الحاقد.. الرجولة

هناك من يتحدّث عن الحاقد وكأنه قاصر، فقط يتم استغلاله واستغلال اندفاعه وتهوره من طرف خفافيش النضال؟؟؟ وهذه سبّة في حق معاذ، سبة رديئة مردودة على من يلوكها…ومحاولة بئيسة لمارسة الحجر والوصاية عليه، فيتهمنونه أنه قاصر، فقط يتمّ استغلاله، هكذا قالوا ؟ إنهم يقولون هذا من باب الدخول الى جنة المخزن، على سنّة القمع غير المقدّس…

الحاقد ليس قاصراً ابدا يا صبيةً يريدون تفريغ صبيانيتهم على حالة معاذ، الحاقد اختار طريقه الذي هو مقتنع به، ثمة فيديو صوّره واحد من جمهور الرجاء أثناء اعتقال الحاقد، وفيه نسمع أصوات الجمهور الذي عاين حدث اعتقاله وهم يرددون (الحاقد.. الرجولة ..الرجولة)، هؤلاء ليسوا من جمعيات حقوقية وليسوا مناضلين محترفين، بل هم مشجعون للكرة من أبناء الشعب، وهم يميزون جيّداً بين الموقف “الرجولي” والموقف الصبياني، يميّزون بين الرجل الصلب، المبدئي في الحياة، وبين من يشتغل “قادوساً” للصرف الصحي عند أسياده…

بالأمس أُعْتقل أنوزلا ظلما وعدوانا بشهادة الجميع، وكان هؤلاء قبل كلّ شيء سارعوا الى القول أن أنوزلا ضحية مَنْ يريد أن يتاجر بقضيته، تعاملوا مع أنوزلا وكأنه قاصر أيضا، وهو ضحية لمن يريد أن يصنع منه مناضلا وبطلا، هكذا قالوا دون حتى أن يدينوا هذا التسلّط والتحكم المقيت الذي تفرضه هذه السلطة…بيد أنه إن كان هناك من قاصر في هذا الوطن فهم هؤلاء الذين يسارعون بكل اندفاع إلى لملمة عورات أسيادهم ليستروها بشراشف من حقد ينفثونه في وجه خيرة أبناء هذا الوطن، لينالوا رضى أوليائهم…فأبشع شيء يمكن أن تقترفه هو أن تلوم الضحية وتبحث عن مبرر للجلاّد، يا للتفاهة، دعكم للعب مع الصغار، ولا تتكلموا حينما يُعتقل الكبار…

الحاقد “راجل” وسيبقى كذلك، في السجن أو خارجه، انتم القاصرون، انتم الصبية الذين لا تملكون إلاّ أن تمصوا رضاعة التودد والتذلل، أما معاذ فلا تخافوا عليه، لا تذرفوا دموع التماسيح من أجله، هو ناضج ومفتخر بنفسه ورفاقه… الحاقد ضمير هذا الوطن، الحاقد مستقبل هذا الوطن، الحاقد صورتنا، وصوتنا، ولهذا يحقدون عليه، لكنه أيضا لا يبادل حقدهم إلا حقدا اخر مفعم بحب هذا الشعب وحبّ هذا الوطن..

تنحوا من أمامنا أيها القاصرون، لا نريد مخاطبتكم وانتم قاصرون، أحرى بنا أن لا نضيع الوقت معكم، بل سنتوجه إلى أولياء أموركم مباشرة… فاسمعوا …

الحاقد نعم ضحية، ضحية نظام استبدادي لا يسمح إلاّ بسماع رجع الصدى، لا يحبّ أن يسمع إلا موّال ” كولو العام زين”، يريد من الكل أن يكون في كورال يردد سمفونية الذل والحرمان، وإذا ما رفضتَ تأدية السمفونية فأنت مشروع مطرود أو سجين أو شهيد…

الحاقد رفض أن يكون عنصرا في الكورال البئيس، يردّد فقط ما يمليه عليه المدير، رفض أن يسجن صوته وضميره، ليعيش الديكتاتور، الحاقد كان أجملنا وأشجعنا، حمل الوطن على صوته وراح يغني له لحن الرفض والتمرّد والثورة…

الحاقد لا يستسيغ الجبن، هكذا هي جيناته، لا يخاف من أن يقول للأسد “فمك خانز”، لا يخاف من أن يقول أن ثمة شيء فاسد في مملكة المغرب الأقسى…

لا أدري هل يعرف هؤلاء الذين يتهمون الحاقد أن أغانيه قوية وجارحة في انتقاد الفساد والاستبداد، هل يعرفون أن هذا ديدن فن الراب، وهكذا نشأ في الاحياء الخلفية للمدن الصناعية الكبرى في أمريكا وغيرها، هل يريدون راباً، شبيها بالطرب الأندلسي، حتى يهلّلوا للاستثناء المغربي أم ماذا؟

بعضهم راح يبحث، عن سوء نية أو عن سذاجة، يبحث عن التهمة التي بسببها اعتقل الحاقد، وتناسوا أن الحاقد نفسه تُهمة، تُهمة في هذا الوطن الذي يتحكم في رقابه من لا يعرفونه إلاّ من باب حلب خيراته وقمع شعبه، هل ثمة من تُهمة في هذا الوطن القاسي أكبر من أن تكون وفيّاً لبسطائه وكادحيه، الحاقد نفسه تهمة يا سادة في عرف مسؤولي هذا الوطن، فوفّروا بحثكم وتحقيقكم، كلنا نعرف التهمة، كلنا نعرف أن سراح الحاقد مشروط…. وأن السجن ينتظره في أية لحظة…

كم هي بئيسة تلك السلطة التي يُخيفها مُغني، لا سلاح له إلا صوته وغيثارته، هذا السلوك الأرعن والهمجي لا يعكس إلاّ مدى بؤس هذه السلطة، ومدى تضعضعها، حتى صارت تخيفها أصوات العصافير الوديعة…

حينما استدعى الديكتاتور الشيلي بينوتشي المغني الرائع فيكتور خارا الى ملعب سانتياغو ليقتص من أصابعه التي تدندن لحن الوطن، وضعوا أصابع المغني على المقصلة، وتم ملء مدرجات الملعب بالجمهور ليشاهدوا اصابع فيكتور خارا تنزف، قطعوا أصابعه ثم قالو له باستهزاء:

– هيّا، غني الآن يا فيكتور…

استجمع فيكتور قواه ورفع يده المقطوعة أصابعها، وراح يدندن  بقبضته على غيثارته، و يغنى بصوته المتهدج:

غنوا للديكتاتور…

فلم يكن للجمهور إلاّ أن انخرطوا معه في غنائه، وهم يردّدون معه: غنوا للديكتاتور، غنوا للديكتاتور…

كان رهان الديكتاتور أن يعذّب المغني أمام الجمهور ويسخر منه، لكن انقلبت المناسبة الى محاكمة جماهيرية للديكتاتورية، الكل كان يسخر منه :غنوا للديكتاتور… وأصابع فيكتور خارا تنزف دما وحباً للوطن… عاش فيكتور رمزاً مخلداً للأمة الشيلية وعاش الديكتاتور وصمة على جبين تاريخ الوطن…

أيما سلطة تخاف من صوت العصافير، هي سلطة مستبدة تفشل حتى في مداراة استبدادها رغم “اجتهاد” تلامذتها في تزين بشاعتها…

هناك من لم يعجبه اعتقال الحاقد، ليس دفاعاً عن حق الانسان، بل خوفاً من تأخذ القضية بعدا أكبر فتُخدش صورة المملكة الوديعة، لكن لأن الاستبداد أعمى، فحتما سيمشي إلى حتفه من حيث لا يدري، فهل كان بينوتشي يظن إن استقدام فيكتور خارا إلى الملعب للانتقام منه، سيتحول إلى محاكمة له ولنظامه المستبد…

الطغاة لا يقرؤون التاريخ، يعتقدون أنهم يصنعونه، وينسون أنهم لا يفعلون شيئاً سوى أنهم يحجزون لأنفسهم مكاناً في مزبلته.

 

تعليق 1
  1. mohamed يقول

    مقالك سمفونية ايها الكاتب.. والحاقد اكيد يستحق لقب الرجولة لانه ابن الشعب وبقي يغني للشعب المقهور..
    فكوا قيود المعتقلين وقيود الرجال ايها الطغاة فانكم زائلون وفي مزبلة التاريخ قاعدون..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.