الحراك يدق أبواب الريف العميق: البادية

جمال الكتابي

عندما شاهدت الهجوم الذي شنته جماعات البلطجية وقائدا بني بوفراح وبني جميل في حق التظاهرة السلمية التي نظمتها تنسيقية لجان الحراك الشعبي (تارجيست والنواحي) في أيت بوفراح، تذكرت الباحث والأستاذ الجامعي السيد ‘ريمي لوفو’، الذي أصدر قبل 32 سنة كتابا قيما تحت عنوان “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”. قلت في قرارة نفسي ماذا تبقى من هذا الفلاح الذي ‘دافع’ عن العرش بعد كل هذا الرفس والعنف الذي تعرض له وبالخصوص أن تلك المنطقة بالذات نالت حيزا هاما ضمن كتاب ‘ريمي لوبو’.

فمن بين ما أكد عليه ‘ريمي لوبو’ في كتابه هو أن القصر أو المخزن اعتبر البادية المغربية منذ “الاستقلال’ حديقة خلفية له. لذا حاول أن يضع النخبة الحضرية خارج شؤون البادية، بل خاض صراعا دمويا ضد النخبة اليسارية والإصلاحية حتى لا تتسرب إلى البادية بعد تصفية كل مقومات هذه البادية في الدفاع الذاتي الذي تمثل آنذاك في جيش التحرير.

المخزن سلم البادية للأعيان والقواد منذ ‘الاستقلال’ إلى اليوم وذلك حتى يحافظ على مكانتها ضمن النسق السياسي، رغم أن الأعيان أخذوا عدة أشكال لكن هدفهم بقي واحدا، وهو التحكم في مصير البادية. المخزن أراد دائما أن تبقى هذه المناطق خارج المشاركة والفعل النضالي والمدني. أرادها فقط أصواتا في الانتخابات المزورة التي تقودها الأحزاب المتحالفة مع السلطة باستعمال أموال العشبة الخضراء (بالنسبة للشمال). فضلا عن أن البادية شكلت مصدر العنصر البشري لبناء أجهزة الأمن والجيش.

إذا كانت حركة 20 فبراير المناضلة قد استطاعت أن تمتد في المدن الكبرى أساسا، فالحراك الشعبي يتوسع شيئا فشيئا ويتمدد إلى عمق البوادي وداخلها ، وهذا ما جعل السلطة تفقد أعصابها لتضع البادية الجدار أو الخط الأول في مواجهة الحراك الشعبي بالريف.

إن توسع الحراك وتوغله عميقا في مختلف مداشر وبوادي الريف ( تماسينت، بورد، ثروكود، أولاد عمر، أيت فاوين، منوذ، الرواضي، أيت قمرة، باينتي، شبذان، اجرماواس، تارجيست، أيت يطفت، قاسيطة، بني جميل وبني بوفراح، أيت حذيفة وأيت عبد الله، ثارا يوسف واللائحة طويلة…)، وبناء لجان الحراك الشعبي موحدة خارج تسلط أو تأثير نخب السلطة، شكلا مصدر إزعاج كبير للسلطة وأعوانها. لذا فهذه المعارك التي تخوضها السلطة في البادية من بينها الهجوم على التظاهرة السلمية في أيت بوفراح، تبقى في الأخير معارك انتحارية وخاسرة لأن الأعيان والنخبة المخزنية في البادية لم يعد لها موقع قوي حتى تحسم هذه المعارك المفتعلة، رغم الترميم التي تقوم بها بعض الأحزاب في تحالفها مع السلطة المحلية (توقيع بلاغ مشترك مع الوالي).

قبل سنوات كانت السلطة والأعيان يتحكمون مباشرة في رسم خريطة البادية سياسيا وتمثيليا ولو تطلب ذلك ممارسة العنف والتهديد ضد المعارضين.

في هذا الإطار أود أن أستشهد بمثال حول سياسة الترويض والتهديد التي مارستها السلطة في حق المناضلين ‘لحماية’ البادية، من بينهم المناضل الراحل ‘قوبع عبد القادر’ الذي أراد أن يترشح في جماعة أيت عبد الله التابعة لإقليم الحسيمة في الانتخابات الجماعية لسنة 1983 ضمن لائحة إ.ش.ق.ش. ونظرا للشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها وبالتالي إمكانية فوزه، قامت هذه النخبة الفاسدة (الأحرار، ح.ش و ح.ل) بتحالف مع السلطة (رئيس الدائرة) باستدعائه إلى أجدير لحثه على التنازل عن ترشيحه أو إيداعه السجن، لقد هددوه بتحريك مسطرة قضائية ضده بارتباط مع غرامة مالية قديمة. اختار السي عبد القادر سحب ترشيحه عند رئيس الدائرة بحضور ممثلين عن بعض أحزاب الفساد. كما قدم لاحقا استقالته من حزبه بعد اكتشافه أن قيادته المحلية كانت متورطة في العملية. السي عبد القادر طرد مباشرة من وظيفته كموظف في البريد مما دفعه إلى الرحيل مع زوجته الحامل وابنه البكر الدريدي، ليستقروا في خربة في نواحي طنجة حيث توفي سنة 1987 وهناك دفن في تلك الخربة. قبل وفاته بالحكرة كان يمارس حرفا بسيطة في شوارع طنجة حتى يعيل عائلته (قصة هذا المناضل ستنشر ذات يوم كاملة في تحقيق شامل). السي عبد القادر والأستاذ طحطاح محمد والأستاذ أخريف والأستاذ الشعرة كانوا ضمن النخبة الاتحادية الريفية/الشمالية التي تم معاقبتها أشد العقاب (الطرد، السجن، الانتقال التعسفي). إن مسلسل القمع والترويض شمل مناضلين آخرين من طبيعة الحال. فقط أريد هنا أن أبين أن السلطة والأعيان حاربوا كل من كان يحمل فكرا متنورا أو إصلاحيا في البادية ولو كان ينتمي لحزب سياسي.

الوضع كما يبدو مازال على ماهو عليه رغم الكلام عن العهد الجديد ورغم تجربة الإنصاف والمصالحة التي قيل عنها أن من بين أهدافها هو القطع مع ماضي الانتهاكات. مما أعطى إشارة سلبية للمواطنين والأعيان بأن هذا المسلسل لم يكن جادا.

من شاهد منكم أحد الأفلام الصينية المسمى (إن لم تخني الذاكرة) “الامبراطور الأخير’ سيفهم جيدا لماذا تتشبث النخبة المخزنية الحالية بالبصرية (نسبة إلى إدريس البصري) كطريقة في مواجهة الخصوم من بينها خلق وتجنيد البلطجية في مواجهة المعارضين:

الفيلم هذا يعالج ظاهرة العبودية وكيفية التخلص منها. فبعد انتصار الثورة التي شهدتها الصين بقيادة ‘ماو’ سيعتقل الامبراطور الصيني ليودع السجن. داخل السجن سيلتقي الامبراطور مع سجين لم يعش الثورة وراح يقدم الخدمات (غسل الملابس مثلا) للامبراطور دون أن يطلبها أحد منه. لقد نبهته إدارة السجن والامبراطور نفسه على أنه لم يعد امبراطورا بل أصبح سجينا عاديا مثله، ولهذا لا يجب أن يقدم له خدمات داخل السجن، لكن هذا السجين لم يقتنع بذلك، بل أصر على الاستمرار في تقديم الخدمات لسيده. والسبب في هذا يعود إلى أن السجين لم يعش الثورة بل كان أثناء اشتعالها في السجن ولم يتم تحريره حتى يعيشها. ،،،،،

مثل السجين هذا مثل بعض المسؤولين أو المنتخبين الذين مازالوا يتبولون في سراويلهم ما أن يسمعوا أن الوالي يناديهم إلى العمالة ، لأن من شروط ” البصرية/المخزن ” أن لا تسأل عن موضوع الاجتماع وأن تؤدي دورك في تمام الولاء وتلبي نداءات ممثلي السلطات العليا دون تردد.

إن هذا بالضبط ما جعل الممثيلين المنتخبين يوقعون عريضة ضد الحراك، والقياد يحركون بلطجيتهم دفاعا عن حصونهم والقلاع التقليدية للمخزن، غير مدركين أن الحراك بتوجهه وتوغله في عمق مداشر الريف العميق، قد خلط لهم الأوراق وأفسد عليم كل المعادلات التي وظفها المخزن لصالحه منذ 1956 أو قبل.

خلاصة: عندما قلنا أن الحراك يتمدد في البادية والبلدات الصغيرة فالأمر ليس له علاقة بما هو إديولوجي أو شيء من هذا القبيل في نظري بل المسألة لها علاقة بتفاقم المشاكل والظلم الذي يعيشه الفلاح الصغير في غياب أي دعم أوحماية من طرف الدولة. أضف إلى ذلك أن شباب الحراك ينظر إليهم بثقة وأمل…
أمستردام 7/5/2017.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.