الحلقة الثانية: 20 فبراير.. من وحي الذاكرة

20 فبراير، المظاهرات في كل مكان، في القرى كذلك، جماهير غفيرة وشباب التغيير تصدح حناجرهم بشعارات الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية..

وفي فاس جماهير غفيرة تتجمهر في ساحة فلورانسا وسط المدينة تلبية لنداء شباب 20 فبراير ولبعض القوى السياسية “خاصة المحسوبة على جهة اليسار”، تردد مطالبها بشعارات مستوحاة من واقعها البئيس. جماهير وجدت في 20 فبراير فرصة تاريخية تُدشّن لانطلاقة نحو آفاق جديدة ومستقبل يقطع مع بؤسها وفقرها وهدر كرامتها، وراء شباب لا أسماء لامعة لهم ولا تاريخ لهم، يحملون عبء القضية بصدق،”ومن دون مبالغة جلهم مناضلين في الحركة الطلابية”، تحملوا مسؤولية قيادة الحراك…

انطلقت مسيرة جابت أكبر شوارع فاس، وكانت تتعاظم باستمرار، وبتنظيم ذاتي بسيط/متقدم، توقفت قبالة مركز القناة الثانية، للتنديد بالحملة الدعائية الرخيصة التي انخرطت فيها هاته القناة وقادتها استباقا لميلاد حراك ال20 فبراير، ولكنها لم تقم بتغطية هذه المسيرة الاحتجاجية التي فاقت شكلا ومضمونا كل التوقعات. عادت المسيرة إلى ساحة فلورانسا وعقد نقاش جماهيري مفتوح حول مستقبل المسيرة تأرجح ما بين داع لوقف التظاهر وتحديد يوم آخر وما بين مؤكد على ضرورة الاستمرار دار خاصة ما بين الحساسيات السياسية كل يدافع من موقعه السياسي. إلا أن صوت الجماهير تعالى وقرر الاستمرار ، لتنطلق المسيرة غير عابئة بقرار القيادات السياسية، انطلاقة جديدة عرفت انسحاب بعض ممثلي القوات السياسية(أبرزها جماعة العدل والإحسان وأنصار العدالة والتنمية، وأغلب القيادات اليسارية)، مسيرة جابت أهم شوارع وسط المدينة، عرفت تشكيل لجان مؤقتة وبشكل سريع لحماية المنشآت العامة، للحيلولة دونما أعمال تخريب محتملة يقوم بها بعض المندسين، عرفت نجاحا لتصديها لكل المحاولات وبطرق لبقة واحترافية لم يتم معها تسجيل أية حالة فوضى أو تخريب. لتتجه المسيرة صوب الأحياء الشعبية وخاصة حي “الليدو القصديري” ومرت بجامعة “ظهر المهراز”، لتنتقل إلى حي “عوينات الحجاج” و “ليراك” الشعبيين عرفت خلاله المسيرة تعاظما قويا زاد من حماسة المشاركين بعد انضمام جماهيري متزايد.

النقطة السوداء:

بعد بلوغ حي النرجس وخصوصا حي الأمل الراقي، تصادفت المسيرة مع مواجهات لقوات التدخل مع جمهور الكرة أغلبه من القاصرين، انطلقت عمليات التخريب ومحاولة خلق حالة الفوضى في المسيرة الاحتجاجية السلمية والهادفة، إلا أن يقظة لجان التنظيم المنظمة من طرف نشطاء الحركة بتعاون مع المشاركين كسر رهان تشتيت التظاهرة، وعمدت لجان التنظيم الذاتي على عزل المسيرة هذه ولإيقاف تلك العناصر(بوسائل حبية) من قيامها بأعمال التخريب عرفت نجاحا الى حد ما.

هذا الحدث الذي بدا مدبرا،( فكيف يعقل أن تنظم مباراة كرة القدم في يوم كيوم 20 فبراير؟؟)، بمثابة فرصة ذهبية لتدخل قمعي عشوائي يطال المسيرة الشعبية خلفت إصابات متفاوتة الخطورة واعتقالات ومذكرات البحث التي طالت النشطاء البارزين في هذا اليوم النضالي، بالإضافة أنها كانت مادة إعلامية وظفت للتهجم الرخيص والمجاني البعيد تماما عن الحقيقة، واتهامات للمناضلين والمحتجين بالمشاركة في أعمال التخريب المفتعلة والمدانة…تطورات عاشتها المسيرة واندلاع مواجهات متفرقة في الزمان والمكان بشكل سريع، انتشرت لتصل باقي أحياء المدينة الشعبية.

صبيحة 21 فبراير مدينة تحصي خسائرها، أخبار الاعتقالات والتدخلات  لا تنقطع و لعنة مذكرات البحث صدرت في حق الكثير من الشباب المناضل الذي تزعم الحراك وتحمّل مسؤولية إنجاح المسيرة الاحتجاجية تطاردهم، حملة دعائية مغرضة قادتها بعض الجرائد الموالية مع التركيز على أعمال التخريب المعزولة والبعيدة عن نشطاء الحركة، وتدخلات عنيفة في حق طلاب جامعة ظهر المهراز واقتحام للكليات والحي الجامعي خلفت كثير من الجرحى والمعطوبين واعتقالات تطال العشرات…

يومين عاشتهما مدينة فاس، ليست ككل الأيام، إعادة لتاريخ انتفاضة 1990، أكدا على كون شبابها متشبث إلى أقصى حد وبجرأة منقطعة النظير بالتغيير والتقدم، وكم هم أوفياء لتاريخ أجدادنا وكم هم محافظون على تراثهم النضالي المشرق، وأعلنوا ميدانيا أن ما كان موجودا انتهى..

يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.