الحسيمة: دروس وعبر في مواجهة الوباء

محمد القضاوي

لِصغر حجم هذا المجال -الحسيمة- و قلة سكاّنها، عبّر شبابها بغيرة منهم عن عُلوّ وعيهم بالخطورة الراهنة التي نعيشها و العالم أجمع، جراء انتشار فايروس كورونا المستجد (covid 19)، فلقد تطوع الطالب و التلميذ و المعطل و الموظف… في الحملات التوعوية/التحسيسية بخطورة الوباء، عبر نشر أوراق تعريفية بالفايروس وسبل الوقاية منه بمختلف أحياء و أزقة مدينة الحسيمة، و كذلك مدينة إمزورن و ما جاورها من بلدات. و هناك من الجماعات الترابية/المحلية من ساهمت في القيام بتعقيم وتنظيف جل المرافق العمومية التي يستخدمها المواطن، مناشدة الساكنة عبر السلطات المحلية بملازمة البيوت و عدم الخروج إلا للضرورة.

عودة إلى هذه الفئة الشابة المتطوعة بالحسيمة؛ كما أشرت سلفاً فنمط الثقافة السائدة هو إيجابي إلى حد بعيد لأن الإستجابة والتفاعلات كانت فعالة، و ما يبرر هذا هو الخلو التام للشوارع و التزام الأفراد و وعيهم و تبصرهم بخطورة هذا الوباء.

إن دور السلطة (autorité) في تعاملها مع الأفراد يكمن بالأساس في التوعية و نشر روح التضامن و التآزر عبر تبادل الحماية والأمن مقابل الامتثال للقرارات. و نظرا للمواقف المتجذرة لأهل هذه المنطقة تجاه السلطة “المركزية”، فبعفويتهم تجاهلوها بمنطق ذكي، و عبروا بالرد بأسلوبهم الذي يختلف عن اسلوب السلطة. لماذا؟ لأنه و نظرا لهذا الصراع السوسيوتاريخي ف”المركز” لم يستطع بعد التحكم الفعلي و معرفة روح الدينامية المنبعثة من هذا المجال. و هذه الفئة الشابة التي أتحدث عنها استطاعت القيام بدورها كما ينبغي، لأن المخاطِب هو نفسه المخاطَب، و هذه خصوصية تاريخية و قاعدة في الثقافة الريفية؛ “نثق في من هو منا و لتتم هذه الثقة يجب أن لا يكون هذا الفاعل ممارِسا لأي دور فيه غاية ما تحسبا لأي استغلال سياسيٍ.

دائما في نفس السياق، شرع بعض الشباب في إحداث مجموعات و صفحات رقمية على مواقع التواصل الإجتماعي غايتها التوعية بالوباء. و الملاحظة التي يمكن تسجيلها هنا؛ هي اعتماد الأعضاء و المتفاعلين في هذه المجموعات على مستجدات خارجية/أجنبية توضح تطورات هذا الوباء و الإجراءات المتخذة في الدول الأخرى، لاسيما المتقدمة منها، لإعطاء صورة أكثر دقة و أكثر فعالية لأفراد هذا المجتمع و لتقريبهم من المشهد العام/الدولي، عبر مشاركة فيديوهات لأخصائيين و محللين يفسرون التطور التدريجي لفايروس كورونا و القراءات المستخلصة الموثوق بها مع نبذ الإشاعات.

هذا و بالإضافة إلى روح التضامن المنبثق من النية الخالصة، استطاع شباب الحسيمة إيصال تضامنهم للدول المتضررة (الصين، إيران، إيطاليا، إسبانيا…) جراء انتشار هذه الجائحة.

تذهب النظرية الوظيفية البنائية في الأنثربولوجيا و السوسيولوجيا إلى اعتبار المجتمع بنية من الأدوار والوظائف، حيث إن كل عنصر داخل هذه البنية يؤدي دوره الوظيفي من أجل الحفاظ على التوازن الإجتماعي، فحدوث خللٍ بنسق من الأنساق يعني حدوث خلل على مستوى البنية بأكملها. إن حاولنا أجرأة هذا التعريف و تحويله من النظري إلى التطبيقي و إسقاطه على هذا المجتمع -الحسيمة-، يمكننا القول بأن هذه الفئة الشابة تساهم في تحقيق تماسك و ترابط اجتماعيين، للحفاظ عن وحدة أجزائه و ضمان استمراريته كمجتمع و كثقافة و كتاريخ. بجانب هذا، وفي إطار سوسيومجالي أقرب، لا يمكن للنظرية السوسيولوجية الكلاسيكية ذات النشأة الغربية أن تضطلع بدور القانون المفسر التام والنهائي لسياقنا المحلي؛ حيث أننا، في الحسيمة على الأقل، والإقليم عامة، لم نقطع الصلة، في استراتيجيات الفعل الاجتماعي، مع هويتنا وبُنانا التقليدية-القبلية، كما أن النمط الاقتصادي للمجال نفسه (إضافة لنوعية النظام السياسي المشار له سابقا)، لم يمر بالظروف التي أفرزت تقسيم العمل، وبالتالي التضامن العضوي الذي تبلورت عنه الفردانية لاحقا واستفحلت في المجتمعات الغربية. هذا المزيج الذي لم يُسند بعد بمرجعيات نظرية مناسبة، هو ما يتمظهر في مناسبات اجتماعية متعددة منها خصوصية العمل التطوعي في منطقتنا.

محمد القضاوي
طالب في شعبة علم الإجتماع بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

نائبة في البرلمان الكطلاني تكتب عن المغاربة المقيمين والعالقين في الخارج

خلال فترة الحجر الصحي: أمانديس تلجأ إلى البدائل الرقمية لخدمة زبنائها عن بعد…