الحكوز أو الاحتفال بالسنة الامازيغية و الفلاحية

تعود بي ذكرياتي الى زمن الطفولة أو بعدها بقليل عندما كنا في مثل هذا اليوم كأبناء الجبل ـالرتبة بتاوناتـ نستعد للاحتفال يوم 13 يناير من كل سنة ب الحكوز او الحاووزمن خلال أمرين أساسيين أولهما ما يصطلح عليه بشعالة أو موكب الشموع بصيغة أخرى، و هذا الاحتفال يبدأ الإعداد له منذ موسم الصيف حيث يتم جمع أنواع مختارة من الإعشاب اليابسة و التي من بين مميزاتها كونها تدوم أكثر على مستوى الاشتعال و تشتعل بانتظام، و الشكل الثاني للاحتفال هو ما نسميه نحن جبالة ب (اباينو) و هي كلمة امازيغية تعني الرجاء أو الترجي، لم نكن حينها نعي أو على الأقل أنا لم أكن أعي أن هذا الاحتفال الذي دأبنا على إقامته هو احتفال بنهاية سنة و بداية أخرى قيل لنا أنها فلاحية، هذا عرفته لاحقا لسوء حظي .

أعود لهذه المظاهر قليلا حماية للذاكرة أولا و محاولة للفهم ثانيا، طبعا كما أسلفت يبدأ الاستعداد للاحتفال صيفا و يحل هذا اليوم الذي كنا نترقبه بأحر من الجمر، يبدأ الاحتفال بعيد غروب الشمس عن طريق إشعال الشعالة و الجري بها في كل الاتجاهات مرة بشكل عشوائي و مرات عدة بشكل منتظم و يفوز من تدوم شعالته لمدة أطول، و بعد اقتراب الشعالة من الانطفاء نجمع بقاياها في مكان نتحلق حوله بشكل دائري و نجري بشكل طفولي طبعا و نقفز فوقها بشكل بهلواني بين الفينة و الأخرى في دلالة قوية ـفهمتها لاحقاـ على علاقة الإنسان القديم بنا بعد اكتشافه للنار والذي أثبتته الانتروبولوجيا لاحقا حيث تشير مجموعة من الدراسات التي أجريت على قبائل الهنود الحمر إلى وجود مثل هذه الصلة و التي لازال اللاوعي الجمعي يحتفظ بها .

وبعد الانتهاء من هذه الطقوس الاحتفالية تبدأ عملية الاستعداد للشق الثاني من الاحتفال و التي نسميها اباينو حيث نتفرق جماعات بناء على عامل السن أو العمر إذ تقسم الجماعة العمل فيما بينها حيث تتكون في الغالب من حمالة و عازف أو أكثر للناي و ضاربي الدفوف و طبعا من يحمل أدوات الإنارة إذا صادف هذا اليوم غياب القمر أو سماء ملبدة بالغيوم، و بعد ذلك نرسم خارطة الطريق أي نحدد اتجاه سيرنا و نقطة النهاية، و هي مسالة تنم عن حس تنظيمي عال جدا و عن رغبة في العمل الجماعي و التعاون بين أفراد المجموعة، لتبدأ الجولة مرورا بكل بيوت القرية أو الدوار و التي ينتظرنا أهلها بفارغ الصبر للاستمتاع بالأهازيج التي نرددها خاصة أغنية اباينو التي تنقسم إلى ثلاث مراحل: و هي مرحلة البداية أو الترحيب حيث تقول الأغنية (وا بينو وا بينوا وا بينوا بينو دجبل حلو او مزين وا يخوتي لاتخفوشي انا معكم قد بباكم) في إشارة إلى تشجيع أفراد المجموعة لبعضهم البعض و الانطلاق بها نحو الهدف.

و بمجرد الوصول إلى احد البيوت نختار اسم صاحبة البيت لننتقل إلى المرحلة الموالية و هي الطلب و الترجي طبعا الطلب يتلخص في مدنا ببعض الكيلوغرامات من الزيتون باعتباره أهم انتاجات المنطقة وهي إشارة إلى احترام الدورة الفلاحية، لذلك إذا صادف أن كانت صاحبة البيت اسمها حليمة نقول عندها أو تقول الأغنية بالأحرى (عمتي حليمة ضوي علينا من جبل جينا، عمتي حليمة مرا مزيانة مترضشي تردنا بلاشي) و هذه عملية مدح و تشجيع لصاحبة البيت حتى نظفر بما نريد، لكن في اغلب الحالات صاحبات البيوت أو أصحاب البيوت يتأخرون في مدنا بما نريد و في اغلب الحالات عمدا لأنهن يقفن خلف البات للاستمتاع بأهازيجنا التي تصدح بها حناجرنا التي يخترقها صوت الناي ممزوجة بالحان قلما تجود بها الساحة الفنية لكن عبق الجبل و هوائه جعلها تتفجر بين أحضانه، وكأن بها تقول أن الفن موهبة طبيعية أما أشباه الفنانين فرغم المساحيق و الدعاية التلفزيونية فإنها لا تعدو أن  تبهت و تزول، لكن صوت هؤلاء يظل خالدا جيلا بعد جيل لكن هيهات اهيهات أين نحن من كل هذا ألان؟

على كل حال عدم استجابة عمتي حليمة ليس احتقارا لنا و لا تمنعا في تقديم ما نطلب بل رغبة في الاستمتاع بأهازيجنا، لكن إذا طال الانتظار فإننا صبرنا يقل ونمر للمستوى الأخر في الإنشاد فعوض المدح سيبدأ الذم، لكن الغريب هو أننا عندما نريد أن نمدح أهل الدار نختار اسم صاحبته أي المرأة أما عندما نريد الذم فإننا نختار اسم صاحب الدار الرجل في إشارة لاواعية إلى تقدير جبالة للمرأة، فمثلا إذا كان صاحب البيت اسمه عبد السلام فإننا ننشد (عمي عبد السلام لابس سلهام سيفة دلهام).

لكن يجب ألا ننسى بأنه بالموازاة مع هذا الفلكلور المتنقل من بيت إلى أخر فان نسوة الدوار لا ينمن طيلة الليل حيث ينشغلن بإعداد أنواع خاصة من الطعام التي تختفي طيلة السنة لتظهر في هذه المناسبة مثل إعداد الإسفنج المحشو بالسردين آو الخبر المنقط بالفواكه الجافة خاصة الجوز إضافة إلى أنواع أخرى من الفطائر و الحمص المسلوق و الممزوج بالثوم و زيت الزيتون و بعض الإعشاب الأخرى إضافة إلى أن هناك من كن يقمن بإعداد الشربات و الثريد، كل هذا و أرجاء الدوار تصدح بالأهازيج لأننا لسنا وحدنا بل هناك مجموعات أخرى تطوف و تجول بالدوار، لكن عندما يدب التعب في أرجلنا و نحس بالإعياء و الإنهاك ننتقل للمرحلة الأخيرة من الإنشاد دائما في تيمة اباينو حيث نردد ( النجوم طحطح الحال اصبح وذني طوالو عيني احوالوا وعلى والوا ) في إشارة إلى أن المحصول لم يكن عند تطلعاتنا  و هذا لا يعني بخل أهل الدوار، لكن يبقى الأهم هو أننا قمنا بالاستمتاع و صلة الرحم بين كل أفراد الدوار.

و في اليوم الموالي نبيع ما جمعناه من زيتون و بعدها نعد لجلسة أخرى خاصة للاحتفال نختار لها بيت من بيوت القرية طبعا احد أفراده مشارك معنا حيث يمتزج الفرح و الطرب بالأكل و الشرب، و بهذه الطقوس الجماعية نكون قد احتفلنا ببداية سنة فلاحية فهمت بعدها أنها امازيغية كذلك مع أنني لم اسمع في يوم من الأيام أن احد أبناء القرية يتحدث الامازيغية ، لكن ما هو أكيد هو أن زمنا مر في هذه القرية آو القبيلة شهد تعايشا بين العرب و الامازيغ و تزاوجا، و بالمناسبة أقول لكل الفلاحات و الفلاحين و أبناء الفلاحين و الفلاحات بالرتبة و جبالة عامة سنة سعيدة، نتمنى أن تكون سنة الزرع و الضرع و لكل امازيغ العالم و المغرب خاصة أقول ( اسوكاست اماينو).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.