الجزء الثالث من التقرير المفصل حول مرافعة ناصر الزفزافي أمام المحكمة

إذا كانت من مزية لهذه المحاكمة فهي استفادتي لأول مرة في حياتي من الركوب في الهيلكوبتير. إن محضر الضابطة القضائية يجب أن يدخل إلى سجل غينيس، وهنا سأتحدث عن اقتحام منزل والدي بالحسيمة، في محضر الضابطة القضائية يقولون أنهم طرقوا الباب بهدوء، وأنه خرج عندهم أخي، وأنهم سألوه عن ناصر، وأنهم أدلوا له بهويتهم وبقرار النيابة العامة بتفتيش المنزل، ثم قاموا بتفتيشه وفق القانون…

أنا لدي فيديو، ومستعد أن نعرضه أمام الجلسة، هو في حوزة المحاميين، وهو فيديو يوثق للحظة مداهمة المنزل والذي يؤكد زيف كل ما ورد في محضر الضابطة القضائية، الفيديو يبين أن الفرقة دخلت بطريقة متوحشة، وركلت أمي المريضة، وتم إسقاطها أرضا، هذه الأم الشريفة العفيفة والتي حافظت على شرفها وعرضها في عز سنوات الفقر، وأسأل الله أن يجمّد الدموع في عيون من فعلوا ذلك، لأنهم كانوا يقولون لي عند الفرقة الوطنية نريد أن نرى دموعك تنساب، وأحمد الله أنه لم يستجب لدعوتهم ولم يروا مني ولو دمعة واحدة تنزل أمامهم.

(طلب النقيب الجامعي من القاضي أن يسمح لهم بعرض الفيديو الذي يوثق بعملية اقتحام منزل الزفزافي، فرفض القاضي ووعدهم أنه في آخر الجلسة سينظر في طلبهم، وهو ما لم يتم).

الزفزافي يستأنف مرافعته: لقد ركلوا أمي وانشغل والدي بنقلها إلى المستشفى، وبقوا هم يعيثون فسادا في المنزل، وهنا أفتح قوسا وأقول: أنا لا أكره وجال الأمن، بالعكس أنا أطالب بالرفع من أجورهم لتصل إلى 15 ألف درهم نظير المهام الجسام التي يقومون بها، البوليس والشرطة يعانون في هذا البلد، لا أقصد هؤلاء الشرفاء من رجال الأمن، فهؤلاء فوق رأسي وفي عيني وأشكرهم على ما يقومون به من أجل حفظ الأمن والطمأنينة، لكن سيدي القاضي لدينا رجال أمن كسروا الإنارة العمومية حتى يداهموا المنازل تحت جنح الظلام وحتى لا يسجل الناس ما يقع، وهناك رجال أمن كسروا الأبواب، وهناك فيديوهات توثق لهذا إن سمحت المحكمة أن نعرضها أمامها، وهناك رجال للقوات العمومية يتعاركون فيما بينهم بعدما سرقوا سلعا من أحد المتاجر، ورجل أمن يسرق هاتفا سقط من متظاهر…

أعود إلى واقعة المداهمة؛ بعد اقتحام المنزل بتلك الطريقة، ذهب والدي إلى المستشفى رفقة والدتي، وأخي لطفي لم يكن موجودا، الفرقة الوطنية حجزت أربعة مفاتيح usb كل واحد سعته 32 جيغا، وجميعها لم توضع مع المحجوزات، عرضوا علىّ محتويات هذه المفاتيح، وكانوا يهدّدونني بأنهم سينشرون هذه المحتويات، وتحديتهم أن يفعلوا ذلك، ومنها نشروا تلك الصورة التي قيل أنها على متن يخت، والحقيقة ليس يختا بل هو مركبا عاديا متاحا للكراء ب 100 درهم للساعة، وكنت أقوم بجولة على متنه لأني أحب أن أقترب من جزيرة حجرة النكور المحتلة من طرف إسبانيا إلى اليوم، وكان كلما اقتربت منها يحز الأمر في نفسي وأتساءل متى سترجع هذه الصخرة إلى بلدي؟ هذه المفاتيح الأربعة usb قلت لا توجد ضمن المحجوزات فأين هي إذن؟ ثم أيضا نشروا أنني امتلك ساعة تساوي 12 مليون سنتيم، وفي الحقيقة وجدوا ساعتين في المنزل، إحداهما ثمنها 190 درهما والأخرى 230 درهما، كانت هدية في عيد ميلادي قبل الحراك، لكنهم توهموا أنها ساعتين باهظتي الثمن، وبدورهما لا توجدان ضمن المحجوزات، وأعتقد أن الذي أخذهما ما زال يعتقد أن ثمنها يساوي 12 مليون، كل هذه الأمور كانت تتهافت المواقع الالكترونية: كواليس، برلمان كوم، شوف تيفي، طنجاوي… إضافة إلى الجرائد الورقية: الصباح والنهار والأحداث المغربية، وبالمناسبة أحيي كل الصحافيين الأحرار من غير هاته المنابر المخزنية.

سيدي القاضي، إنهم يمنعون الناس من الولوج إلى قاعة الجلسات، الريف يعيش مقاربة أمنية، والقاعة اليوم تعيش مقاربة أمنية كذلك.

على ذكر التعذيب اسمحوا أن أعود إلى كلمة ذكرها ممثل النيابة العامة، إذ كان قد قال كلاما رائعا يوم 6 مارس الماضي على الساعة السابعة والنصف مساء، حينها قال يجب أن نقف عند أي شيء يظهر الحقيقة، والتمس استدعاء رجل أمن ادعى أنه تعرض للعنف من طرف المتظاهرين، كلام النيابة العامة للأسف يكذبه الواقع، لماذا؟ لأنها رفضت ضم تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول التعذيب بالحسيمة والدار البيضاء، والمجلس مؤسسة دستورية، والنيابة العامة حين تطلب إبعاد تقرير مؤسسة دستورية فهي تهين هذه المؤسسة، فهل النيابة العامة تسعى فعلا إلى إظهار الحقيقة؟

فكرت مع نفسي هل من مصلحة البلاد أن نشير إلى هذه الأمور، فقلت نعم من مصلحة البلاد أن نثير هذا حتى لا يتكرر مستقبلا، التعذيب سيدي القاضي كان ممنهجا ولم يكن عَرَضياً، ألم تكن المسطرة الجنائية ملزمة للنيابة العامة لفتح التحقيق في التعذيب النفسي والجسدي، للأسف النيابة العامة فتحت التحقيق مع المعتقلين الذين صرحوا أنهم لم يتعرضوا للتعذيب، فما الجدوى من فتح التحقيق معهم ما داموا صرحوا أنهم لم يتعرضوا للتعذيب، في المقابل لماذا لم تفتح التحقيق معنا نحن الذين صرحنا أننا تعرضنا للتعذيب؟ حين حكيت للنيابة العامة ما وقع لي لم تحرّك المسطرة، ما جاء على لسان المتهمين مزاعم حسب النيابة العامة، فلماذا لم تفتح تحقيقا على مزاعمنا؟ عندما أدخلوني الفرقة الوطني حجزوا ثيابي الملطخة بالدم، هذا المحجوز يجب أن يرجعوه لي، لأنه سيبين هل كنت  أقاوم أم كنت أتلقى الضربات، كنتُ ألبس قميصا وسروالا أبيض، السروال الأبيض تحول لونه إلى أسود بفعل الدماء الغزيرة التي علقت به، وحينما يتجمد الدم يصبح لونه أسودا..

لقد استحمروني في الفرقة الوطنية، قالوا لي سنحاسب كل من اعتدى عليك، في النهاية أخذوا مني تلك الملابس ولم يرجعوها إليّ. التلفزيون وبعض المواقع الالكترونية أظهرتني وأنا شبه عاري، النيابة العامة التي كان من المفروض أن تقدم لنا اجابة مقنعة حول الفيديو، قالت بأنها فتحت التحقيق وأن صاحب موقع برلمان كوم تحفّظ على الكشف عن المصدر، اكتشفتم مؤامرة في شهرين، ولم تكتشفوا من سرّب الفيديو، فيا سبحان الله !! لم تستمعوا لي، كما لم تستمعوا لي في واقعة المسجد، اكتفيتم بالاستماع إلى الإمام وهو خصم لي، المهداوي الذي يفضح الفساد يتم اعتقاله، بينما صاحب “برلمان كوم” الذي ارتكب جريمة اظهار شخص عار مازال حرا طليقاً…

خرجنا إلى الشارع للمطالبة بالكرامة فعرّونا، النيابة العامة لم تنصفني في واقعة الملابس وفي واقع تسريب الفيديو، اذن فالتعذيب ممنهج، فهل تريدوننا أن نتوجه إلى ملك البلاد، كلما لم ينصفنا القضاء، ولم تنصفنا النيابة العام.

أعود إلى حادثة مداهمة المنزل الذي كنت فيه، في الجرائم الإرهابية نشاهد في التيلفزيون الفرقة التي تقوم بمداهمة منازل الإرهابيين يكون من بينها أفراد يقومون بتوثيق عملية المداهمة، حتى لا يتم الطعن من الناحية الشكلية في أن المداهمة لم تحترم القانون، لماذا لم يقوموا بهذا معنا؟ لماذا لم يوثقوا واقعة مداهمة المنزل الذي كنتُ فيه حتى يتبين هل أبديت مقاومة أم لا؟ عند اعتقالي كانوا يتلذّذون وكأنهم في عرس، وأنا بخبرتي في المعلوميات مستعد إن أحضروا لي هواتف من داهموا المنزل حتى إن قاموا بمسح الفيديوهات والصور التي التقطوها لي عند اعتقالي سأقوم باسترجاعها، لأن لدي تطبيق خاص أستطيع أن أصل إلى كل ما تم تخزينه في اي هاتف حتى إن تم مسح كل شيء منه، احضروا لي الهواتف والرقم التسلسلي لها وسأخرج لكم كل ما تم تخزينه فيها، من صور وفيديوهات توثق لعملية مداهمة المنزل الذي اعتقلت منه، وأنا هنا أرفع هذا التحدي.

لنعد الان إلى 2004 وإلى ذلك الزلزال، ومن حقنا أن نتساءل أين ذهبت تلك أموال المساعدات. ننتقل إلى سنة 2011 حيث شهدنا ميلاد حركة احتجاجية هي حركة 20 فبراير المجيدة، والتي شاركت فيها كل الأطياف المغربية من أجل الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، الدولة حينها اختارت منهجا للحفاظ على الاستقرار وهو المقاربة السياسية، وفي سياق هذه التضحيات استشهد خمسة شباب بالحسيمة، طالبنا باعادة فتح التحقيق، فتم حفظ الملف في زاوية ما، نعم كنتُ أشتغل عون حراسة، واشتغلت حتى في حراسة الأبناك وأعرف كيف تشتغل كاميرات الابناك، وهنا أفتح قوسا لأقول؛ أن ناصر الزفزافي الذي يعيبون عليه مستواه الدراسي، وانه لم يتجاوز مستوى الأولى باكالوريا، هو تقني ومتخصص في المعلوميات، وإذا ذهبتم الموقع الالكتروني التابع لشركة “نوكيا” ستجدونني رئيسا شرفيا لهذا الموقع لأني طورت برمجيات لصالح هذه الشركة، كما أن هناك “سورس” علمي باسمي؛ اسم ناصر الزفزافي، ومن الصعب أن يستغبيني أحد، فتلك الكاميرات الموجودة في الأبناك لا يمكن أن تضيع معطياتها حتى لو تعرضت للزلزال قوي وحتى إن كان هناك حريق، إذ أصلا هي مصممة لكي تقاوم كل هذه الأمور، وحتى إن وقع هناك حريق فهي موصولة بذاكرة موجودة في المقر المركزي للبنك بالدار البيضاء، لقد قيل للعائلات إن اردتم مشاهدة محتوى هذه الكاميرات عليكم أن تُأدوا أموالا طائلة، هؤلاء قُتلوا سيدي القاضي…

من سنوات 58/59 ثم سنة 1981 وسنة 84 ثم سنة 87 الى سنة 2004 وسنة 2011 ونحن صابرون سيدي القاضي، إلى أن جاءت وفاة محسن فكري، تولد لدينا خوف آنذاك أن يتم طمس الحقيقة كما تم طمس الحقائق قبلها، لقد أتلفوا سلعته أمام أنظاره، كان يقول لهم الشهيد محسن فكري إن قيمة هذه الأسماك تساوي 7 ملايين فرجاء لا تتلفوها، قدموها لدار الأيتام والعجزة، لكن إمعانا في إذلاله قرروا إتلافها أمامه في حاوية الأزبال، فوقع ما وقع، واستنكرت ساكنة الريف ما وقع، وأنا واحد من أهل الريف، كان لدي مشروع تجاري بسيط لإصلاح الهواتف أغلقته بسبب تراكم الديون والضرائب.

أتذكر في أيام الحراك قال ممثل المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال عندما وقع له شنآن مع ممثل الجزائر، انتم تقمعون المتظاهرين في غرداية والمزاب بينما نحن نفتخر أن المسيرات في الريف تخرج بشكل مستمر ولا أحد يقمعها، والناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك تحدث عن وجود ما يناهز 850 وقفة احتجاجية بالمغرب، كما أن شباب الحراك كانوا يضعون سلاسل بشرية لحماية الممتلكات وحماية المرافق العامة والخاصة، والعثماني اعتذر عن وصف الأحزاب الأغلبية للريفيين بالانفصاليين، استمرت الاحتجاجات، وناشدنا الدولة من أجل الحوار، وواهم من يريد أن يقنعني أن الدولة كانت جادة ومستعدة للحوار.

يتحدثون عن أن الاحتجاجات غير مؤطرة سياسية، أنا لا أفهم الأمر، فالاحتجاجات كانت سلمية، أذكر أن الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال الصهيوني بنفس منهج حراك الريف، أي بالسلمية، منهج العنف لم يكن أبدا خيارنا، لأننا سنكون أول ضحاياه نحن ونساؤنا، ونحن نعرف هذا الأمر جيدا، لن نقود المنطقة لأن عنف، ولن ننجرّ لأي عنف، ولن نستمع لأي دعوات تجر إلى العنف، فأستغرب للنيابة العامة التي تقول أن كلمة السلمية هي مجرد “كود” شفرة، هنا أستعير من ماركس كلاما، وأريد بالمناسبة أن أترحم عليه، لأنه قال كلاما عظيما، فأنا أترحم على ماركس وعلى كل من قدم خيرا للإنسانية، يقول ماركس: “إن الاحتجاج هو تعبير عن واجب الشعب، فإذا لم تحتجّ فأنت لا تهتم بالصحة السياسية لبلادك” انتهى كلام ماركس، لو لم يكن حراك الريف هل كانت ستحدث إقالات للمسؤولين، وهل كان سيتم معرفة مصير مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”.

إذا كان ملك البلاد لا يثق في الأحزاب فكيف تريدون أن نثق بها، نعم أحيي الأحزاب التي لم تنجر إلى تخوين وشيطنة حراك الريف، وحتى بعض الأحزاب من خوّنوا هذا الحراك، يوجد بينهم مناضلون شرفاء وهم يعرفون أنني لا أقصدهم بل أقصد قياداتهم. الأحزاب أصبحت حجرة عثرة نحو التقدم، يتهموننا بالانفصال مع العلم أنهم يعرفون أن ناصر الزفزافي كان يحصّن الحراك من أن يتم الركوب عليه لتحقيق مآرب سياسية، وكنتُ أقول أكثر من مرة: حققوا ملفنا المطلبي وسندخل بيوتنا، بقينا نحتجّ في زمن البلوكاج وهم منشغلون بتوزيع الحقائب فيما بينهم، وتعرضنا جرّاء ذلك لتعذيب نفسي وجسدي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.