الجهل المقدس

يعرف اوليفييه روا الجهل المقدس بانه الاعتقاد بالديني المحض الذي ينبني خارج الثقافات ،ويتطرق له من جانبين ،اولا الديني الذي ينشأ خارج ثقافته الاصلية كما هو حال المهاجرين المغاربيين على الخصوص بفرنسا او الديني الذي يريد ان يقفز على الثقافة وينفصل عنها ليتحول الى ايديولوجيا تتحكم في كل مناحي الحياة …يضيف انه عبر التاريخ لم يكن هناك وجود لمجتمع ديني ،المجتمع بمفهومه الواسع المختلف عن مفهوم الجماعة الدينية،الجماعة الدينية تقوم غالبا على الايمان وأما المجتمع فيقوم على الامتثال لمنظومة رمزية وخيالية تبرر الية الحكم والنظام السياسي والاجتماعي ،ليس هناك مجتمع مؤمن بل هناك مجتمع ممتثل لثقافته …ثقافة يكون فيها الديني طرفا حتى ولو كان الطرف المهيمن …لنسترشد بتعريف اوليفييه روا للبحث في الماضي والحاضر..

استطاعت جماعة الرسول المؤمنة ان تصبح مجتمعا اسلاميا بعد فتح مكة حين قال الرسول “من دخل بيت ابي سفيان فهو آمن” وهنا استطاع الاسلام ان يوفق بين القيم الجديدة التي ساوت بين العبيد والاسياد وكانت السبب الرئيسي لثورة اسياد قريش ورفضهم للاسلام وبين رد الاعتبار لاسياد قريش ،استطاعت الجماعة المؤمنة ان تصبح مجتمعا اسلاميا لما اصبحت القيم الجديدة طرفا في منظومة قديمة جديدة حتى ولو تفوقت عليها والامثلة كثيرة بهذا الصدد في اندونيسيا يغنون القران على انغام الموسيقى الأمر الذي قد يعتبر كفرا وشططا في بلدان اسلامية اخرى وفي المقابل فان الاندونيسيين مشهود لهم بحسن السلوك وبالتسامح في الحج …

في المغرب ستجد فروقا كبيرة في التعامل مع الديني حسب المناطق ،تستطيع المرأة الفلاحة العاملة في الجبال ان تعري ذراعيها وان ترفع ثوبها عن ساقيها لكنها ظلت الى وقت قريب ممنوعة من الخروح في واحات الصحراء ..

كل البلدان الاسلامية احتضنت الاسلام بطريقتها ليكون متسامحا مع ثقافتها او لتطغى ثقافتها المتعصبة على قيمه المتسامحة …اليوم يعود الجهل المقدس ليطغى بشدة تحت مسميات عدة كالصحوة الاسلامية او الرجوع للاسلام ، ولست معنية هنا بالخوض في الأسباب لكنني ساقتصر على توضيح المظاهر..

ابرز مظهر للجهل المقدس هو الخوض في ايمان الاخرين وفي قلوبهم وفي كيفية نظرتهم للنجوم وفي كيفية صلاتهم ولباسهم .. يتمادى الجهل المقدس حين يريد ان يعيد النظر في ابسط تفاصيل الحياة من طريقة الغذاء الى تجاوز اكتشافات الطب بالعودة لتغذية فترة الرسول وطب الرسول يعيش الجهل المقدس مأزقا كبيرا حين يحاول تفسير الازمات الاقتصادية الكبرى بالربا او بالامتناع عن الزكاة لكنه يجد نفسه مجبرا على مسايرة النظام العالمي و عاجزا عن رفض كل المظاهر الاقتصادية المنافية لقيم الاسلام كدور القمار وتجارة الخمر ..ويصبح سخيفا جدا حين يلجأ الى اسلمة هذه المظاهر كما يحدث بالنسبة للبنوك ..

لان الجهل المقدس همه الاكبر هو الا يتنافى الان وهنا مع الديني المحض الخالص فلا مفر له من امرين ،اما أن يجد صدى لكل ما توصلت اليه الانسانية في الديني الخالص كقيم الديموقراطية التي قد يمنحها تعريف الشورى او الانجازات العلمية التي يسرقها بما يسمى الاعجاز العلمي ،وبهذا تتم أسلمة المنجز الانساني ب،نحن سبقناكم لهذا ،الامر الثاني وهو محاولة تكييف الديني مع الان وهنا في ظل هيمنة القيم الغربية العالمية كما يحدث مثلا بخصوص حقوق المرأة او حقوق الانسان بصفة عامة ..

الجهل المقدس هو بكل بساطة ملجأ العاجز غير القادر على ايجاد موقع في ظل ثقافة جديدة وواقع جديد وهو محاولة للانفصال او لتوجيه تلك الثقافة والتحكم فيها باسم الديني ،الديني الذي لا يمكن ان ينمحي في اي ثقافة كانت بكل ما يحمله لها من ايجاد المعنى ومن الاشباع الروحاني لكنه ايضا لا يمكن ان يقفز على الثقافة وعلى قوانين المجتمعات التي يبقى المتحكم فيها دنيويا أكثر

نادية عطية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.