الحراك أنثويا

جمال المحدالي

لعل أهم ما ميز ويميز الحراك الشعبي بالريف هو الإنخراط الفعّال والفاعل للمرأة فيه. وانخراط المرأة في الحراك ومشاركتها الوازنة والنوعية فيه لم يكن إعتباطيا أو مجرد إنسياق إنفعالي مع موجاته، وإنما هو إنخراط طبيعي وواعي: طبيعي لأن المرأة الريفية هي الأكثر معاناة من واقع التهميش الشامل الذي يعرفه الريف، فهي التي يمسها بشكل فادح تردي وضعية التعليم والصحة والشغل بالمنطقة، إلى جانب أنها، وبحكم أنوثتها النابضة بالعاطفة والعطاء، أكثر إحساسا وتأثرا بتفشي مظاهر الحگرة وإهانة الكرامة الإنسانية في حق أهل الريف والتي وصلت حد طحن مواطن في حاوية الأزبال مع بضاعته. وهو إنخراط واعي لأنه رغم معاناتها المضاعفة كمواطنة وكأنثى، وربما بسبب ذلك، وبسبب تحولات عصرنا البنيوية، ورغم أن إقليم الحسيمة يحطم المعدل الوطني لا من حيث نسبة الأمية بين الإناث ولا من حيث نسبة الطفلات اللواتي لا يتمكن من الإلتحاق بالمدرسة، فقدت تمكنت نسبة مهمة من بنات الريف من متابعة مشوارهن الدراسي بمختلف أطواره بإقتدار. الشيء الذي رسّخ وعيهن بحقوقهن وحقوق مجتمعهن ودفعهن للإنخراط بقوة خلاقة في الحراك.
وهذا الإنخراط هو الذي عمّق طابع الحراك الشعبي والإنساني، وعزز حصانته الممانعة، كما أضفى عليه شرعية غير قابلة للطعن ووطّد هويته السلمية.
وفوق ذلك، فإن الإنخراط النسوي في حراك الريف قد فنّد تمثلات خاطئة كانت متداولة حول أهل الريف من حيث أنهم محافظون وذكوريون ومنغلقون، كما سفَّه القراءات المتسرعة أو المغرضة حول الحراك التي سعت إلى حصره قسرا في دائرة ما هو أصولي/ عرقي/ شعبوي/شوفيني!!!
ومن خلال ذلك الإنخراط، دائما، تتمرآى بجلاء قوة الحراك من حيث هو حراك شعبي منبثق من خصوصية الريف المركبة المحفورة في عمقه التاريخي وعلى مورفولوجيته الجغرافية، بقدرما هو تمظهر من تمظهرات روح العصر أو أنطولوجيا الحاضر المتسمة بنزوعها نحو التّأنْثن وبقيم كونية أساسها: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والتضامن، وهي ذاتها مرتكزات منظومة حقوق الإنسان المؤسِّسة للمشترك الإنساني الذي فيه يرتسم مستقبل الإنسانية الممكن.

وسوف تشكل مسيرة يوم 8 مارس 2017 حدثا تاريخيا في مسار الحراك ارتباطا بدور المرأة فيه. ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة ماضية في عسكرة الريف ومحاصرة ساحة الحرية ومنع المسيرات الإحتجاجية بالحسيمة، ستتم الدعوة من طرف ناشطات ونشطاء الحراك إلى مسيرة نسائية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.
وقد أربكت الدعوة إلى تلك المسيرة السلطات المحلية. فحاولت منعها في البداية، وفعلا، تم تعنيف الناشطات بساحة 3 مارس التي تقرر أن تكون نقطة إنطلاق المسيرة. لكن تقاطر حشود من نساء وفتيات الحسيمة على الساحة وإصرارهن على إنجاح المسيرة أرغم قوات الأمن على التراجع عن قمعها. فتأنثن الحراك ساعتها عبر المسيرات النسائية التاريخية التي فاضت بها شوارع الحسيمة وإمزورن بني قوعياش وبني حُذيفة وبني عبد الله وتماسينت… فتعالت حناجرهن المجبولة على الإنشاد بشعارات الحراك/ شعاراتهم. ليكتبن بأقدامهم وإقدامهم بقلب العقل وبعقل القلب أبهى فصل من فصول ملاحم الحراك التاريخية.
إن النجاح المذهل لمسيرات الحراك النسوية يوم 8 مارس 2017 كان تتويجا للمشاركة المكثف والمميَّزة للمرأة الريفية في الحراك منذ بدايته عبر مسيراته وجموعاته العامة ومختلف أنشطته، بقدرما كان محفِّزا على تنامي تلك المشاركة وتشعبها. وهو ما سيحدث، فعلا. ذلك ما حدث، حقا. ولأن ذلك الحدوث سيتزامن مع حدث خروج المناضل محمد جلول من السجن وما طبعه من إستقبال شعبي تاريخي بكل المقاييس فإن الحراك سيغدو حالة وجودية بالريف ولدى ريفيي وريفيات الشتات. وهذا الوضع هو الذي سيجعل الدولة تستعجل تبني المقاربة الأمنية في التعامل مع حراك الريف بعد أن أصرت على عدم الإصغاء لمطالبه ورفضها الحوار مع نشطائه.
وحين قررت الدولة شن حملتها القمعية على الريف كانت المرأة الريفية في طليعة التصدي لتلك الحملة كما كانت من ضحاياها الأوائل. ولم تسلم من الإختطاف والترحيل إلى الدار البيضاء، كما وقع للفنانة المناضلة سيليا الزياني، دون نسيان اللواتي تعرضن للتعنيف الجسدي واللفظي في الشوارع العمومية، اللواتي أعتقلن ليتم أطلاق سراحهن، اللواتي تم إستدعاؤهن إلى مخافر الشرطة والدرك للإلتزام بعدم المشاركة في الإحتجاجات، اللواتي ملفاتهن معروضة على المحاكم منهن من صدر في حقها حكما إبتدائيا قاسيا كحالة المناضلة نوال بنعيسى، ومنهن من لازالت تنتظر.
لكن المرأة الحراكية لم تستسلم للقمع الأعمى الذي نزلت به الدولة على حراك الريف منذ يوم الجمع 26 ماي 2017 إلى حدود الآن. بل عظُم دورها بعد أن وجدت نفسها، أمام حملة الإختطافات والإعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية، وقد صارت: أم المعتقل، زوجة المعتقل، إبنة المعتقل، أخت المعتقل، قريبة وصديقة وجارة المعتقل. وهو وضع يغري بالقول بأن المتموضع فيه هو أكثر من معتقل. لكن التأمل في كيف تفاعلت تلك المرأة الريفية مع الإنقلاب الكارثي الذي لحق بحياتها بفعل غباء السلطة حين تستبد بها القوة ويستهويها قمع شعبها يكشف عن مدى عظمة هذه المرأة القادرة دوما على تحدي الصعاب والمآسي ومواجهة قدرها بشجاعة وبصيرة ونكران الذات يمكنها من الإرتقاء إلى مقام القديسات المنسيات الخالدات القادمات. وقياسا على إحدى الحكم البليغة لإبن عربي نختم بالقول: ” كل حراك لا يُؤنّثُ، لا يُعوّلُ عليه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.