الجرائد الاليكترونية بين الخيانة والوفاء

هكذا, وانا اتابع الاخبار في الجرائد الاليكترونية احاول ان اطلع على عناوين ما هو موجود بالصفحة الرئيسية  برشاقة, دون ان ابدي اي نقد او تعييب. فكل ما يوجد هناك ليس سوى احداث روتينية: حادثة سير, اغتصابات, قتل, سرقات, زيارة ملكية, قمع مظاهرة… تفاصيلها ليست لها اية اهمية بالنسبة لي, اتجه الى خانة ”الرأي” بتلقائية كأنني سأزور هذا الكاتب في مكتبه لنتناول القهوة , وفي خاطري ارتياح لما سأجده هناك. هي الخانة التي تهمني اكثر من غيرها. هناك اتوقف لأقرأ ما هو منشور. بعناية وتركيز بل اتمعن في الكلمات وسياق الجمل وحمولتها المعنوية. لعلي أخرج بخلاصتي المتواضعة التي تناسب افكاري وميولتي… فيا اصحاب الجرائد الاليكترونية دعوا المفكرين والادباء والشعراء ليكتبوا شعرا وإبداعا وعلما…

إذا اردنا الحديث عما هو اساسي في الاعلام, فعلينا ان لا ننطلق من إعلام العصر الورقي والاذاعي العمومي, ولا من المفهوم الخاطئ الذي تروج له السلطة الحاكمة والذي يكون هدف الاعلام بمقتضاه هو صناعة اخبار جميلة والتستر عن كل ما هو قبيح لا يصلح ان يكون مادة اعلامية. إن الاعلام الحر في الواقع لم يظهر الا في السنوات الاخيرة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي تتعدى السلطة ومراقبتها لتصل الى التوغل في ادهان المثقفين واستفزازهم ليعبروا عن اراءهم بدون شعور مع حرية تامة وبدون تملق ارباب الجرائد والمجلات كما كان عليه الامر فيما قبل.

ان نمط الاعلام الاليكتروني يتميز عن نمط الاعلام الورقي والاذاعي, بكون الاول يستطيع التحرك في جميع الجهات وبتكلفة اقل وله القدرة على ايصال المعلومة الى كافة المواقع مهما بلغت نائيتها ووعورتها, وفي ظرف قياسي وجيز جدا. فهو يمتلك نوعا ما, وبهذا القدر أو ذاك استقلال ازاء السلطة.

وللوصول الى دلالة الاعلام الحر فعلينا الانطلاق من الروح او الجوهر. ومنه وحده. فالوجود الحر للإعلام هو الرأي وليس شيئا اخر غير الرأي: انه مصدر حياته وهو الذي يسمح لأي جريدة او مجلة بالبقاء والاستمرارية.لكن حينما تخون الجريدة صاحب هذا الرأي وتحتفظ بما جاء في المقال لنفسها فهذه خيانة عظماء للمثقف وللمجتمع. لكن كيف يمكن لنا ان نقول هذا الكلام ونجزم على ان الاعلام يخوننا؟؟

من ابشع مظاهر الخيانة الاعلامية تلك التي يمارسها اصحاب الجرائد الاليكترونية تجاه المثقف,و هي تكالبهم المقرف على ما جاء في المقال والمتاجرة بموضوعه لتحقيق رشاوي ومآرب شخصية ضيقة او في اغلب الاحيان التملق للجلاد او عملائه لعله يجود عليهم بشيء من عطاياه الماكرة.- طبعا- إذا كان المقال ينتقد سياستهم او يفضح ما يتسترون عنه. وعندما تسأل عن السبب وراء التغاضي عن المقال وعدم نشره, تأتيك رسالة عبر البريد تؤكد لك ان المقال يمس شرف احدهم مع اعتدار -غير مرغوب فيه-  عن عدم النشر ويؤكد ان المسألة تتعلق بقانون الصحافة والنشر ولا يمكن مخالفة هذا القانون والمجازفة بمستقبل الجريدة, مع العلم ان قانون الصحافة واضح, لا يقيد حرية التعبير الى هذه الحدود. و في احيان كثيرة قد لا تجد حتى من يقول لك هذا.

وما يجب ان يعرفه اصحاب الجرائد الاليكترونية ان في عمود الرأي تصادف اناس لا ماديين لا يرجون من افكارهم سوى ان تصل الى ادهان القراء, وللقراء حق النقد والمناقشة والتعقيب.. في عمود الرأي مقالات لمثقفين متشبعين بقيم الاصلاح والديموقراطية والحداثة تنور الرأي العام وتجعل القراء امام حقيقة ومنطق كانوا عنه غافلين.. في عمود الرأي تسمع تأوهات ذلك الفقير الساكن خطأ بين جبال الاطلس وهو يموت هناك موتا بطيئا, وصرخات ذلك الطفل المتشرد وهو يركض بين زقاق المدينة باحثا عن خبز متروك يؤجل عنه شر الموت.. في عمود الرأي تقرأ عن معاناة ذلك العامل في المصنع والضيعة وحاضرة الابقار…وهو ينتظر غروب شمس النهار, وتلك الخادمة في البيوت وهي تسرق لحظات من شقاءهالتمسح مخاط انف طفلها وهو في معركة مع الذباب…

وختاما فعمود الرأي له دور كبير لا بالنسبة للجريدة التي تستعمله كسلاح متطور تدخل به حرب الحرية دون ان تخشى الانهزام ولا حتى الاستسلام لأن في الحرب السلاح اهم من موقع المعركة. ولا حتى بالنسبة للمجتمع النائم فوق سرير الإحباط والقنوط ويطلق عيوبا على الاعلام ويتهمه بالتعالي وعدم الاهتمام…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.