الحركة الأمازيغية، ضرورة إعادة التحديد

سبق أن قدم تعريف حول من هي الحركة الأمازيغية؟ وخلص تحديدها فيها يلي: “الحركة الأمازيغية هي مجموعة من الإطارات الجمعوية والمدنية والطلابية وغيرها من  التنظيمات والفعاليات التي تعمل من أجل الدفاع عن الأمازيغية من خلال وعيها العصري، سواء كان هذا الدفاع بشكل فردي أو جماعي، مباشر أو غير مباشر” من خلال هذا التعريف نستشف أن كل من يقول أنني أنضال وأدافع عن الأمازيغية فهو ينتمي بالضرورة إلى الحركة الأمازيغية.

فهذا التحديد للحركة الأمازيغية أصبح يطرح إشكالية كبرى التي تتمثل بالأساس في جمعها، وعدم نفيها كل الأعداء الانتهازيين الذين كانوا إلى عهد قريب ألذ أعداء الأمازيغ والأمازيغية، والذين قدموا كل ما في جهدهم وإيمانهم للقضاء عليها، ثم أصبحوا اليوم بقدرة قادر يوهمون الناس أنهم يدافعون عنها، أما هم في الحقيقة يستعملونها لغايات غير نبيلة وغير شريفة، بل لأهداف سياسوية بغيضة، فهؤلاء حتى هم لا يستثنيهم هذا التعريف الذي قدم للحركة الأمازيغية، ولا يفرق بين المناضل الشريف، والمستغل الانتهازي والوصولي، الذي يتخذ الأمازيغية فرسا للسباق نحو الفوز بمصالحه السياسية الضيقة.

كما أن هذا التعريف لا يستثني الإطارات المخزنية التي “أسسها المخزن من أجل النهوض عن الأمازيغة” مثل (المعهد الملكي الاستشاري للثقافة الأمازيغة)، ولا يستثني الجمعيات والإطارات الحزبية التي يقال أنها “أسست من أجل النهوض بالأمازيغية”، وهكذا حتى وإن كان هذا “النهوض بالأمازيغية” و”الدفاع عنها” بفهم عروبي مخزني أو بفهم إسلاموي استئصالي، المهم أن تتوفر فيه “النهوض بالأمازيغية والدفاع عنها” أما بأي طرق ووسائل؟ وبأي خطاب؟ وبأي فهم؟ لا يهم حسب نظرتهم للأمازيغية، وهذا هو المشكل أن لم أقل الاختلاف الموجود بين الفهمين، الفهم الأمازيغي المستقل للقضية والفهم المخزني العروبي الحزبي الإسلاموي لها.

لهذا سنحاول من خلال هذه المقالة تحديد الحركة الأمازيغة من خلال جوهرها وروحها الحقيقة ومن خلال هدفها الذي أسست من أجله، إن لم أقل الذي برزت من أجله كحركة سياسية آخذت من مبدأ تحرر الشعب الأمازيغي من قبضة العروبية وخطابها الاستئصالي شعارها لها، كما سنحددها من الخلال مواقفها التاريخية التي أعطتها في سيرورتها وديناميتها ومن خلال مطالبها أن لم أقل حقوقها الديمقراطية العادلة والمشروعة.

إذا علمنا أن أي حركة مجتمعية سياسية تظهر أو تبرز من داخل مجتمع ما تكون دائما نتيجة وجود أزمة معينة، قد تكون هذه الأزمة سياسية وقد تكون ثقافية أو تاريخية أو هوياتية وقد تكون حتى أزمة عسكرية، وهكذا تظهر هذه الحركة إلى المجتمع من أجل تجاوز تلك الأزمة التي كانت السبب في بروزها، وتسعى من خلال خطابها وأليات عملها للوصول إلى الهدف الذي تنشده، فالحركة الأمازيغة نفسها لا يخرج فهمها عن هذا التحديد، فظهورها من داخل المجتمع المغربي لم يكن نتيجة الصدفة، بل ظهرت نتيجة وجود أزمة سياسية ثقافية تتجلى في الاستلاب الفكري والثقافي واللغوي والهوياتي الذي تمارسه الدولة العروبية في المغرب وشمال افريقيا كلها على الشعب الأمازيغي متخذتا هذه الدول شعار “العروبة والإسلام” إيديولوجية لها في الحكم. وهكذا ظهرت الحركة الأمازيغة من أجل إعادة الاعتبار لإنسان الأمازيغي عن طريق تحرير هذا الإنسان من كل أشكال الاستلاب والأنساق الثقافية التي تريد أن تجعل من الأمازيغ إنسانا ذا شخصية وهمية غير شخصيته الحقيقية، إذن فمبدأ التحرر هو جوهر الحركة الأمازيغية وهدفها الأسمى، وأي عمل سياسي، ثقافي، تنظيمي يجب أن يأطره الفهم التحرري للشعب الأمازيغي، وأي عمل يخرج عن هذا السياق لا يكمن له أن ينتمي إلى روح الحركة الأمازيغية وجوهرها، وهكذا كل من يستعمل اليوم الأمازيغية لتمرير أيديولوجيته وعروبته الاستئصالية لا يمكن له أبدا أن ينتمي لهذه الحركة التحررية، بالإضافة إلى المبادئ الأخرى التي تتبناها الحركة الأمازيغية مثل الديمقراطية، العلمانية، العقلانية، الحداثة، المواطنة وغيرها.

كما أن الحركة التي نحن بصدد الحديث عنها تمتلك مواقف سياسية وعبرت عن هذه المواقف في لقاءاتها وبياناتها وأوراقها ومن داخل تنظيماتها المستقلة، ومن بين هذه المواقف، موقفها من المخزن وطبيعة السلطة التي تفتقد إلى الشرعية الديمقراطية والمشروعية للممارسة الحكم، الشرعية التي بنتها عن النسب والعرق واستغلال الدين، وعن طريق إقصاء كل ما هو وطني حقيقي، وعلى تزوير الفادح للتاريخ، وبالتالي أي عمل باسم الأمازيغة يغيب فيه هذه المواقف لا يمكن أن ينتمي إلى الحركة الأمازيغية، ما دامت هذه الأخيرة تمتلك خطاب ومبادئ ومواقف وفهم سياسي يأطرها.

نفس الشيء إذا علمنا أن الحركة الأمازيغية تمتلك موفقا سياسيا من الدستور، وذلك باعتباره دستورا ممنوحا لا شعبيا وغير ديمقراطي لا من حيث طريقة صياغته ولا من حيث مضمونه، ولهذا تقاطعه ولا يمكن أن تعمل من داخله ما دام تغيب فيه فصل السلط، والتداول السلمي على السلطة وما زالت السلطة من داخل هذا الدستور ترتكز فيه يد واحد لا تحاسب وتعتبر نفسها فوق القانون، لهذا طالبت ومازالت تتشبث الحركة الأمازيغية بالدستور الديمقراطي شكلا ومضمونا يقر بالهوية الحقيقية الأمازيغية للمغرب، كدولة مدنية علمانية، فيدرالية تستمد تشريعاتها من المواثيق الكونية والأخذ بعين الاعتبار القيم الإيجابية من الأعراف الضاربة في التاريخ، هكذا فمن يطبل ويهلل لدستور المخزني الممنوح لا يمكن أن ينتمي إلى الحركة الأمازيغية ما دام أنه إخطار العمل من داخل النسق المخزني ومن داخل الترسانية القانونية المتخلفة تكرس لدولة الأشخاص والرعايا والمؤمنين بدل دولة المواطنة والمواطنين.

كما أن الحركة الأمازيغية تمتلك موقف من “الأحزاب” باعتبارها دكاكين سياسية لا تخدم إلى مصالحها السياسية، ولم تقدم شيء للوطن وأبناءه ما عدى حماية الاستبداد والفساد السياسي والمالي والإداري، وأكثر من ذلك أكثر هذه “الأحزاب” شرعيتها بنيت على إقصاء كل ما هو وطني (أحزاب الحركة الوطنية) وعدائها واضح للوطنيين الحقيقيين، وطامة الكبرى أنها أحزاب عروبية وكلها مسجلة ضمن لائحة “الأحزاب العربية”، أظف إلى ذلك أن الترسانة القانونية التي يشتغلون من داخلها لا تخولهم أس سلطة لممارسة “الممارسة الحزبية” بالفهم الحقيقي.

إذن من خلال هذه المبادئ والمواقف والحقوق التي أسست عليهم/ومن أجلها الحركة الأمازيغية يكمن لنا أن نصل إلى إعادة تحديد الحركة الأمازيغية من تكون؟ وكيف تشتغل؟ ووقف أي فهم وأي خطاب؟ وما هدفها؟

نخلص إلى أن الحركة الأمازيغية هي تلك التنظيمات المدنية، السياسية، الثقافية، والطلابية، وكل الفعاليات السياسية والحقوقية… المستقلة من النظام المخزني وكل م يدور في فلك، والمنسجمة مع مواقف الحركة الأمازيغية التاريخية والعاملة من أجل حقوقها المشروعة، وإلى أهدافها التحررية التي تسعي إليها هذه الحركة، وذلك من خلال وعيها العصري متسلحة بالخطاب والفهم الأمازيغي المنسجم مع الذات والهوية الأمازيغية، بدل الفهم العروبي الاستئصالي الاستلابين. وبالتالي أي عمل أمازيغي فكري سياسي تنظيمي يجب أن ينسجم والمبدأ التحرري للشعب الأمازيغي ومواقف الحركة الأمازيغية وإرثها الفكري والسياسي.

وفي الأخير نؤكد على أنه لا يكفي أن تقول أنني أدافع عن الأمازيغية حتى تنتمي للحركة الأمازيغية، بل هذه الأخيرة لها فهم للأمازيغية وخطاب سياسي يأخذ الأمازيغية في شموليتها دون تجزيئ ولا تشويه ولا تشتيت، وبعيدا عن فكلرة (من الفولكلور) الأمازيغية أو اتخاذها كإشكالية لغوية تستدعي تقديم لها الحل وفق ما هو موجود، ووفق إيديولوجية العروبة والإسلام كما تذهب الدولة المخزنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.