الجالية المغربية بين مطرقة هولاندا وسندان المغرب

 

من الطبيعي أن تبرم البلدان علاقات التعاون. من الطبيعي أيضا أن يتبادلا الخبرات والمعلومات في شتى المجالات ليستفيد الواحد من الآخر. مثلا لأجل تطوير آليات التسيير والتدبير، لأجل تطوير التعليم والصناعة والزراعة، لتحسين الطب والعناية لاكتساب التكنولوجيا ، لتعزيز الامن ومحاربة الارهاب وصقل خبرات أخرى.

لكن هناك حدود لهذه الشراكات والتعاون ومن أهمها مصلحة الدولة والحفاظ على سيادتها وحماية مواطنيها. فتجد الدول يوقفون كل أشكال التعاون ويقطعون حتى العلاقات ما ان يحضر احساس بتهديد لهذه العناصر الثلاثة المذكورة أعلاه.

****

للمغرب علاقة متميزة مع هولاندا بحكم أن له في هذا البلد جالية كبيرة. حسب احصائيات سنة 2013 لوكالة الدولة المركزية للإحصاء (CBS) يصل عدد المغاربة الى 368.838 نسمة وأغلبيتهم الساحقة (95% تقريبا) ينحدرون من الريف وهم مسؤولون بدرجات متفاوتة في در جزء مهم من العملة الصعبة لفائدة المغرب.

أبرمت هولاندا مع المغرب عدة اتفاقيات تعاون ومعاهدات محورها الاساسي هو (أفراد) الجالية المغربية، ومن أبرز هذه الاتفاقيات، اتفاقية تقضي بتعاون المغرب مع هولاندا وتقديم يد المساعدة له في ما يخص البحث والتفتيش عن حالات فردية متهمة بتورطها في قضايا احتيال أو غش. فيفتح المغرب سجلاته الضريبية والعقارية للنظر فيها وفي المعلومات التي تحتوي عليها حول شخص معين. المعلومات التي تحصل ا عليها هولاند، تستعملها مثلا لغرض ثبت حق مواطن من أصل مغربي في معونات الدولة بمختلف أشكالها أو لتدحض الحق ما إن كانت لى الشخص المعني أملاك لم يصرح بها. قضية الاملاك مهمة جدا خصوصا وأن المعونات لا تعطى إلا في حالة الضرورة ويجب على طالبها أن لا يكون له رصيد مالي كبير في الابناك أو ممتلكات أخرى كالعقار مثلا قيمتها أكبر من الحد المسموح به قانونيا.

من بين المؤسسات المسؤولة عن توزيع هذه المعونات مؤسسة بنك التأمين الاجتماعي، (sociale verzekeringsbank ) المسؤولة عن المساعدات التي تخص التعويضات العائلية وتكملة التقاعد في حالة ما ان كان هناك نقص في التقاعد، أي أن الشخص يحصل منه على أقل من الدخل الادنى المحدد للمواطنين والذي تصر الدولة على أن تحميه.

 

في سابقة لم نشهدها من قبل وأحدثت ضجة كبيرة بين المغاربة، حيث بعثت هذه المؤسسة قبل بضعة أيام ثمانية آلاف رسالة دفعة واحدة الى المغاربة المسنين وتطلب منهم فيها بأن يمدوها بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية المغربية وتحذر الذين يحجمون عن هذا، بتوقيف مساعداتها لهم.

المشكلة لا تكمن في هذه الطلبات التي قد ترسلها المؤسسة الى زبنائها للتأكد من الحق من عدمه، بل تكمن في الانتقائية والتمييز الذي لا يقره أي قانون في هولاندا.

. القانون الهولندي يجبر مؤسسات الدولة بأن تعامل مواطنيها كأفراد وليس كمجموعات اثنية أو خاضعة لأي فرز آخر. فمثل هذه الرسالة إما أن ترسل الى فرد أو إلى الكل. قد سبق للمحاكم الهولندية أن أصدرت أحكاما ضد هذه الممارسات التمييزية لمؤسسات الدولة في حق مجموعات أخرى من المجتمع.

في تعليق لمؤسسة بنك التأمين الاجتماعي على الحدث بعد الاستنكارات الكثيرة التي سببت فيها، قالت بأنها سترسل لكل زبنائها رسالة بنفس المغزى..

إن مثل هذه الممارسات لن تجد في الواقع أي سند لها، إن التجأ المعنيون لحكم القانون.

السؤال الذي يجب طرحه الآن هو التالي: ما هي نية هذه المؤسسة وكيف عزمت أن تجري تفتيشها بعدما ستحوز على أرقام البطائق الوطنية؟ كيف ستفعل والاتفاقية الوحيدة المعروفة في هذا الصدد والتي تسمح بالقيام بمثل هذه العمليات، تتحدث فقط عن حالات شبهة وتخص فردا معينا وهذا مغاير جدا للعدد الذي قدر بثمانية آلاف؟ أتوجد اتفاقية أخرى، ربما سرية، تسمح بهذا؟ وإن لا توجد، فكيف لمؤسسة، أن تفعل، خصوصا إن تم التعامل مع عدد 8000 كحالات فردية فقد تكلف عملية البحث عشرات السنين؟ أم الامر هنا يتعلق بتخويف وترهيب الناس ليصرحوا بأملاكهم من تلقاء أنفسهم وهذا مستبعد جدا لان المؤسسة تحظى بمصداقية كبيرة رغم خطوتها التمييزية هاته اتجاه المسنين المغاربة؟

لا أحد يعرف الجواب، لكن إذا ما رجعنا الى الوراء، فسيتضح مدى شرعية طرح مثل هذه الاسئلة.

قبل سنتين أوثلاثة وفي إطار تبليغ وإخبار الحكومة للبرلمان الهولندي، يرد وزير على سؤال طرح عليه في قبة البرلمان تقريبا بما يلي: نحن الآن بصدد تقوية وتعزيز التعاون بين هولاندا ودول أخرى كالمغرب وتركيا كي يتسنى لنا أن نحصل على المعلومات التي نحتاج اليها وتهم ساكنة هولاندا من أصل هذه البلدان بشكل آلي. المفاوضات إيجابية وهي في نهايتها. الشكل الآلي هنا يقصد به ربط الشبكات الرقمية لتتيح الفرصة لهولندا الدخول بشكل مفتوح في سجلات الدولة المغربية. رقم 8000 آلاف سيفهم في حالة ابرام اتفاق بهذا الشكل الذي وصفه الوزير والذي له وللمؤسسة التي تواجد فيها مصداقيتها. وإذا كان هذا صحيح فطرح سؤال السيادة، سيفرض نفسه بنفسه.

سببت هذه المعلومة على لسان الوزيرارتباكا كبيرا وسط الجالية خصوصا مع سكوت تام للدولة المغربية حيث لم تدلي في هذا الموضوع بأي تصريح أو معلومة. لكن الجالية لم تنتظر طويلا حتى ظهرت الاشاعات التي يهمس ناقلوها بأنها صحيحة وأتت من مصدر عليم (القنصلية مثلا).

الاشاعة بنيت في مراحل وتفصل مدة زمنية معينة قد تصل الى أسابيع، المرحلة بالأخرى وكانت الاشاعة على الشكل التالي:

1. الإشاعة/المرحلة الأولى:

– نعم . الخبر صحيح. هولاندا تتفاوض مع المغرب وتريد أن يفتح لها سجلاته. ( خلق الخوف الى حد حبس الأنفاس، في المقابل صمت السفارة والقنصليات )

2. الإشاعة/المرحلة الثانية:

– المفاوصات جارية والحكومة المغربية قبلت بطلبات هولاندا (نشر الارتباك وتوسيع رقعته وحدته حتى أن الكثيرين لم يعودوا يحسون بالأمان . في المقابل صمت السفارة والقنصليات )

3. الإشاعة/المرحلة الثانية:

– الحكومة المغربية قبلت، لكن ملكنا لم يقبل بهذا ويعارض الاتفاق بشدة (زرع الأمل مقابل صمت في الوهلة الأولى، لكن بعد مدة أسبوعين تأتي مرحلة زرع الخلاص حيث تخرج القنصليات في كل من أوتريخت وروتردام وأمستردام عن صمتها ببيان كتابي يعلم المغاربة بأن ما يشاع فقط إشاعات زائفة وبعيدة عن الحقيقة).

إن تشكيل وتراتب هذه الاشاعات المتتالية ووضعها في جدول زمني محدد يؤكد في رأيي بأن المسألة مدروسة جدا من قبل وربما يوجد وراءها طاقم كبير حدد أولا الفعل والتأثير النفسي للاشاعة وحدد ثانيا الامر الواقع الذي يريدون خلقه بالاشاعة.

سنفهم هذا جيدا إن أخذنا بالشروط المتواجدة في الساحة آنذاك حيث شهدت الساحة الهولندية حركية قوية بموازاة مع الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب تحت مظلة حركة 20 فبراير، وكأن الدرس هو: أيتها الجالية، اياكم فرقابكم تحت سيفنا ولكم الكثير مما قد تخسرونه.. لكن الملك يحبكم.

مصداقية البرلمان الهولندي والوزير جعل الناس يستنتجون أن المسألة ليست اشاعة كما تدعي بيانات القنصليات، لكن بفضل تدخل الملك فقد أزيح الخطر الذي كان يهددنا.

عدة أسئلة يمكن طرحها، مثلا حول صحة أن نسمي ريفيووا أو مغاربة الشتات بالجالية؟ ما صحة تلك البيانات التي صدرت من القنصليات على ضوء سابقة عدد 8000؟ لماذا لزمت الصمت الدولة المغربية؟

لدي أسئلة عالقة. أسئلة كثيرة بقيت بدون أجوبة. سأنتظر. لا أريد أن أصدق ذلك المسن المغربي الذي علق على ضوء الرسالة التي توصل بها:

– مباشرة بعد أن فندت القنصلية ما يشاع، نصح بعض المسؤولين من القنصلية القريبن منهم بأن يهيؤوا أنفسهم ويرتبوا أوراقهم جيدا. لقد قالوا بأن لديهم وقت كاف حتى 01 يوليوز 2014 ليقوموا بإجراءاتهم. ظاهر أنهم يكذبون علينا في واضحة النهار. ظاهر أن المخزن لم يكتفي ولم يقنع بالأورو الذي نجلبه له بإخلاص، والآن هاهو يبيع ويشتري فينا، رأسا رقبة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.