الجامعة المغربية بين تأبيد الأزمة وأمل الحل

لا شك أننا تستبطن في تراثنا منطق استتباع الآخر، وعدم الاعتراف بكيانه المستقل إلا تشدقا. لقد قامت السلطة مثلا تاريخيا على فقه الأحكام السلطانية، والذي ظل إلى اليوم هو الفقه السائد، على منطق الطاعة أو الخروج عن الجماعة، وبالتالي العزل السياسي للخصم، والإقصاء الاجتماعي، وتسويغ الإعدام الجسدي دون حتى الحاجة إلى حكم قضائي.
نفس المنطق هيمن في الثقافة السياسية لمغرب ما بعد الاستقلال، سواء بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية، أو في علاقة الأحزاب فيما بينها، يحتفظ لنا التاريخ الحديث بعدد مهم من الجرائم السياسية التي لم يمط اللثام عن أسبابها الحقيقية، ومرتكبيها الفعليين بعد.
نهاية المعارك بين القصر والأحزاب، أو بين الأحزاب مع بعضها البعض، كان يتحكم فيها دوما منطق غالب ومغلوب، وهو ما كان يترك “المنتصر” في زهوه، والمنهزم في أحقاده التي سرعان ما تنفجر ضد قوة مجتمعية أخرى، يريد أن يسترجع من خلال منازلتها، واستتباعها، بعضا من ماء وجهه.
تراث الطاعة والإجماع القسري، ومنطق الغلبة في مبتدأ الاستقلال، أضيف إليهما إرث الإيديولوجيات والأصوليات المنغلقة، والتي تؤمن بالعلمانية المقدسة، أو بالشريعة الحاكمة على غير معتقديها بالكفر، واستحلال الدم. كل ذلك كرس منطق الصراع المفتوح في فضاء الجامعة المغلق، والذي ناقض منطق الجامعة على ثلاث مستويات على الأقل:
– المستوى الأول: أن الجامعة فضاء معرفي بامتياز، وبالتالي يفترض في رواد الجامعة التخلق بأخلاق الباحث العلمي الذي يصل إلى نتائجه بمقدمات منطقية لا بعضلات جسدية.
– المستوى الثاني: أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نقابة وليس حزبا، أي أنه يفترض التعددية الفكرية والسياسية وليس الانسجام والتماثل
– المستوى الثالث:أن بنية النقابة تظل في عمقها إصلاحية، بالمعنى الإيجابي، وليست رأس رمح لإحداث تغيير ثوري قسري، لذلك حتى التمييز بين الإصلاحيين والثوريين في النقابة يظل متجاوزا لحد كبير لمنطق النقابة نفسها.
سقوط الجامعة في شرك مسلسل العنف القاتل تأسس بالإضافة إلى الإرث الإقصائي الذي يلقي بكلكله على المجتمع، إلى إرث نازع خصوصية الجامعة المعرفية والتعددية والإصلاحية. وهو ما جعل الجامعة فضاء الصراعات الهمجية، بالدلالات الحرفية للكلمة لا المجازية، التي تقصي المقدمات المعرفية، وتتبنى الذهنية الإقصائية، وتتغاضى عن خصوصية العمل النقابي أصلا.
كيف يتم الخروج من المأزق القاتل للجامعة؟
بالتأكيد يظل للقوى السياسية، خاصة تلك التي لها امتداداتها داخل الساحة الجامعية، مسؤولية كبرى في التأسيس لمنطق التعدد والقبول بالآخر، والذي ينبغي أن يظهر في أنشطة هذه التنظيمات خارج أسوار الجامعة عبر ندوات وأنشطة مشتركة، تجعل من الآخر وجهة نظر قابلة للنقاش لا تيارا معاكسا ينبغي كسره أو استتباعه. نزع الغطاء السياسي عن العنف بالجامعة مقدمة مهمة، ينضاف إليها السعي لميثاق أخلاقي بين الفرقاء السياسيين والفاعلين المجتمعيين في ترسيخ كون التعددية الفكرية متسامح معها إلى أقصى الحدود، ولكن قتل نفس فإنما هو قتل للناس جميعا، وهو ما ينزع عن العنف بالجامعة غطاءه الإيديولوجي.
لكن النقطة الأهم، هو إخراج الطلبة من حالة الصراع داخل نفابتهم أوطم، أو الاستتباع عبر اﻷشكال التنظيمية التي تقترحها وزارة الداخلية، وذلك عبر حل إشكال الإطار النقابي الطلابي بتقديم مختلف القوى المجتمعية وعلى رأسها الفصائل الطلابية مقاربتها للمسألة، تحت عناوين الاتحاد نفسها: الجماهيرية، والديمقراطية، والاستقلالية، والتقدمية. والأكيد أن العنف الأعمى، وهو دائما أعمى، لا يجد له مكانا في أي من هذه الشعارات. مؤتمرات وحوارات طلابية تجري تحت أعين حكماء من القوى الوطنية حتى تكون شاهدة على التوافقات، عاملة على إنشاء جامعة توظف لمصلحة الوطن وأحلامه، لا لإقبار الطلبة عبر عنف مدمر، ويدعم كل ذلك إعلام مسؤول لا إعلاما كل منتوجه إنما يصلح للإلقاء به في مجاري الصرف الصحي.
رحم الله الشهيد عبد الرحيم الحسناوي وكل شهداء الحركة الطلابية، وحفظ الله الجامعة من غربان السوء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.