الحق في المدينة

إبراهيم القانوني

تقديم

تكتسي مسالة المدينة صبغة وأهمية بارزة في ظل العولمة، حيث أصبحنا نشاهد ظاهرة التمدين في تسارع وبوتيرة مضطردة، كما أصبحنا نشاهد تشكل مدن عملاقة في سابقة أولى في تاريخ البشرية. فأضحت قلة من المدن تستحوذ على النسبة الأكبر من الدخل القومي للدول، كما تتربع 28 مدينة على المستوى الكوني على أكثر من نصف منتوج الثروة على الصعيد العالمي.

العولمة وفرت الشروط الضرورية كالبنية التحتية والخدمات بهدف الوصول وبسهولة إلى الأسواق المحلية، هذا الوضع الجديد للمدن يثير النقاش حول صياغة جديدة للعلاقة بين المحلي والكوني، كما أصبح دور المحلي أكبر و في تعاظم وهو قد يخل بالتراتبية التقليدية (المحلي –الوطني –الكوني).

تبرز قضية المدينة كقضية محورية في مستقبل البشرية، فالنوع البشري قد يتحول إلى النوع الحضري على حد تعبير “هنري لوفيبر” لأول مرة في التاريخ.

إن الكلام عن المدينة يدفعنا للحديث عن التعمير و المجال الحضري، ففي مقابل مفهوم التعمير الذي ينطلق من مقاربة أن المدينة تنتج من ذاتها ولذاتها وهي بالتالي تتشكل من مجرد فضاء للأسواق كسوق المال والعقار وسوق الخدمات، هذا مفهوم ينطلق من نظرة سلعوية لفضاء المدينة ويتحول فعلا الى منطق لتسليع وامتلاك فضاء المدينة وتمفصلاته. في المقابل يطرح مفهومٌ يَضعُ المواطنَ محور أي صياغة لهذا الفضاء، حيث يأخذ بعين الاعتبار المصادر واستدامتها و المجال و الخدمات بغية إعطاء معنى حقيقي للحق في المدينة فرديا أو جماعيا.

المدينة هذا المجال العمراني والفضاء الاجتماعي الذي نتحرك فيه ونختار حسب الإمكانيات مكان السكن و الولوج إلى الخدمات التي توفرها الجماعة الحضرية(تعليم – صحة-مواصلات-خدمات……….). فالحق في المدينة لا يمكنه أن يكون في وضعية الإقصاء منها.

سياسيا

إن إثارة قضية المدينة هو في حد ذاته إثارة لقضية صناعة القرار على مستوى المدينة وسياسة التعمير بشكل أخص وذلك في ترابط مع الحق في المدينة سواء تعلق الأمر بالمواطنين من عدمه أي مستعملي المدينة بشكل عام وهذا الأخير ليس الجمهور البسيط ولكن بممثلي الجمعيات تعبر عن فئات اجتماعية بما فيها تلك التي تستفيد من وضع اعتباري مع اللوبي المتحكم في مفاتيح المدينة أو المنعش المتربص إلى الربح السريع والرخيص.

وجب التأكيد على أن تقاسم صناعة القرار العمراني لا يمكنه أن يتجسد دون إشراك تعبيرات مستعملي المدينة، كما أن هاته الأخيرة يجب أن تمتلك الأدوات التقنية اللازمة من أجل تضمينها في الثقافة المطلبية اللازمة في أدبيات الجمعيات عملا بمبدأ المشروع و المشروع المضاد، فهذه المسالة في غاية الأهمية وجب على الجمعيات إدخالها في مخططاتها، إضافة إلى ثقافة مسطرة الافتحاص من أطراف خارجية ومؤهلة.

فتقاسم القرار يعني تقاسم المعرفة، وبالتالي فالحق في الولوج إلى المعلومة العمومية يعد مدخلا أساسيا لتحقيق مطلب الحق في المدينة والمشاركة في مستقبلها.

حقوقيا

سكان المدينة لهم الحق في ان يتمتعوا بحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي والمواثيق الدولية المختلفة كالميثاق الإفريقي للإسكان و مؤتمر الامم المتحدة للإسكان اسكان1 فانكوفرواسكان2 اسطنبول.

مبدأ كونية حقوق الإنسان والذي يتعارض مع بعض الأوجه المظلمة لمسالة الخصوصية، فيلزم الأخذ بها في شموليتها، أي عدم تجزيئها بين الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، فجدل السياسي بالحقوقي يبدأ بالمدينة وينتهي في الدولة ككل.

إن المدينة هي قبل كل شيء مجتمع سياسي، بحيث الأهالي يشاركون في بناء مشروع المجتمع الذي يجب أن يتأسس على الحرية والمساواة والمشاركة في التنمية الفردية و الجماعية، وبالتالي فان المناصفة السياسية وتقاسم قرار التدبير العمراني يصبح المدخل الأساس لتمكين المدينة والمجال الترابي التابع لها من تنمية مستدامة منصفة ومندمجة تحترم الحقوق الأساسية للسكان، وتعمل على تعميق الديمقراطية المحلية من أجل هدف أسمى الذي هو مجتمع السلم والعدالة والتضامن.

إن الفقر و الهشاشة يعدان مسا لحق الإنسان في الكرامة والعيش الكريم، فالمواطنة الحقة كانت حقوقا أم واجبات لا بد لها أن تنعكس محليا وفي تمفصلات فضاء المدينة سياسيا و مؤسساتيا.

ركائز الحق في المدينة

موضوع المدينة قضية في غاية الأهمية ومجال لكثير من التداخلات بين أكثر من مجال وتخصص، فالسياسة الحضرية هي من يعكس شكل المدينة ويصنع أفق نمائها، فإما مدينة؛ “معمل خردة” حيث يكون المعمل هو مركز المدينة يحيط ببحر من أحزمة الفقر وبشارع يبقى في نفس الوقت طريق الخروج و الدخول، تقرأ به جملتين شهيرتين: “مدينتنا ترحب بكم” و”مدينتنا تودعكم”. أو مدينة للمواطنين و المواطنات التي تجعل من النظام السياسي الديمقراطي التضامني قاعدته و أساسه الحق في المدينة المنشودة.

إن الحق في المدينة يدفعنا إلى الكلام عن ركائزه والتي يمكن إجمالها في بعض العناصر:

1 الحق في الديمقراطية التشاركية :والذي يجب أن يضمن المشاركة السياسية و تدبير شأن المدينة و الحي، إضافة إلى بلورة اختيارات سياسية عمومية، و مأسسة الديمقراطية التشاركية من خلال الانفتاح على مكونات المجتمع، وتنمية وتقويم مؤهلاته. كما انه يجب التأكيد هنا أن لا ديمقراطية تشاركية من دون مأسسة ساكنة المدينة لكل من السلطات العمومية و تقديم الحساب في جو من الشفافية الذ يرتكز كما أشرنا سابقا الى مبدأ الحق في الولوج إلى المعلومة العمومية بعيدا عن أساليب تهريب القرار ومنطق الغرف المغلقة في تدبير المدينة.

2 الحق في الأمن المدني و السلم : ويعني حق الساكنة في الأمن والسلامة لشخصهم و ممتلكاتهم اتجاه جميع أشكال العنف، سواء كان عنف القوة العمومية اتجاه فئات اجتماعية أو غياب التغطية الأمنية اللازمة إن على المدينة، أن تكون ضامنة للسلامة الجسدية و النفسية مع اتخاذ الإجراءات العملية ضد كل أشكال العنف مهما كان مصدره.

فالمدينة التي تملك القوة العمومية عليها أن تحترم مبادئ الديمقراطية ومستعدة لحماية الساكنة دون تمييز و تعبر عن رفض كل أشكال المعاملة اللاإنسانية و المخلة بالكرامة الإنسانية.

3 الحق في التنمية الحضرية المستدامة: الذي يتضمن الحق في التنمية الحضرية مناصفة وفي توازن بين جميع الأحياء مع بدائل وبرامج الإدماج الاجتماعي، كما تعمل المدينة على توفير النقل الجماعي الجيد يحترم البيئة، وتوفير الماء و الكهرباء وقنوات الصرف الصحي لجميع الساكنة.

4 الحق في السكن: الذي يتضمن الحق في السكن اللائق يضمن الكرامة والولوج إلى الخدمات، ويجب الإشارة هنا إلى السكن بمفهومه الأوسع وليس الأمتار المربعة “عش الحمام” . كما يتضمن الأمن في الرسم العقاري سواء تعلق الأمر بسلامة البناء والمواد المستعملة أو سلامة الرسم العقاري إضافة إلى خطة لتسوية الرسومات في الأحياء التي قد تكون جلها عشوائية (حالة طنجة على سبيل المثال….) .

المدينة تكيف الوعاء العقاري ليضمن السكن للضرورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خاصة لدوي الدخل المحدود، إضافة إلى اتخاذ تدابير مالية لحماية المستهلك خاصة ذوي الدخل المحدود للولوج إلى السكن.

على مستوى آخر تعمل المدينة على ضبط ومراقبة قواعد السوق وشفافيته من كل السلوكيات المشينة لبعض رموز الفساد العقاري. كما تضع المدينة برامج لمحاربة التهميش الاقتصادي عبر تدخلات مبنية على الإدماج الاجتماعي والمجالي. فعلى المدينة أن تعترف بحق الجميع في السكن.

5 حق الولوج إلى الخدمات العمومية : الذي يتضمن لجميع الساكنة الحق في شروط ووسائل تساعد على الإدماج الاجتماعي والاقتصادي ويعني هدا الحق في الولوج إلى الخدمات العمومية إعمالا بمبدأ القرب إضافة إلى مواصفات للجودة مقبولة على المستوى المالي والتقني. كما تعمل المدينة على محاربة التمييز المجالي في الولوج إلى الخدمات العمومية.

6 حقوق الطفل وحق المناصفة بين المرأة والرجل : الذي يتضمن حق جميع الأطفال في وضعية تمكنهم من التطور النفسي والجسدي، فتعمل المدينة بذلك على احترام جميع العهود الدولية المتعلقة باحترام الطفولة، كما تضمن الشروط اللازمة لتمكين الأطفال من التمدرس الطبيعي للمساهمة في تنمية شخصيتهم في جو من الاحترام لمبادئ حقوق الإنسان إضافة إلى وضع برامج مكيفة لذوي الاحتياجات الخاصة. إن جوهر المواطنة الحقة هو الحق لجميع الساكنة المعاملة بعيدا عن كل أشكال التمييز بين النساء والرجال إعمالا بمبدأ المناصفة كما تتخذ تدابير إجرائية لذلك من خلال برامج تعيد الاعتبار إلى مساهمتهن في مدينة مواطنة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.