الحرية … لا فوقها ولا تحتها

دامي عمر

ما الذي جرى ؟
في الظروف العادية و خارج مواسم “حسيفة” المقترنة للأسف الشديد بالموسم السياسي الذي يسبب عجاجة كبيرة في فنجان صغير ..قد يحدث أن تجد الشرطة (حتى لا أقول تضبط ) مواطنين مغربيين راشدين يحبان بعضهما في خلوة، فتمر الأمور بسلاسة ودون ضجيج، والحاصل الآن أنه في زمن خطأ ..ومكان خطأ و لسوء حظ قياديين من حركة الاصلاح والتوحيد فإن الشرطة التي تتجاوزها دماميل كثيرة في جسد هذا البلد .ضبطتهما في وضع ما ..فكان ما كان من أمر الزوبعة ..
العجاجة هاته كشفت عورتين اثنتين :
العورة الأولى: فاطمة التي سبق وناقشت أحد دروسها الوعظية الوعيدية مع تلاميذي واللذين لاحظوا أن أسلوبها جارح لاتربوي، و تعابيرها حادة ومتحاملة على المرأة التي تعتبرها مسؤولة عن التحرش ألف في المائة والرجل مسكين و بَضعة و مفعول به. فاطمة هاته امرأة راشدة سياسيا وفكريا وتعرف أنها وفق القاعدة المنطقية تحاسب على افعالها ب:
أولا القانون المغربي وهو يساوي بينها وبين الرجل، ويعتبرهما على قدر واحد من المسؤولية ..وهذا القانون لا يحمي المغفلين ولا يعرف زواج عرفي و لا زواج متعة ..الزواج زواج بأركان معروفة ومحددة من قبل المشرع المغربي بما ليس فيه لبس.. وهذا القانون طيعا قابل للتعديل متى ضاق حذاؤه على أرجل المواطنين لأنه ليس مقدسا ..وقد قيل لهم تعالوا إلى كلمة سواء بيننا تخص مجموعة من قوانين الحريات الخاصة ( الله يوسعها على الجميع) فثارت ثائرة القوم و ارعدوا وأزبدوا وقالوا بل نقص من الحذاء بعد ..إنا بريئون مما تفترون . وغلقوا أبواب الاجتهاد و تترسنوا بالحلال والحرام وكأنهم وحدهم المسلمون.
ثانيا فاطمة تعرف أن المرأ يحاسب بقناعاته الشخصية وفهمه الخاص ..وأن منطقها الداخلي المنسجم مع ترهيبها للفتيات والفتيان في دروسها عن العفة و العقاب تقضي بإقامة الحد عليها ..ولا يخفى كم هو صعب إثبات الزنا في الاسلام، إذ يلزم لذلك أربعة شهود يقولون جميعا رأينا ….. وهو أمر يستحيل إثباته تقريبا ..ولكن فاطمة كان لها اجتهاد خاص، وقد جاء في درس من دورسها أن العين زانية بمجرد نظرة … والجوارح زانية ..ومعنى هذا الكلام الكبير تجريم الصغيرة لأنها ترفع عينيها لتنظر في وجه رجل ( أستاذها أو زميلها ) قصد إسقاطه في حبائلها …والأمر لا يحتاج إلى أربعة شهود ولا إلى إيلاج ولا هم يحزنون .. ونحن لم نر عيون فاطمة تنكل بالرجل، ولكننا أمام حالة خلوة صريحة لا غبار عليها. وأنا أتحدث عن فاطمة لا عن عمر لأنه حسب منطقها بريء ومغرر به و مغلوب على أمره.
في النهاية الشباب الذين يتابعون فاطمة، كثيرون وهم أبناؤنا ..أبناؤنا الذين وسط اضطراب العالم بتناقضاته واهتزاز القناعات الفكرية القوية وتعثر المناهج التعليمية وتنازل الاسرة عن دورها التربوي، يبحثون عن قشة يتعلقون بها، عن إيمان ما، عن هوية، وعن قدوة. هؤلاء وجدوا فيها سيدة رغم حميتها المبالغ فيها، تحدثهم عن ما يجب فعله وما لا يجب فعله ..أتساءل هذه المراكب الهشة، الخادعة كم ستغرق في بحر التخبط من الشباب ..ماذا سيحدث لهم حين يكتشفون أن فاطمة نموذج للنفاق وانعدام الصدق والمسؤولية؟، فاطمة وأمثالها ممن ينصبون أنفسهم أولياء ( خفت أن أقول أنبياء)
إذن ماذا ؟ هل نرجم فاطمة؟؟
بالفعل بدأ الرجم منذ انتشار غبار الحادثة، تثيره رياح فيها السياسي و الفضائحي وووو، لكن الذي أثارني أن حجارة الرجم حملتها أيد كانت تحمل لافتات الحريات و الحداثة ومغرب المستقبل وتلك هي العورة الثانية التي تعرت في عجاج الفضيحة.
العورة الثانية: إذا وقعت الواقعة ..و الواقعة عرت زيف المطالبين بالتغيير، المناضلين الأشاوس من أجل مغرب حداثي متنور يرتفع فيه مؤشر السعادة كما في دول متقدمة، مغرب يحسم مع وهم التقليد والجمود، إذ أنه لا يمكن أن نقف في مكان ما لا نراوحه، فنحن إما أن نتقدم أو نزداد تخلفا، فكثير من هؤلاء اليوم يقذفون حجارتهم وكأنهم خرجوا للتو من تحت جبة الظلام لينصبوا أنفسهم مسؤولين عن الصحيح والخطا وقد تجلى ذلك في:
أولا : عوض الانتصار لقيمة الحب و الحرية، لهارمونيا الحياة و الإنسان، عوض التشبث بخط الاختيارات الراسخة لبناء مجتمع متماسك، متنور، واستغلال الفرصة لفتح حوار جاد حول ملف الحريات الشخصية ..انشغل هؤلاء بجمع حجارة الرجم وتأجيج الحقد والكراهية، والنزول بالحوار وأخلاق المثقف إلى الحضيض  فلا الشباب وجد في فاطمة زورق نجاة ولا هو حين تقلب بها موجها، وجد في متنوري هذا البلد بديلا حداثيا متقدما. عوض جوقة المتشفين الذين لا يربون عن بؤس السلوكات الموروثة والتي من مهمتهم التاريخية محاربتها وتحرير آلة التقدم من عوائق التخلف مهما خفيت.
ثانيا : نعرف جميعا أن السياسة تنافس، لكن تنافس الأغبياء شبيه بمعركة العميان ..ونحن سئمنا استغلال الشعب في تأجيج صراعات لا علاقة لها سوى بأرقام الصناديق ومفرغتاها ..(ضعف الطالب والمطلوب ) فحين تغيب البرامج، والاستراتيجيات والأسئلة الكبرى، ونُحشر جميعا بين شفتين متعطشتين للحب المنتصر في معارك خاضتها هاته الشفاه ضده وضد الفن وكل ما هو جميل ..فإن السياسة يصيبها العطب و تصبح غير منسجمة مع خدمة المواطن، الذي آخر همه سيارة الميرسديس وما يحدث في سيارات كثيرة قد يكون ما فيها أخطر من قبلة بين رجل وامرأة ..
ومع ذلك، ووسط هذا السعار الذي يكشف عن حالة مرضية عامة و انفصام متقدم لذا البعض، هناك أصوات ترتفع منتصرة للإنسان وقيمه المقدسة ..للوطن ومصالحه العليا ، للمجتمع وهموم مستضعفيه المتضخمة ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.