الحراك الاجتماعي بالمغرب، حين تكون الحركات الثقافية والفنية جزءا من المقاومة

سنحاول من خلال موضوع المقال البحث عن التعبيرات الفنية التي واكبت الحراك الاجتماعي في نسخته المغربية، والتي خرجت بشكل مباشر من رحم حركة العشرين من فبراير الاحتجاجية أو التي واكبتها طيلة الثلاث سنوات الأخيرة. ولأننا إزاء موضوع ثقافي ذو أبعاد سياسية، سنسعى من خلال مقالنا إلى ربط لحظة الانفجار السياسي والاجتماعي الكبير بالمقاومة الثقافية والفنية التي رافقته أو ظهرت من رحمه.

إننا إزاء البحث عن قصص طاقات شابة برزت خلال مرحلة الربيع ولعلعت تعبيراتها في سماء أدب وفن الحراك في صيغته المغربية، كما لعبت دورا كبيرا في تحويل المطالب السياسية إلى صيغ فنية ربما قل نظيرها خلال السنوات ’’العجاف’’ التي عرفت فتورا وعزلة عن الساسة والفن من طرف شباب المغرب كما في الأقطار الأخرى.

الحراك الاجتماعي، ثورة الشباب.. وثورة الفن أيضا..

عادة ما يواكب الفن بكل أنواعه ثورات الشعوب التي تنتفض ضد أنظمتها السياسية. لكن المسار الجديد الذي بدأ مع ثورة الياسمين بتونس هيأ المناخ لبروز معادلة جديدة في مسار ثقافة المقاومة، كان فيها الإبداع الشبابي المفتاح الرئيسي لاستمرار الحراك الاجتماعي. أنجبت اللحظة الثورية في تونس بعض الطاقات الشابة التي نجحت إلى حد بعيد في ترجمة معاني الربيع الذي حل بالبلاد إلى أشكال فنية وثقافية، وإنتاج نماذج جديدة من فن المقاومة.

لقد كان الشعار السياسي “إن الشعب يريد” الذي أبدعه التونسيون، بمثابة إعلان موجة جديدة من الحراك الثقافي وسط تلك الحشود المنتفضة بعنوان عريض يمكن تلخيصه في أن “الفن أيضا يريد”. وانتقل صيت هذا الشعار إلى باقي البلدان على شاكلة ’’أغاني’’ و”مسرحيات’ و”قصائد” و”روايات” و”ملصقات” و”كتابات على الجدران”.

حسب بعض المهتمين فقد كانت مصر أكثر البلدان الثائرة التي أدمجت شعار “الشعب يريد” في ميدان التحرير، تغنت به وسط إعصار الثورة بقيادة فنان الثورة رامي عصام.

لقد أبدعت الطاقات الشبابية تصورا جديدا للاحتجاج في ميادين الثورة، معتمدة على الجبهة الثقافية،وكانت هذه الجبهة تخفي وراء كومتها، طاقات فنية انبثقت من قلب الواقع السياسي والاجتماعي المزري الذي تعيشه هذه البلدان، ولم يخل المغرب أيضا من هذه المجموعات التي فضلت مواكبة حركة عشرين فبراير “بمقاومة” ثقافية.

يقول سعيد أولحاج “إن الحراك الثوري الذي ظهر أواخر سنة 2010 وبداية سنة 2011 لم يكن بحاجة فقط إلى هذا الشكل من المقاومة، بل كانت جزءا أساسيا منه. ولا يمكن فصل هذه التعبيرات عن معنى التمرد الذي واكب الحركات الاحتجاجية، فلا مجال هنا للفصل بين التعبيرات التي اختارها شباب اقتنعوا أن دورهم الوحيد هنا هو ممارسة الفن للدفاع عن مطالب الشعب، وبناء تصورات مغايرة ومتقدمة عن كل الأشكال التقليدية”.

لقد اقتنع مجموعة من الشباب أن الفن يمكن أن يلعب دورا في الدفاع عن مطالب الحرية و الكرامة، ’’كنوع من السلاح الفتاك، يتسرب إلى كل الجالسين فوق هذه الأرض، يعبر القارات، ويساهم في نشر ثقافة الرفض’’. كل الذين تحدثنا إليهم كانوا مقتنعين بأن الثقافة الجديدة التي ولدت مع بروز الحراك، لم تكن سوى ثورة جديدة على الفن القائم أيضا، ذلك الفن”المحتكر من طرف النظام السياسي وجميع أجهزته الأيديولوجية”. بينما الفن كما أنتجه هؤلاء الشباب عاد ليرسم الواقع كما هو، إنه التمرد على نماذج صيغت واستمرت بفعل “سياسة الاستبداد”.

الفن في عشرين فبراير .. هل كان بديلا للبيانات السياسية ؟

كانت الأشكال الإبداعية الفنية من بين الوسائل التي ساند بها الشباب حركتهم الاحتجاجية. فالتعبير عن حالة الاستياء العارم من طبيعة النظام السياسي بالمغرب، لم تقتصر فقط على نشر البيانات و إلقاء الخطب السياسية بل كان شباب الحركة واعيا أنه يملك بين يديه وسائل من نوع أخر. كانوا يبحثون ويتدارسون في جموعاتهم العامة عن كيفية تجديد رسائلهم وإضفاء الطابع الإبداعي على مسيراتهم. كانت المسيرات تتيح الفرص لإلقاء الشعر والزجل ولعب المسرح.غالبا ما كانوا يتحفون، عبر الوسائل المتاحة، مسامع الحشود بقصائدهم وأغانيهم الشبابية ومسرحياتهم. يمكن الإشارة هنا إلى القصيدة الزجلية المعروفة ’’نوح يا نواح’’ لصاحبها الزجال ناشط حركة 20 فبراير عادل الحر و التي مزج فيها بين لغة شعبية بسيطة وحمولة سياسية كبيرة” مما جذب مسامع الناس أكثر من لغة البيانات السياسية التقليدية. “أضفت إذا هذه الأشكال الفنية طابعا تجديديا على المسيرات والوقفات” كما أشار إلى ذلك محمد المسير عضو لجنة الإعلام لحركة 20 فبراير بالرباط.

كان صدى صوت تلك العنادل التي انجبها الحراك، يخترق حدود المجال الجغرافي ليصل إلى أبعد مدشر، وسعى فنانو الحراك إلى ابتكار وسائلهم الخاصة للتحرر من أشكال الرقابة المفروضة مستعينين بلغة الشارع اعتمادا على وسائل وإمكانيات بسيطة. 

ثقافة الحراك.. صراع جيلين

كان الوضع السائد مجرد صحراء قاحلة المنظر، لا شيء كان يظهر في الأفق سوى سنوات أخرى من الظلم والتعتيم والمنع.. إلى أن حل الربيع’’.

يقول سعيد أولحاج الذي تحدثنا إليه ’’إن لا أحد كان ينتظر أن تتهاوى أنظمة كانت تتحكم في كل ركائز البلاد بما فيها المستوى الثقافي والأجهزة الأيديولوجية’’. لذلك كانت الموجة التي ترعرعت في كنف قرطاج ووصلت هبّاتها إلى غالبية دول المنطقة ومنها المغرب، بمثابة زعزعة للأنماط الفنية التقليدية. جاءت تلك الموجة بسبب صراع جيلين مختلفين، الأول فشل في تجديد قيم مندثرة تسير نحو الزوال، والثاني يحمل ثقافة المضادة لكل ما هو سائد. يسري ذلك على المستوى السياسي والاجتماعي، كما يسري على النظم الثقافية القيمية والفنية.

ساهمت السلمية التي ميزت المسيرات المطالبة بإسقاط الاستبداد والفساد في ابتكار أشكال مقاومة متجددة. كانت هاته الأشكال سلاحا فتاكا وعنيفا على المستوى الرمزي ’’فقوة الفن وضرباته الموجعة كانت تقاوم من طرف السلطة، وغالبا ما تتدخل القوات العمومية لفض كل الأشكال الإبداعية التي جسدها الحراك، حين توجه طعناتها للنظام السياسي بأسلوب فني محض’’. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال الأشعارالتي كان يلقيها بعض الشباب على مسامع المحتجين، حيث أدت في في أواخر سنة 2012 إلى اعتقال أحد هؤلاء الشباب الذي كان يلقب “بشاعر عشرين فبراير’’ وهو يونس بلخديم.

عموما لقد ساهم هذه التعبيرات إلى جانب الحركة الإحتجاجية في تغيير الصورة السياسية والاجتماعية لعدد من الأوطان، وتجاوزت ذلك ببناء مفاهيم جديدة على المستوى الثقافي والفني والقيمي، حيث تغير معها منطق المقاومة، وكيفية التصدي لحالة الاستبداد السائدة بالحفاظ على سلمية الخرجات الاحتجاجية . حيث كانت الشبيبات المتمردة، كما كان يبدوا جليا، تعي قوة أسلوبها المقاوم، ’’ولم تعتمد فقط على الخطاب السياسي التقليدي العتيق الذي، استنفذ مخرجاته، وأدى دوره المحوري في سنوات السبعينات والثمانينات’’ كما يقول المسرحي حسني المخلص، ’’بل اعتمدت إلى جانب ذلك على أساليب أكثر تقدما وأكثر إبداعا، تسربت إلى مخيال ملايين الشباب المنخرط والغير المنخرط في غياهب الهبة الثورية’’.

أكد محمد الطوبي أحد شباب عشرين فبراير بمدينة شفشاون وأحد المنخرطين في جمعية الشروق الثقافية أن الأعضاء الفاعلين في نفس الجمعية الثقافية، كانوا منتمين إلى تنسيقية عشرين فبراير بمدينة شفشاون، وقد ساهموا في العديد الاحتجاجات بأشكال إبداعية، مشاركين في تنشيط عدد من المسيرات والوقفات التي تنظمها الحركة. إلى جانب ذلك ساهمت الجمعية في عرض العديد من الأشرطة ومناقشتها داخل الأنشطة الخاصة بحركة عشرين فبراير، وأشتغل هؤلاء على لوحات تعبيرية عرضت في الشارع، وفي الغالب، يقول الطوبي، ما تعرضت للقمع من طرف القوات العمومية. وإلى جانب أعضاء جمعية الشروق الثقافية كان بعض الشباب يقوم بنظم الزجل والقائه في التجمعات الاحتجاجية للحركة، وكان ذلك يحظى بتعادوف كبير من طرف سكان المدينة. يضيف الطوبي أن ’’تلك الأشكال الفنية كان لها وقع كبير وساهمت في إيصال رسائلنا أكثر قوة ووضوحا، إذا ما قورنت بالكلمات والشعارات’’.

على غرار هذه التجربة ساهمت جمعية البديل الثقافية بمدينة القنيطرة في تنشيط مسيرات عشرين فبراير، وكانت تنظم أمسيات فنية في عدد من المدن والمناسبات بقيادة عضو حركة 20 فبراير الفنان الموسيقي اليساري سعيد أولحاج ’’حنظلة” الذي غنى في الثمانينات لصالح الحركات السياسية الرادكالية. وقد أنتج إلى جانب ذلك قصيدة زجلية تحكي عن مسار حركة عشرين فبراير بطريقة متناغمة تحترم السرد والقافية وألقاها في عدد من المدن المغربية والأوربية من بينها “بوردو”. وعلى غرار ذلك نذكر أيضا أغنية ’’عيشي حرة يا بلادي’’ التي أنتجها الفنان صلاح الطويل خصيصا لحركة عشرين فبراير وتحولت إلى شعار يرفع في كل مسيرات وقفات الحركة، بعد أن تدخلت السلطة لفض تجمع أمام ساحة البريد غير بعيد عن البرلمان بمدينة الرباط، كان فيها صلاح الطويل سيغني هذه الأغنية لأول مرة.

الرّاب بالمغرب من الرفض إلى الاحتواء

لقد تم استعمال كلمة الراب RAP في اللغة الإنجليزية البريطانية اختصارا لـ “Rhythmic African Poetry” أو ” الشعر الأفريقي المقفى ” كجزء من لغة الأمريكيين الأفارقة منذ ستينات القرن الماضي. وارتبط هذا الصنف للتعبير عن الاستياء والغضب من قسوة الحياة و العنصرية.

في المغرب كما في العالم العربي ودول شمال أفريقيا، ظهرت منذ فترة تصل إلى أكثر من عشرين سنة، مجموعات غنائية تبنت روح فن الراب للتغني بمجمل المشاكل التي يعانيها الشباب المغربي.

خلال الفترة السياسية الحساسة التي إنتقل فيها الحكم إلى الملك محمد السادس بعد وفاة والده الحسن الثاني قامت الدولة بإطلاق مبادرات ليس فقط لإحتواء المعارضين السياسيين بل أيضاكل الأشكال المقاومة الثقافية البديلة. وقد عرف الراب تغييرا مهما حسب هشام عبقاري، الباحث في الثقافة الحضرية، بعد أحداث 16 ماي الإرهابية سنة 2003، حيث حاولت الدولة الإنفتاح على الموسيقى العصرية و تجاوز مقاربتها التقليدية للانغلاق الهوياتي والتي أفرزت التطرف آنذاك. عرفنا توجها أخر في الإدارة الترابية مبني على عدم قمع هؤلاء الشباب في الأزقة والشوارع. إلى أن وصلنا لسنة 2005 التي شهدت تنظيم عدة مهرجانات خصوصا في الدار البيضاء (مأسسة البولفار)، مكنتهم من شهرة لابأس بها، وظهرت فرق فناير، التووغ غانغ، “الزنقة فلو، أش كاين، كزا كرو، البيغ، إلى أن وصلنا لمرحلة إقتحام هذا الفن لوسائل الإعلام.

وهكذا يظهر جليا كيف تم، في تلك المرحلة، احتواء مجموعات الرّاب التي ظهرت واستخدامها في كثير من الأحيان لتمرير خطابات العهد الجديد مستندة في ذلك على انتشارها وتعاطي الشباب لهذا النوع الفني الثائر على بعض من الأشكال التقليدية. منذ ذلك العهد أصبحت هذه الأداة الفنية نسبيا في يد السلطة التي استطاعت ترويضها وتوجيهها لخدمة السلطة السياسية، أو على الأقل إبعادها عن موضوعات السلطة والسياسة. غير أن ذلك لم يكن ساريا على كل الذين تغنوا بالراب، وبصدد ذلك قال معاد بلغوات، المعروف بالحاقد، في حوار سابق إن “فن الراب بالمغرب تم احتوائه من طرف الدولة، وذلك بصنع مغنيي راب كما يريد المتحكمون.. ونجد قلة قليلة تغرد خارج السرب’’. ومغني الراب معاد الحاقد الذي اعتقل عدة مرات بسبب أغانيه المنتقدة للسلطة السياسية والواقع المزري للمغاربة أوضح في أحد حواراته السابقة، أنه بدأ مساره سنة 2004 رفقة بعض أبناء حيه، حيث قام بتأسيس مجموعة أطلق عليها (زمت) z-mat – أو ’’الزنقة مقبرة الأجيال الطامحة’’. وحاول من خلال أغاني الراب التي يؤديها رفقة المجموعة أن يعبر عن الواقع المعاش. لكن لم يسطع نجم الحاقد إلا عند بروز حركة 20 فبراير والاعتقال الذي طاله شخصيا سنة 2012.

راب الحراك المغربي.. عودة السياسة والتحرر من الرقابة

عند ظهور حركة عشرين فبراير سنة 2011 بث الشباب المنخرط روحا ثورية على الأغاني الشبابية، أخذوا الأنماط الأكثر قبولية لدى الشباب، وحاولوا نمذجة المطالب السياسية النمطية داخل قالب تجديدي كان أغلبها أغاني “الرّاب” و “الهيب الهوب” ذات مضامين سياسية قوية وجريئة.

محمد حمزة حشلاف أحد مؤسسي مجموعة الباسلين الغنائية قال في حواره إن ’’المجموعة التي اختارت اسم الباسلين تأسست فعليا سنة 2012 بعد سنة من ظهور حركة 20 فبراير، كان هدفها الرئيسي هو التأسيس لفن بديل على المستوى الموسيقي والكتابة والمضمون، كان عبارة عن فن يعبر عن الواقع، مخالف لما هو موجود وسائد، وخلال فترة الربيع الديمقراطي وحركة 20 فبراير اتسمت الأغاني بمضامين سياسية قوية وهذا ما تجسد في أغنية “شايلاه أ السيستيم’’.

قبل سنة 2011 لم تكن الفرص متاحة لانتشار الأغاني التي كان يصدرها الشباب والتي كانت تحمل مضمونا سياسيا بسبب الرقابة والتعتيم وتحكم السلطة في الإعلام العمومي، وفي هذا الصدد يقول مغني الرّاب محمد حمزة حشلاف ’’إن الإعلام العمومي لا يلقى أصلا إقبالا من طرف الشباب، لهذا فالانترنيت والإعلام البديل يعتبران الوسيلة الأنجع للوصول إلى عقولهم وإحساساتهم، والذي يعتبر لحدود الساعة متحررا من الرقابة، بعد الثورة التي عرفتها الموجة الإلكترونية و التي ساهمت أساسا في تأجيج الإحتجاجات’’.

وأضاف المتحدث، ’’أن قوة هذه المجموعات الغنائية الثورية تستمد أصلا من الحرية التي يتيحها الإعلام البديل” مشيرا إلى “أن الحرية هي الأصل في كل شيء رغم أن الهدف هو الولوج إلى الإعلام العمومي المغلق في وجه الطاقات الشابةع. غير أن فرقة الباسلين التي ينتمي إليها المغني الشاب أدت أغانيها في عدد من المهرجانات دون إقصاء أو تهميش. شاركوا في مهرجان ’’البولڤار’’ الذي أعدت القناة الثانية المغربية ربورطاجا إخباريا عنه. ومع ذلك تعرضت الفرقة للمنع من المشاركة في مهرجانات مقربة من السلطة، حيث منعت من المشاركة في مهرجان “هيت پاراد” في أخر لحظة، ’’لأن مدير المهرجان يطمح إلى التقرب أكثر من السلطة، على حد قول حشلاف، ويطمح أن يكون المهرجان “تحت الرعاية السامية”، وعموما يقول حشلاف “إن فن الراب لا يحتاج لإعلام أو دعم، فهو فن مستقل، حر، نابع من الشارع، ومتوجه نحو الشارع”.

حشلاف أحد نشطاء حركة عشرين فبراير، والبالغ من العمر 24 سنة، والذي لقت انتاجاته صدى كبيرا داخل أوساط الشباب، أكد “أن الأغاني التي أنتجتها الفرقة والتي كانت تحمل مضمونا سياسيا عرفت نجاحا رغم بساطة الإمكانيات، وقد حاولت المجموعة في ظروف تميزت باعتقالات واسعة في صفوف شباب 20 فبراير، أن تمرر رسائلها من خلال أغنية الرّاب لتوعية الشباب’’.

 ما يميز الرّاب في فترة الربيع الديمقراطي، أنه كان صوت الغاضبين، يعكس المعاناة التي يعيشها أبناء الثورة بلغة سلسة وسهلة ومقبولة لدى الشباب، لغة المواطن والشاب، لغة الشارع، وإذا كانت تلك الرسائل السياسية مغلفة بموسيقى تتميز بالجودة والسهولة فإنها تصل بشكل أفضل إلى عموم الشباب. يقول مغني الراب حمزة أن القناعات السياسية لمجموعة الباسلين مختلفة وتعكس تنوعا في الأداء والمضمون، ولم يكن أفراد الفرقة يتبنون توجها سياسي مشتركا، بل القاسم المشترك بين الفرقة هو نقد السلطة والرقابة والتغني بالمظلومين.

سينما الحراك .. الفن السابع في خدمة التغيير
“لا تهمنا الإمكانات المادية، وهدفنا أكبر من تكسير الطابوهات، إنه الفن السينمائي الذي يهدف بحسبنا إلى التوعية’’ هذه الكلمات النابعة من نظرة تحدي شابة لجميع الأنماط السينمائية الموجودة بالمغرب والتي تخرج تباعا من أفواه شباب همهم الوحيد ’’هو العمل على التوعية من خلال السينما’’ على حد تعبير يونس بلغازي أحد أعضاء فرقة الكيرية سينما (Guerilla Cinema) التي خرجت من رحم حركة 20 فبراير. فقد كان اعضاؤها مساهمين بشكل مباشر في تصوير نداءات الحركة وأشرطتها وفيديوهاتها، التي كان من بينها الشريط الأول المشهور الذي أعلنت فيه الحركة عن الخروج يوم 20 فبراير 2011.

حاولنا أن نبحث عن أصل فكرة الگيرية ومهدها وأسباب بروزها ، فوجدنا من خلال شهادات شباب وشابات أن الصناعة السينمائية بأعينهم، “فكرة حان لها الوقت أن تحقق وتصور القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والواقع المعاش في قالب فني محض ومغاير، يصور الواقع ويطرحه في شكل أشرطة سينمائية مفعمة بالحياة”. قامو بتصوير عدد من الأفلام الوثائقية والروائية دون المرور بالمؤسسات الرسمية من أجل الحصول على رخصة ليؤسسوا بذلك لما إعتبروه “سينما مستقلة” أو “بديلة”.

يقول يونس بلغازي في تعليقه على سؤالنا حول الإمكانيات أن “المخزن أو أي نظام الرأسمالي يرغب في أن يسيد فكرة أن السينما هي فن للأغنياء، غير أن الإشكال المادي في رأيي لم يكن يوما عائقا في وجه الإبداع والفن، وأنه يمكن أن تكون السينما فقيرة في المعدات والإمكانيات لكن غنية على مستوى الإبداع والعطاء وفي جميع الأحوال، فالإمكانات المادية ليست مقياس لنجاح عمل سينمائي” على حد تعبيره. وهذا ما حاول شريطهم “باسطا’’ أن يكشف خلال 30 دقيقة.

رغم أن هؤلاء الشباب كان يدرسون تخصصاتهم السينمائية قبل ظهور الحركة، إلا أنهم تأثروا بالموجة الثورية التي حلت، واختاروا هذا التوجه السينمائي بتناول قضايا سياسية واجتماعية و قانونية. بدأت هاته الفرقة بعد سنة من انطلاق الحراك في إعطاء بعد وتصور مغاير للعمل السينمائي بالمغرب، بعد أن ساهمت في اغناء قناة الحركة على اليوتوب بأشرطة ونداءات مصورة وربورطاجات عن الحركة. رغبة هؤلاء الشباب هي صناعة السينما خارج التعاقد مع الدولة ومع المركز السينمائي، صناعة سينيما مستقلة أو خارج القانون، وبدون تعاقد مع شركة إنتاج. يرغب أيضا هؤلاء الشباب في صنع سينما ’’ليست للبيعع، هدفها نقاش قضايا الشأن العام وانتقادها ودفع حركة التغيير إلى الأمام، لذلك ’’عملوا على اختيار الهدف الإنساني بدل الهدف التجاري’’.

كانت الفرقة قد انتجت شريط “أنا ومخزني” وهو الشريط الذي كانت تدور أحداثه عن ما وقع عشرين فبراير من أحداث. وحاول الشريط التأريخ لعدد من المحطات الاحتجاجية، وقد قامت الفرقة بعرضه في العديد من المناسبات.

أنجزت الفرقة شريطا أخر بعنوان 475 حول اغتصاب القاصرات بالمغرب. عنوان الشريط يحيل إلى الفصل 475 من القانون الجنائي المغربي الذي تعالت أصوات من أجل إسقاطه. وقد كشف هؤلاء الشباب أن الشريط الذي يستعرض هموم أسرة أمينة الفلالي ويكشف قضية ضلت طابو في المجتمع المغربي. ويقول الشاب نادر مخرج فيلم “أنا ومخزني”، ومساهم في إخراج 475 وهو أحد أفراد مجموعة الكيرية في شريط فيديو يعرض مقتطفات من تصوير الشريط : “جاءتنا فكرة إنجاز هذا العمل بعد عدة أحداث وقعت في المغرب وأولهم انتحار أمينة الفيلالي التي تم تزويجها من مغتصبها’’.

عمل أيضا هؤلاء الشباب على تنظيم مهرجان اختاروا له اسم “المقاومة والبدائل” محاولة منهم خلق فضاء لكل تلك الإبداعات التي كانت تغني الحراك أو تجسده في قوالب ثقافية متعددة. مهرجان المقاومة يقول عنه الشباب المنظمين باللغة الدارجة المغربية “مهرجان ديال المقاومة و البدائل تيطمح باش يخلق واحد الفضاء ديال التعبير و الابداع، مفتوح باش يشاركو فيه الناس ويعطيهم الحرية ديال التعبير. هو بلاصة كا نتبادلو فيها مبادئ، مواهب، بتكارات و آراء بمواضيع للي كاتقيص حياتنا منها الاقتصاد، السياسة، الفن، التربية و بزاف ديال المواضيع خرى تقافية وإجتماعية . من لبداية ف 2012 هاد المهرجان للي سبق ليه و دار جوج ديال الدورات كايساهم فحياة جديدة ديال الفن و التقافة فالمغرب .الدورات اللّولين ديال المهرجان كانو غير بداية لواحد التطور لّي هايخلي المهرجان يزيد لقدام.” و ينظم هذا المهرجان بمناسبة الذكرى السنوية لحركة 20 فبراير وهو فضاء لتجميع كل تلك الأعمال الفنية الشبابية التي تهدف إلى الدفاع عن مطلب الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية. فضاء للتعبير الحر والإبداع الرافض و مناسبة يلتقي فيها كل “فنّانو حركة 20 فبراير”.

المسرح المحكور.. انعكاس لصورة نظام سياسي واجتماعي

نجد في الصفحة الرسمية لبعض المنتسبين لهذا الصنف الفني أن مسرح المحكور يهدف إلى دفع العمل المسرحي نحو “تغيير الواقع” عكس المسرح الكلاسيكي الذي غالبا ما يتماها مع ما هو كائن. المسرح الكلاسيكي في نظر هؤلاء ما هو إلا انعكاس صورة نظام سياسي وإجتماعي، يسعى إلى عزل الناس عن دائرة الفعل، وعن ممارسة “التغيير” وذلك بتحويل المتفرج لمتلقي دون إعطائه فرصة ممارسة التأثير المباشر على موضوع العرض المسرحي.

 حاول المسرح المحكور الذي واكب الحراك الاجتماعي بالمغرب ’’أن يكون مرآة تمكن المتفرج أو المتلقي من التدخل لتعديل صور الحدث وذلك في الساحات العمومية أو خلال المسيرات والوقفات الاحتجاجية، ويسعى إلى إخراج المواطنين من البقاء على هامش حركة النص إلى حيز الفعل والتأثير الحقيقي في الشارع والفضاء العمومي”.

أوغوستو بوال أحد رواد هذا النوع من المسرح الثوري في البرازيل يقول “نحن المسرح، لأننا جميعا ممثلون، المسرح ليس بحاجة إلى جمهور ومنصة بل إلى مؤد ليكون قائما وموجودا”. وكان تجربة هذا الرائد الكبير تستلهم من الأفكار الثورية التي تتبنى فكرة تعليم المضطهدين”. هذا ما جعل بعض النشطاء في حركة 20 فبراير يربطون هذا المجال بالحراك وأهدافه.

المسرح في الفضاء العام مختبر لمطالب التغيير

ظهر ما سمي بالمسرح المحكَور بالمغرب خلال حراك عشرين فبراير على يد بعض النشطاء السياسيين والفنانين المتأثرين بأفكار أوكيست بوال محاولين استيراد بعض التجارب العالمية التي بدأت كمسرح المحكور، وأضحت فيما بعد قوة اقتراحية وسياسية.

في هذا الصدد يقول منير الرضاوي وهو أحد الذين اشتغلوا بألية المسرح المحكور بمدينة الرباط ’’إن المسرح المحكور جاء ليقطع نهائيا مع المفاهيم التقليدية للمسرح، المتفرج، الخشبة… فالمتلقي ضمن هذا الصنف يتحول إلى فاعل يقترح حلولا لإسقاط الاضطهاد”. أي بالمعنى الذي يتحول فيه الفضاء العام إلى مختبر لتجريب تلك الحلول المقترحة من طرف الجمهور نفسه والتأكد من إمكانية أجرأتها على أرض الواقع، كما يسمح المسرح المحكَور بتصور مجتمع بديل ومحاكاته وتجسيده للاقتناع به والتخلص من إرهاصات وترسبات المجتمع التقليدي القائم.

لقد وفر هذا النوع من المسرح لبعض نشطاء عشرين فبراير إمكانية محاكاة الواقع وارتجال وضعيات أنسب لتغييره في الشارع، في السوق، في محطة القطار، في المسيرات و في كل الامكنة المتاحة. وقد اعتمد هذا المسرح على تقنيات تراكمت نتيجة لممارسته في عدة أقطار منذ أكثر من أربعين سنة، خاصة في أمريكا اللاتنية وتحديدا في البرازيل، لكن المغرب لم يحظى إلا ببعض التجارب المعزولة التي تتصارع لتجد لها موقعا نظرا لضيق هامش الحريات والتعرض للقمع في أكثر من مناسبة خلال مسيرات عشرين فبراير.

منير الرضاوي الذي جسد إلى جانب نشطاء سياسيين مسرحيات عدة في الفضاءات الخاصة بالاحتجاج قال إن ” الإبداع المنبثق من دينامية الاحتجاج في حركة 20 فبراير لجأ إليه بعض الشباب داخل الحركة بحكم تواجدهم المكثف في الورشات اليدوية واهتمامهم بالفن، واللوجستيك، والتعبئة في الشارع العام، منير الرضاوي الذي أدى ضريبة على عمله ذاك وذلك بإغلاق محله التجاري بمدينة القنيطرة من طرف السلطة، أضاف “أن بعض الشباب التحقوا بالمسرح نظرا لصعوبة تفاعلهم مع الخطاب التقليدي للنخب المتواجدة بجانبهم، إذ تطورت آلياته البسيطة بتفاعل عفوي مع أرضيات النقاش الفكري إلى سلاح إبداعي قوي يفضح الفساد ويقترح بدائل و يتمرد على سياسة مستبدة التي استطاعت تطويق آليات النضال التقليدي وتوريطه في بدائل إصلاحية فاشلة”.

 المتظاهر والممثل سيّان في فضاء المسرح المحكور

 في هذا السياق اضطر بعض شباب عشرين فبراير إلى اللجوء إلى هذا النوع الثوري من المسرح، والذي ساهم في ابتكار آليات تمكن المتظاهرين من الممارسة المباشرة للفعل الثوري، فظهر إلى الوجود مسرح الأكسيسوار الذي يعتمد على توفير أكسيسوارات للمتظاهرين يتم فيه اقتراح فكرة محورية يرتجل المتظاهرين في تجسيدها وإغنائها. يمكن أن نذكر مثلا، المسرحيات التي تم الاشتغال عليها في ساحات الاحتجاج في الرباط، والتي واكبت مظاهرات حركة 20 فبراير، كمسرحية ’’رقصة الملوكع التي كانت موجهة، حسب منير الرضاوي، إلى “فضح” “تواطؤ الملكيات العربية لإدخال المنطقة في صفقات وحروب ومشاريع مربحة للصهيونية والإمبريالية” والتي يظهر فيها أربع شخصيات ترتدي أقنعة لملوك يبتسمون ويرقصون داخل المسيرة الاحتجاجية ويتبادلون الحديث مع المتظاهرين.

مسرحية “العكاز المقدس” أيضا تم تجسيدها في إحدى المظاهرات بعد أن ظهر ملك المغرب يحمل عكّازا في أحد التغطيات الإعلامية، لتصبح قضية رأي عام تناولتها الصحف بشكل كبير، واستطاعت هذه المسرحية، يقول منير الرضاوي “فضح كيف يتم التلاعب بحب المغاربة ومشاعرهم اتجاه الملك في غياب أي جرأة صحافية ونقد سياسي للآليات التي يسعى بها النظام إلى استغلال المغاربة”. هذه المسرحية التي كانت مشاهدها قد جسدت قرب البرلمان أدت إلى اعتقال أحد شباب عشرين فبراير وهو إدريس بوطرادة الملقب بالمقنع وأمضى سنة من السجن النافذ.

المسرح المحكور .. البديل لتحرير الفضاء العام

بعد مرور سنة على الحراك، جلس العديد من الشباب المنتمين إلى عشرين فبراير تنسيقية البيضاء، في لحظة تفكير عميقة للبحث عن سبل إعادة بناء ثقافة الشارع بشكل آخر. يقول حسني المخلص شاب مغربي في الثلاثينيات من عمره، كان ناشطا في تنسيقية البيضاء، أن هذا النوع من المسرح يتيح إمكانية التواصل المباشر مع واقع يحدث أمامك، يتفاعل فيه الجمهور مع إشكالات ملموسة ويحاول اقتراح الحلول بنفسه دون تدخل جهة معينة. يصبح بذلك جمهور مسرحنا فاعلا أساسيا في البناء الدرامي للنص المسرحي المرتجل، ولا يمكن أن تغير الشيء دون أن يشارك فيه المعني بالأمر بصفة مباشر. إنه نوع من تدريب المتلقي على الفعل والعمل على عملية التغيير.

 لقد اقترح حسني المخلص على رفاقه في عشرين فبراير، تبني المسرح المحكور وممارسته في الفضاء العام، في نفس الفضاءات التي كانت تحتضن الجموعات العامة للحركة. وكان الهدف حسب رأييه ’إعادة تحرير الفضاء العام والبحث عن تعبيرات أخرى تخرج من رحم القاعات الكلاسيكية إلى الشارع’’.

لقد كان الخروج من نمطية الاحتجاج إلى هذه الأشكال الجديدة اختيارا جاء بسبب اقتناع هؤلاء بضرورة مواكبة الحراك الاجتماعي بأساليب فنية متعددة، لكنه في نفس الوقت كان مفروضا لتغير الواقع والسياق. لقد كان ذلك، حسب وجهة نظر حسني مخلص، بسبب التقليدانية التي أصبحت تتسرب للجموعات العامة للحركة، وكذا اللغة السياسية التقليدية الذي أصبحت تبتعد عن الجمال والقيم والفن. كان ذلك سببا مؤثرا قويا، في خروج الحركات الثقافية من رحم الحراك، ومنها المسرح المحكور أيضا، لأن القرف من الخطاب السياسي التقليدي الخشبي هو من أخرج ألاف الشباب والشابات إلى الشارع، لكن بعد مرور الوقت أصبحت بعض خطابات شباب عشرين فبراير تتجه نحو ذلك الخطاب الذي يعيد إنتاج الأخطاء. “لذلك كان لزاما أن نتبنى أشكال وأدوات أخرى التعبير والتغيير”.

 المصدر: مجلة “تحرريات”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.