الحسيمة، ملامح من فوضى نائمة

لقد نجحت سياسة ” إطعام ستين مسكينا ” في مدينة الحسيمة ونواحيها ، بشكل يوحي بمشعر واضح في تحصيل جرعات زائدة من التدجين والتشويه ، إلتقطها لوبي محلي ، توحد بفعل توحد مصالح نشطائه تحت قبعة عصابة سياسية ، إنوجدت أصلا لتفتيت الصلابة القاعدية المتشكلة كثابت متواتر في البنية الذهنية الريفية، نشطاء استهلوا قفزتهم السياسية باطلاق رصاص التخويف ، وكانت الغاية من كل هذه اللعلعة للمسدسات الكاتمة للصوت ، هي أساسا : تتويه ( من التيه ) الريفين وإتلاف خيوط بحثهم عن النماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الذاتي، والذي إبتدأ مع تدفق أموال الهجرة وظهور ما يمكن الاصطلاح عليه ب : ” مدن الأورو ” ( امزورن، أيث بوعياش، أجدير، بوكيدارن، …) ، إضافة الى أموال التهريب بأنواعه ، والتي ساهمت في إشاعة نوع من الاستقلالية المادية ، وأغضت طرف الكثير من الريفيين عن توسل الخلاص أو الترقيع المادي واستجدائه أمام مؤسسات المخزن ، حيث تضاءلت بالتالي ، تفاصيل الارتباط بالمخزن في كثير من جوانبه وتجلياته ، لتفسح المجال أمام إرتباطات أخرى أساسية ومؤسسة لعلائق بديلة ، تحددت بفعل الهجرة والتفاعل والاندماج في دول الاستقبال :(هولاندا، ألمانيا، بلجيكا، الدول الإسكندنافية ،…)، مما دفع المخزن إلى عدّ عدته إستباقا ” لكل ما من شأنه ” …

وبالفعل فقد إبتدأت الحرب الإستباقية، لكن بقفازات ناعمة، سجلت فيها الزيارة الملكية الاولى، وما استتبعها من إصرار على حضور سعيد الخطابي، نجل مولاي موحند، وتوقف الموكب الملكي بأجدير، بكل ما للأمر من دلالة وتشوير وإيحاء، (سجلت) نقاط هامة في الجولة الاولى، هذه الجولة أُريد لها أن تكون حافلة بالرموز وتكثيفية لمعاني التصالح والرضى، جندت لها امكانات بشرية لوجيستيكية ومالية هامة جدا، بالاضافة الى إنزال أمني مدهش، ومواكبة إعلامية بعناوين عريضة، توخت في مجملها فرقعة ” كيستات ” سوء النية وتنطيف صديدها المتخاتر على ندوب الجراح العالقة بأجساد الريفيين منذ إنتفاضة 58 – 59 ، …

إذ أنه، في هذه الأثناء بدت الحسيمة وكأنها ” تلد نفسها من جديد “، وأصبح البعض من أهلها يستفيقون على إبتسامات الإدارات، ومؤسسات الدولة، تلك المؤسسات الاستبدادية المتسخة التي عافها الماء والصابون ، ونفّرت ( بالشدة على الفاء، من النفور ) الساكنة ، إلى درجة أضحى معها ولوج ادارة من إدارات المدينة أشقى وأعسر من ولوج جهنم …

وبالمقابل، أضفى مقام الملك بين ظهراني ساكنة المنطقة، نوعا من الرهان و الإشرئباب والتطلع وقراءة النوايا، لم يستطع حتى ذلك العدد الهائل من المأذونيات (لاكريمات)، التي وُزعت يمينا وشمال، ولا أيضا تلك المعاملة ” التفضيلية “، التي فشلت في إزاحة الحصوات من حذاء الريفيين بشكل تام ومقبول ….(لم يستطع  )  أن يذيب سنوات  القمع  والترهيب ، وأن يسهم في انفراط عقد  التوجس لدى الريفيين إزاء  المخزن.

بعد هذا الملمح من خارطة التصالح الرسمي، بين القصر والريف، عبر تدعيك الحساسيات ” البسيكو إجتماعية “، أي بعد توالي الزيارات الملكية، و إطلاق بعض المشاريع التي قيل أنها تنموية، هلل لها المهللون، بالتمر والحليب، وراء ممثل للملك إسمه ” محمد مهيدية “، وقد أبدى من الغيرة ما لم تستطعه الأوائل ولا حتى ما لم يستطعه أكثر الريفيين إمتلاكا للمنسوب المرتفع من الغيرة على المنطقة، وبعد محطة الزلزال، التي أظهرت ملكا شابا يسوق ” كات كات ” ويطوي منعرجات وأحراش القرى المتباعدة، بعد كل هذا، إستفاقت الساكنة على إنبجاس ” ملوك جدد ” بدورهم يسوقون كاتكاتات، ويجرون في جميع الاتجاهات مثل ثيران الكوريدا، يجمعهم تاكتيك واحد، استراتيجية واحدة، أهداف واحدة، وحزب واحد…

حزب سوف أخضعه لمشارطي الجراحية الحادة، لأنني أعتبره إلى جانب أحزاب و ” ماكينات سياسية ” أخرى، علة الريف التي تطوف حولها العلات الأخرى، ومصيبته التي تأخذ فيه كامل أناقتها الفادحة، والريف بهذا، يبدو موضوعا وجها لوجه امام القتامة والفظاعة…

وهنا لا أجد بالتالي غضاضة في القول بأن تهلهل وتراخي وهشاشة المجتمع المدني، ( من تكتلات أمازيغية ويسارية ، إلخ ) لم تستطع إشاعة ” مضادات حيوية “، ضد ” الشيطنة الانتخابية “، من شراء للذمم و إغداق للدعم الوفير لفائدة هذا وتسوية وضعية ذاك،…،أضف الى ذلك ” الكارط بلانش ” التي يحملها مؤسس الحزب وهو نفسه الصديق الأكثر حضورا الى جانب الملك من بين أصدقاءه، وإتخاذه من إلياس العمري المتحدر من الريف، يده اليمنى وقارئ فنجان، هذا الريف الذي كاد ان يحوله كله الى ” محمية بامية ” أي بقعة جغرافية بشرية تابعة لحزب الأصالة والمعاصرة المعروف إختصارا ب : الـــبـــام …

 

( يتبع )…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.