الحراك الشعبي بالريف لهيب سينبعث من تحت الرماد

عبد الرحيم الغلبزوري

منذ بداية الحراك الشعبي مباشرة بعد استشهاد محسن فكري، استطاع المعتقل السياسي ناصر الزفزافي أن يفرض نفسه كرمز للحراك الشعبي، بخطابه الجماهيري الذي يجذب كل الفئات العمرية، بالإضافة إلى مضمونه الديني و القومي، هذا ما جعله يبني قاعدة جماهيرية واسعة ستبهر العالم برقي أشكالها النضالية، الأشكال النضالية التي جعلت الدولة المغربية تتخبط خبطة عشواء بداية بلبلوكاج الحكومي، مرورا بلجوء الدولة إلى سياسة الحوار عبر أحزابها الرجعية، ليكون الرد قاسيا من ناصر الزفزافي برفضه القاطع الجلوس إلى طاولة الحوار مع هذه الأحزاب الرجعية التي وصفها بالدكاكين السياسية، لم تستسلم الدولة المغربية لمطالب الجماهير الشعبية العادلة و المشروعة، بل واصلت في سياساتها الحربائية الميكيافيلية المعهودة عبر تطبيق القاعدة الصهيوإمبريالية “فرق تسود” حيث نجح نسبيا لولا الرد القوي من لجنة الحراك الشعبي بتماسينت التي قامت بمسيرة على الأقدام لأزيد من 30 كلم لتكسر كل أوهام النظام و ترمي بها عرض الحائط، و تؤكد أن الريف لحمة واحدة، و أنه من السذاجة محاولة تفريق الريفين فالتاريخ كفيل بلم شملهم بعد أي شتات….

ناصر الزفزافي وجه الحراك الشعبي أو كما يصفه الكثيرون “أمغار ناريف”، لن أقف عند ما قدمه للحراك الشعبي، فلن تكفي الكتب و المجلدات لذكر ما قدم و ما بالك بمقال صغير كهذا الذي أكتب، سأتوقف عند أبرز أخطائه :

– تمسكه بصراعات هامشية و إعطائها أهمية كبيرة ما جعله يكسب أعداء شرسين في حين أن المرحلة كانت لتوحيد الصفوف و تشكيل جبهة موحدة للتصدي لكل مخططات النظام الطبقية، بوعلي نسواني نموذجا الذي سينتقل الصراع من صراع شخصي إلى صراع مع حزب النهج الديمقراطي الذي تهور و قام بردود أفعال صبيانية بعد هجوم ناصر الزفزافي على شخص بوعالي نسواني عبر اللايف، هذا ما سيجعل ناصر المناضل الغيور المفتقر للتجربة النضالية و لرصيد سياسي من شأنه إنارة دربه النضالي التهجم على الحزب و إدخاله في خانة الدكاكين السياسية…

– خطابه القومي الذي سقط في فخ الشوفينية عبر مصطلحات كان عليه تجنبها (النظام لعروبي، النظام العربوشي، شعب الريف…)، بهذه المصطلحات أفقد الحراك الشعبي طبيعته الأممية و بالتالي خندقته في بقعة جغرافية سيسهل على النظام احتواءها، ناهيك عن التظامن الوطني الذي قل تدريجيا مع تكرار مثل هكذا مصطلحات مستفزة…

– رفض التنظيم و مهاجمة كل من يدعوا إليه بدون تقديم أي مبررات لرفضه، و عدم تقديمه البديل و الذريعة الوحيدة وراء رفضه إياه هي عبارة “لا نخاف التنظيم و إنما نخاف من يدعوا إليه”، هذا ما جعل الريف فوضويا بعد اعتقال ناصر الزفزافي و قد يبدو جليا للجميع بأن ما يحدث اليوم من اعتقالات و اختطافات مع أي شكل نضالي لراجع إلى غياب التنظيم …

– هجومه المستمر على لجنة الحراك الشعبي بتماسينت بشكل خاص و على اليسار الجذري الذي قدم من التضحيات الشيء الكثير و كفى بالشهيد كمال الحساني مثالا على حجم تضحيات اليسار بالريف الأحمر، هجوم أبدا ما كان بريء ليس من جهته و إنما من عند من وضع ثقته بهم من مكبوتين مشبعين حتى التخمة بعقد نفسية و حقد دفين لرفاق الشهيد كمال الحساني، حيث أن ناصر الزفزافي في هجوم له على اليسار ردد عبارة “مواجهة ما يمكن مواجهته في أفق المواجهة الشاملة” و هو شعار لأحد الفصائل اليسارية بالجامعة (البرنامج المرحلي)، و لا وجود لهم مطلقا في الريف، لنتأكد بأن المرضى النفسيين يعملون جاهدا من أجل تصفية حساباتهم الجامعية الضيقة عبر استغلالهم لناصر الزفزافي الذي سرعان ما سيتدارك الأمر و يفهم ألاعيبهم القذرة ليضرب طموحاتهم عرض الحائط…

– مشكلة ناصر الزفزافي أنه بريء نعم بريء و واضح في كل شيء، لا يعرف أن ليس في السياسة غير الخبث، فإن كنت منحازا لمعادلة الجماهير و تناضل إلى جانبها فعلى سياستك التي تمارسها على النظام أن تكون خبيثة ماكرة و أن تكون صادقا مع الجماهير الكادحة، عليك و قبل أي خطوة أن تفكرة بالطريقة التي يفكر بها النظام و أن تنظر لخطوتك النضالية بأعين النظام، فإن كنت ترى بأن راية الجمهورية الريفية هي راية الأجداد و لا علاقة لها بالسياسة فالنظام يرى بأنها حجة لشرعنة تدخله القمعي ضد “الإنفصاليين” كما اتهمنا رئيس المحكومة الفاقدة للشرعية العثماني، إن عدم إعطاء ناصر الزفزافي موقفا واضحا من رفع الأعلام و تهجمه على لجنة الحراك الشعبي بتماسينت لعدم رفعها الأعلام و وصفها مع اليسار بالخزوماشوقية لتمهيد للتدخل القمعي الهمجي الذي طال ريفنا الحبيب…

– الهجوم على الجامعة و الطلبة كان ظلما من ناصر لهذه الفئة الأكثر تضحية منذ بداية الحراك الشعبي…

رغم الأخطاء التي ارتكبها ناصر الزفزافي إلى أن في مقابل ما قدمه للريف يجعلنا نخجل من ذكر أخطائه، و إنما ذكرنا لهذه الأخطاء كان لغاية نبيلة و هي عدم تكرارها و العمل على تجاوزها و رسم الأفاق العلمية و السليمة للحراك الشعبي …

الحراك الشعبي الذي أصر ناصر الزفزافي و كل النشطاء بأن سقف مطالبه لا يتجاوز حدود المطالبة بأبسط شروط العيش الكريم”الجامعة،المستشفى، العمل…”قد حرف عن مساره برفع شعارات سياسية مرتبطة بموجة (الربيع/الخريف العربي) كشعار “الموت و لا المذلة”، و أداء القسم الذي برز لأول مرة عند جبهة النصرة المعادية لنظام بشار الأسد و المصنفة في لائحة التنظيمات الإرهابية، و كذلك شعار “جينا و حتجينا من بيوتنا …” الذي برز كذلك في الثورة السورية المطالبة بإسقاط النظام، و حتى على مستوى الشكل فإن “الحرك الشعبي” مفهوم مرتبط بالشرق الأوسط إرتباطا سياسيا، لذلك كان على نشطاء الحراك الشعبي أن ينتبهوا لمثل هكذا أمور التي استغلها النظام في شرعنة تدخله القمعي الهمجي و في تعامله الدموي مع محتجين عزل، لا سلاح لهم غير حناجرهم التي تصدح بالحرية…

إني لا أذكر هذا إلا غيرة مني على هذا الوطن الجريح الذي لا يزيده تهورنا إلا جراحا …

بعد أن فشل النظام في إخماد لهيب الحراك الشعبي بأساليبه الديبلوماسية المعهودة، لجأ إلى المقارابات القمعية، ليكشف مرة أخرى عن وجهه الدموي و ليحيي الذاكرة الجماعية المؤلمة للريف الأحمر، لقد أعاد سنوات الجمر و الرصاص، سنوات ابتلعت السماء أمطارها، و سال على تراب الريف الطاهر دماء أجدادنا الأحرار…

محطة 20 يوليوز التاريخية التي خلفت وراءها شهيدين (عماد العتابي،عبد الحفيض حداد) و عشرات المعتقلين السياسيين، لنا منها دروس و عبر للتاريخ، ملحمة 20 يوليوز أثبتت أن بدون تنظيم كل نضالات الريف تدور في حلقة مفرغة نسقط في البرينشتاينية (الحركة كل شيء و الهدف لا شيء)، لذلك فكل الأشكال النضالية التي جاءت بعد اعتقال ناصر الزفزافي تثبت و تؤكد على أن غايتنا أبدا لن نصل إليها بالكيفية نفسها التي نسير بها الآن، و إن كان لأحد بديل من غير التظيم فليتفضل به، أعلم جيدا أن لن يقدم أي أحد بديلا علميا عن التظيم و أعلم أن من يعادي التنظيم لا يعرف فحواه و محتواه و إنما يعاديه لترسبات نفسية على الجميع تجاوزها ….

إن كان الحراك الشعبي لحد الآن باق و مستمر فالفضل يعود لصمود الجماهير الشعبية و خاصة إمزورن صمام أمان الحراك الشعبي… لو نجح النظام في إخماد لهيب الجماهير الشعبية بإمزورن، ستكون تماسينت مباشرة تحت فوهة مدفع النظام و لن تستطيع الصمود بدون حليفتها الموضوعية “إمزورن”…

الحراك الشعبي بالريف هو حراك كل الريفيين لكن و إن تحدثنا بلغة الميدان فإننا و بالضرورة سنلاحض أن كل منطقة على حدة تشهد مدا و جزرا نضاليا حسب الشروط الذاتية و الموضوعية، قبل اعتقال ناصر الزفزافي كانت الحسيمة تشهد مدا جماهيريا رهيبا و مباشرة بعد اعتقال أبرز النشطاء و نجاح النظام في نشر فيروس التخوين بدأت الحسيمة تشهد جزرا نضاليا لم تنجح بعد في تصحيح مسارها و توجيه نضالاتها نحو الدرب الصحيح، هذا ما يستوجب و بالضرورة على نشطاء الحسيمة أن يقفوا جميعا وقفة تأمل و تبصر في أخطاء الماضي و كيفية تجاوزها في المستقبل، على نشطاء الحسيمة أن يقفوا وقفة رجل واحد و أن يرموا بالتخوين جانبا، فالميدان و ممارسة الفعل النضالي كفيلان لإبراز الخونة بشكل واضح أمام أعين الجماهير الشعبية…

كثير من المناضلين يطرحون سؤال “ما العمل”؟  العمل هو تصحيح أخطاء الماضي و تشكيل جبهة موحدة في الريف ككل، عبر تشكيل لجان شعبية في مختلف مواقع الصمود وفق منظومة العمل السري تزامنا مع ابتكار أشكال نضالية لا تستنزف قوة الجماهير الشعبية و لا تقدم المزيد من المعتقلين على طبق من ذهب للنظام الطبقي، تشكيل لجان في مختلف المواقع و التنسيق بينهما بشكل سري و تقوية الذات و محاولة تهييء الشروط الذاتية و الموضوعية للخروج من حيز السرية …

إن بقاء الحراك الشعبي أمر حتمي، فالحراك الشعبي أو الإجتماعي هو شكل اتخذته حركة التحرر الوطني، و الذاكرة الجماعية للريف كفيلة بأن تفجر قنابل عنقودية من رحم معاناة الجماهير الشعبية، و على النظام أن يعترف بما تؤمن به الجماهير فإن الحراك الشعبي لهيب سينبعث من تحت الرماد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.