء القريبون من دوائر القرار، والذين شكلوا خارطة المشهد السياسي على الشكل الذي هي به الآن، هم حساد الوطن، والذي يجب الانتباه إليهم واجتثاثهم، والذين لن ينفع معهم بخور ولا رقية ولا معوذتين….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.