الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وخطيئة الاستقواء بالخارج

لطالما تضامنت مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ضد كل انتهاك يمس مناضليها أو منع يطال أنشطتها، ولطالما لبيت دعواتها من أجل الخروج للاحتجاج سواء في مسيراتها أو وقفاتها، للتنديد بكل الخروقات والاعتداءات التي تقترفها أجهزة الدولة الأمنية في حق المدافعين عن حقوق الإنسان خصوصا، وفي حق المواطن المغربي على وجه العموم.

أقول هذا ليس من باب المن، فللجمعية المغربية لحقوق الإنسان فضل كبير على الحركة الحقوقية المغربية، التي تخرج أغلب أطرها من عباءة الجمعية، وتكونوا في فضاءاتها وتشبعوا بمبادئ حقوق الإنسان في مدرستها، ولعل أقل ما يمكن أن يقدمه المرء للجمعية ولمثيلاتها من الهيئات الحقوقية، ليس من باب رد الجميل فقط، ولكن من باب الثبات على المبادئ والانتصار لحقوق الإنسان التي لا معنى لحياة الفرد إذا ما حرم منها، هو الوقوف معها في هذا المناخ الحقوقي القاتم الذي يمر منه المغرب، والذي يتسم بتراجعات خطيرة عن كل المكتسبات التي تم تحقيقها سابقا، وهو ما يشكل تهديدا كبيرا وخطرا داهما ليس على الإنسان المغربي وحقوقه فقط، ولكن على استقرار البلد وفرص تقدمه وازدهاره أيضا.

لكن الاتفاق في تحليل الوضع، لا يعني بالضرورة الاتفاق في الخطط والاستراتيجيات، خصوصا حين يتعدى رد الفعل حدود المعقول، ويصبح الاستقواء بالخارج وسيلة لتدبير المعركة الحقوقية بالمغرب، وهو الأمر الذي أرفضه رفضا باتا، ولا أستطيع قبوله بأي حال من الأحوال ومهما كانت المبررات.

مناسبة هذا الكلام هو ما حدث يوم الثلاثاء 17 مارس 2015 في ردهات هيئة الأمم المتحدة، حين قامت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتوجيه رسالة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للهيئة الأممية، تمت تلاوتها أثناء انعقاد الدورة 28 لها بمدينة جنيف بسويسرا، تشتكي فيها الدولة المغربية للمنتظم الدولي، وتدعوه إلى التدخل من أجل إجبار المغرب على احترام التزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان.

ويبدو أن الجمعية المغربية لحقوق وهي تقترف خطيئة الاستقواء بالخارج، قد نفذت تهديداتها السابقة التي سبق وان أطلقتها مرارا وتكرارا، سواء على لسان رئيسها أحمد الهايج أو على لسان العديد من أطرها ومسيريها، لكن ما لم تلتفت له الجمعية في غمرة اندفاعها المحموم والذي أحسبه حسن النية، هو أن رسالتها تمت قراءتها في نفس الدورة التي شنت فيها الجزائر حملة كبيرة على المغرب وعلى وحدته الترابية، متخفية وراء القناع الحقوقي ومطالبة  بوضع آلية رصد مستقلة لمراقبة وضعية حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، وهو ما يعني عمليا انتقاصا من سيادة المغرب على أراضيه، وقبوله بالتدخل الأجنبي في تسيير الشؤون اليومية لموطنيه.

وإني لأسأل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن الوضع الحقوقي في الجزائر. هل هو وردي للدرجة التي لم نسمع معها عن أي توجه لهيئة حقوقية جزائرية نحو تدويل مطالبها؟ أم أن هناك خط فاصل كبير بين النضال والخيانة وهو ما يمنع الجزائريين مثلما يمنع كل الوطنيين عبر العالم من تدويل قضاياهم الداخلية والاستقواء المقيت بالخارج؟

وكم سيكون الأمر عبثيا ومضحكا، لو جاءني من يقول أن اللجوء للمفوضية السامية لحقوق الإنسان ليس استقواء بالخارج، فالجميع يعلم أن هيئة الأمم المتحدة وباقي المجالس والمنظمات المتفرعة عنها، ما هي في نهاية المطاف سوى وسائل في يد الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تفعل بها ما تشاء وتوجهها في الطريق الذي تريد والذي يخدم مصالحها، وهي الرؤية التي طالما عبر عنها قادة حزب النهج الديمقراطي الذي يسيطر مناضلوه حاليا على الجمعية، بعد أن تخلصوا بطرق أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تفتقر للديمقراطية، من أغلب القيادات اليسارية المنتمية للحزب الاشتراكي الموحد ولحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

إن الأجنبي لن يقدم لنا شيئا فيه خير، فهو محكوم أولا وأخيرا بمصالحه التي يعتمدها بوصلة لسياساته، وخير دليل على ذلك اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها للحوار مع بشار الأسد رغم كل الجرائم والفظاعات التي ارتكبها في حق سوريا والسوريين، واعتراف المنتظم الدولي بنظام السيسي في مصر رغم انقلابه على الرئيس المنتخب ديمقراطيا، وسجنه لما يقارب 40 ألف مصري مناهض للانقلاب العسكري، وقتله لآلاف المتظاهرين السلميين، واستصداره لمئات أحكام الإعدام في حق المعارضين.

وحتى لا نذهب بعيدا فلنا في قصة المغربي زكريا الموساوي عبرة لمن يريد أن يعتبر، حين استعملته فرنسا في وقت أزمتها مع المغرب، وفتحت له إعلامها وصحافتها وحتى قضاءها ليتهم عبد اللطيف الحموشي مدير الديستي ومعه مجموعة من المسؤولين الأمنيين في قضايا تعذيب، ليتم في رمشة عين طوي كل تلك الملفات، بعد أن عادت المياه إلى مجاريها بين الرباط وباريس، وليبتلع زكريا المومني لسانه بعد أن قال الشعر في القضاء الفرنسي وفي نزاهته وفي حياده وفي استقلاليته، وهو يرى ذات القضاء يبرأ كل من اتهمهم، بل وهو يرى الرئاسة الفرنسية تعتزم تكريمهم بأرفع أوسمة الشرف والاستحقاق، ليكتشف بعد أن فات الأوان أن فرنسا قد استعملته مثل منديل “كلينيكس” سرعان ما تخلصت منه حين لم يعد صالحا للاستعمال.

أما الحل فقد كان ولازال وسيظل هو الإيمان بالشعب، والعمل معه في كل مكان تحت سقف الوطن، لأنه هو الوحيد القادر على إحداث التغيير المنشود، تماما كما فعل حين التحم بحركة 20 فبراير، ما جعل الدولة تقدم تنازلات كبيرة ما كان أحد يحلم بها قبل ذلك.

وصدق من قال: “تموت الحرة ولا تأكل من ثدييها”!!!!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.