الحراك وتمثيلية الانتقام

محمد السقفاتي

خاطرة:

واقف عند باب مصلحة الشغل، أتأمل سقوط الثلج وأتفحص التساقطات على الأرض علني أكتشف نجمة ثلج واضحة. استنشق هواءا باردا منعشا وأفكر في القاضي الذي طرح ذلك السؤال المثير للجدل حول مغربية المعتقل.

استغرقت في التفكير طويلا حتى وجدت نفسي أتصور أمام عيني وجه المتهم واقفا أمام قاضي هولندي.. في محكمة هولندية (..):

– سيدي المحدالي.. هل انت هولندي؟

– وماهذا الهراء سيدي القاضي؟ كيف تتجرأ على أن تطرح علي مثل هذا السؤال المستفز لمشاعري والمهين الحاط بكرامتي؟

– هذا عملي سيدي.. انت معتقل، ومتهم بالانفصال، ومصيرك متواجد بين يدي هذه المحكمة، وانا اريد فقط ان اعرف الحقيقة واسمعها على لسانك، لذلك سأعيد طرح السؤال عليك لمرة ثانية .. هل انت مغربي سيدي؟

– نعم سيدي.. انا مغربي

– وهل انت متأكد جدا من جوابك؟

– مطلقا…ولا أدنى شك لي فيه.

– اذن لنستعمل كلماتك. ما هذا الهراء؟ من هذا الغبي الذي ألصق لك هذه التهمة؟ شكرا سيدي على إجابتك الواضحة وعد الى مكانك.. تهمة الانفصال سخيفة.. سنسقطها عنك..

لكن، ليت الامور كانت تسير بهذه البساطة والسهولة.. فاذا كان للقاضي الحق في التحقيق من هوية المتهم الماثل أمامه، فلا يحق له أبدا أن تكون وظيفته منحصرة في كونه الساعد الأيمن للنيابة العامة والشرطة القضائية ويصدر أحكاما إنتقامية نيابة عنهما.. القاضي ينتقم من المواطن البريء البسيط وينزه الشرطي، لكن من سينزه القاضي هذه المرة؟

لمّا اتُّهِم شباب الحراك بالانفصال من طرف الأحزاب، كان الرد ( على التهمة ) مسيرة 18 ماي 2017 الموحدة.. فرغم نجاحها والإبداع الراقي الذي رافقها وزين مسيرها، فإنها كانت حسب الكثيرين من أكبر الأخطاء التي وقع الحراك فيها. مسيرة 18 ماي التي نجحت في المسير لكنها أخفقت في المسار.

التهمة كانت مصيدة ومعدة سلفا وفق منطق مخزني رآى في الحراك وفي تشبثه الشديد بالرموز التايخية المقاومة قتنة وفعل تمرد يجب التعامل معه بالعقاب الشديد حد الإخضاع والإهانة والإذلال.

– انتم انفصاليون

– لا يا سيدي .. نحن مغاربة.. نحن مغاربة.. نحن مغاربة

– ها أنتم تعودون إلى الصواب.. والآن آن الحساب والعقاب.. عذبوهم حاسبوهم.. اسجنوهم عاقبوهم.. ذللوهم ولقنوهم الدروس.. والحاضر الشاهد منكم يحكيها للغائب.. كي يشهد هو أيضا.

لم يشفع شباب الحراك مشروعية خروجهم المجمع عليه، لم يشفع لهم حتى سقف المطالب الذي صر النشطاء أن يبقى بسيطا اجتماعيا واقتصاديا وحقوقيا.

رغم ان الكثيرين تراجعوا عن اتهامهم واعتذروا، لكن النيابة العامة في صورة تمثيلية للمخزن لم تتراجع أبدا وهاهم الشباب يحاكمون بالتهمة ذاتها. الإنفصال تهمة سخيفة. أن تكون ريفيا لا يعني أنك لن تشكل جزءا من كل أكبر يمضي بعيدا عن الميولات السياسية والألوان الاديولوجية: المغربي، ثم الشمال الافريقي، ثم الافريقي، العالمي، الكوني الانساني.

– هل أنت مغربي؟ لم يكن الجواب هذه المرة كما جواب مسيرة 18 ماي، بل كان ذكيا في صورة الإحتجاج.. وذلك بالضبط ما كان عليه أن يحدث يوم 18. كان الأجدر والأنسب للحظة ان يكون الجواب:

نحن ريفيون. والريف هو عمق المغرب.. هو المقاومة، هو التشبث بالوطنية، هو الدفاع بسخاء دون بخل بالدماء عن أي شبر شبر من هذا الوطن. الريف هو لب المغرب.. المغرب .. أو الريف الذي ضحى في سبيله أجدادنا وها نحن الآن على دربهم سائرون، ثم سنواصل المسيرة.. سنرفع فيها راية المقاومة، صورة زعيم المقاومة، صورة المجاهدين الآخرين ورجالات المقاومة من الريف، من الأطلس من الجنوب، ومن الغرب والشرق، ونرفع أيضا بكثرة صور شهدائنا الذين سقطوا طامحين في وطن أجمل.. كانت تهمة الانفصال ربما ستسقط.. والحراك ربما سيمتد والمطالب قد تلبى ولو دون قول : أنا لست انفصالي.. أنا مغربي.

– التنظيم.. كان أفضل للحراك أن يكون هناك تنظيم

– تقصد أن تكون التهمة جاهزة؟

– أقصد المسؤولية والنتيجة.. للتنظيم ثمنه أيضا، لكن لن يكون في مستوى ما نؤديه الآن. كم عندنا من معتقل؟ كم سنة وزعت في المحاكم؟

عشرون سنة نافذة لقاصرين. عشرون سنة لكل واحد منهما. وعشرون شهر نافذة لمحامي مؤازر.. وقرون للسابقين، والمدينة التي صارت مدينة الأشباح والعسكر.. مدينتي: إنه الاختناق.. ركود إقصادي يحاكم النشطاء القابعون في السجون عليه والسلطة لا تقوم بشيء يذكر من استنهاض.. إنما فقط تتلذذ بينما القضاة والشرطة يلبون بسخاء رغبة الانتقام بالتلذذ وفي تلذذ.

واقف عند باب مصلحة الشغل، استنشق هواءا باردا منعشا. لولا هذا المشرد الذي أتى إلي يطلب مني أن أسدي خدمة له لقضاء حاجته الملحة لغرقت في تفكير طويل. تبعني عبر ممرات البناية إلى ان أوصلته الى مرحاض. وأنا أنتظر خروجه أسقطت هذه الواقعة على بلدي.. متشرد يقصد مصلحة دولة لاستغلال المرحاض فيها.. ماذا ستكون النتيجة؟ قد يطرد.. قد يعنف.. قد يعتقل ويحاكم بتهمة الخراء على مصلحة الدولة أو الاستخفاف بهبتها..

على أية حال ستتلذذ السلطة، ونحن كي لا نتوجع أكثر مما نفعل.. سنتفرج… ونقول: تمثيلية في غاية الجودة… فرجة ممتعة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.