الثورة المضادة

أسوء وأقبح الخيانات التي ارتكبت في حق الثورات الشعبية ببلدان تونس ومصر،وتجري الآن في سوريا،جاءت من جهة يسار السلطة المزور،الممثل على الخصوص في نمط من الأحزاب والكيانات السياسية الهرمة التي تماهت قياداتها مع الأنظمة المستبدة،وارتبطت مصالح بعض الفئات منها بشكل وثيق بمصالح الطغمة المافيوزية الحاكمة،على غرار ما هو حاصل في سوريا منذ زمن طويل.فليست خيانة ولا غدر قوى يمينية محافظة مثل الإخوان المسلمين،أو تيارات سلفية مهادنة للطغاة،ولا بقية اتجاهات ما يعرف بالإسلام السياسي،هي ما ينبغي أن نلوم أو نحاسب أو نتهم ،بالرغم من أنها تشكل القوى الأبرز ،في المشهديات السائدة ببلدان الثورات المغدورة،لما بات يروج في خطابات القوى الثورية والشبابية المحركة والدافعة للموجات الثورية الأولى،كثورة مضادة،أو كثورات مسروقة وملهوفة،أو ما شابه من التسميات الرائجة؛إذ ليست هذه بقوى ثورية جديرة بالمحاسبة،ولا هي بفاعل أصيل في العمليات الثورية،ولم تكن أصلا على صلة بأي نشاط ثوري يستهدف إسقاط أنظمة الطغيان،ولا مؤمنة بمشروع التغيير الجذري للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أنتجتها هذه الأنظمة،ولا واثقة من قدرة الشعوب والجماهير الثائرة على صنع تاريخها بإرادتها المحضة،وتقرير مصيرها بيدها.ولم يسبق لهذه القوى أيضا أن نادت أو تداعت إلى صيغة من صيغ العمل الثوري،على نحو منفرد،أو في إطار تحالفات مرحلية،أو جبهات موحدة،ولا أي شكل مبتكر يقود إلى حشد القوى لأجل التحضير لتغييرات ثورية أو حتى إصلاحات ديمقراطية حقيقية؛بل إن منها من عمل صراحة على إجهاض ونسف وتسفيه الجهود المبذولة في هذا الاتجاه أو ذاك،واستمات في موقفه المعادي لأي اندفاع ثوري يحرر الطاقات الجماهيرية ويسمح للقواعد المناضلة داخل مختلف الهيئات الحزبية والتنظيمات النقابية والعمالية والطلابية بالتحرر من وصاية القيادات المهادنة والقطع مع نهجها الانتظاري،وأساليبها في المناورة والمساومة وعقد الصفقات والكولسة وغيرها من الممارسات المدمرة للروح الثورية للجماهير العمالية والطبقات الشعبية،والمنفرة لانخراط فئات المثقفين الثوريين والمخلصين لأحلام شعوبهم في التحرر من البؤس والفقر والخوف وإهدار الكرامة الانسانية وكل مظاهر الاستعباد.ولا حاجة لضرب الأمثلة في هذا المقام،إذ تكفي العودة إلى أرشيف هذه القوى والتيارات للوقوف على طبيعتها المعادية للثورة،والتي أقرنتها اتجاهات مغالية منها بالفتنة الأقرب إلى الكفر.ولعل الشعوب تكتشف اليوم حقيقة ركوب هذه القوى موجة ثورات باغتت الجميع،وكيف أنها استثمرت كل إمكانياتها المالية واللوجيستية والإعلامية الضخمة،بمباركة أنظمة أشد رجعية وقروسطوية،لأجل السطو على ثمار الثورات والاستحواذ على السلطة،وكيف انتهزت مرحلة انهيار اليسار وإفلاس أغلب تنظيماته و تآكل رصيده الأخلاقي والمعنوي،وتكلس عقله التاريخي،وجمود آلياته التحليلية والنظرية، وتقليدية وتخلف وسائل فعله وتنظيمه،لتطرح نفسها بديلا في الساحة،وتحوز بالتالي شرعية شعبية عبر الآلية الديمقراطية التي لطالما خاصمتها وجادلت في مشروعيتها الفلسفية ونبذتها من مرجعيتها التنظيمية.
إنه إذا كانت من ضرورة للمحاسبة التاريخية للقوى التي غدرت بالثورات المنجزة،ومهما يكن موقفنا من “هويتها” الثورية،فإن الأجدر أن نخص بها تلك التي تصف نفسها بأنها سليلة التقليد الثوري و تتمثل مرجعياته الفلسفية والإيديولوجية،والتي لطالما انتظرت اختمار شروط الثورة،وأرجأت لحظة مباشرة العمل الثوري متحججة بغياب أو انتفاء الشروط الموضوعية والذاتية؛حتى إذا جاءت الثورة من حيث لا تدري كفرت بها وناورت لإجهاضها بأي ثمن،لأنها لم تأت وفق خطاطتها القديمة ونظريتها الجاهزة،أو لأنها في النهاية حملت قوى رجعية إلى سدة “الحكم” ليست بينها وبين الثورة إلا الصدفة أو اقتناص فرصة لا تعوض.ومن كان ينتظر أن تفعل هذا القوى غير ما فعلته وتفعله الآن من تصفية وهدم لكل المكتسبات السياسية،والتراكمات الثورية،تحسبا لأي استئناف محتمل لمسيرة الثورات المنطلقة،بصرف النظر عن العوامل التي اجتمعت في ميلادها،والأدوار الخفية لقوى خارجية في تنشيط بعض فعالياتها،أو حتى التدخل العلني والمكشوف لقوى رجعية معلومة للتحكم في صيرورتها،وتضييق الخناق على القوى الثورية المستقلة بخياراتها وتنظيماتها وقراراتها،والأنوية الصلبة غير القابلة للتطويع والإخضاع؛غير الواهمين أو ما كانوا خارج التغطية.فهم وحدهم من يمكن أن تنطلي عليهم مثل هذه الأوهام .لكن أيضا من القوى التي تستحق نقدا أقرب إلى الجلد هي تلك التي لا تزال إلى اليوم تتباكي على طهرانيتها الثورية المنتهكة من قبل ثورات ملطخة لا تحمل صورة النقاء الثوري الذي تراه الأجدر بكل ثورة حقيقية،متناسية أن الثوري الحقيقي إذا خانته أفكاره،أو لم تثمر أفعاله ما يسعى لتحقيقه لصالح شعبه أو من يناضل لأجلهم،عليه أن لا يقف متفرجا ينتظر المعجزة،بل يتوجب عليه كثوري قبل كل شيء أن يواكب الثورة العفوية بممارسة ثورية بقدر ما تُقوم وتنتقد،تعمل أيضا، كما كان يقول الماركسيون الكبار،على تصعيد “الحس السليم”لدى الجماهير الثائرة.
نحن فعلا أمام مشهد مخزي نرى فيه مجاهرة قوى تدعي أنها يسارية بمساندتها لأنظمة مستبدة تفتك بشعوبها وتذبح الثوار وتسجن المثقفين المخلصين،بدعوى أن الثورة ينبغي أن تكون نقية لا تشوبها شائبة الأصولية الدينية المدعومة خارجيا،أو بزعم عسكرتها وتسليحها وهي بدأت سلمية،كأن سير الثورات تحدده النوايا الخالصة والرغبات الذاتية،هذا مع أن هذه القوى تدرك جيدا أن السلمية في الثورات ليست بالقاعدة،بل هي منها الاستثناء.أما وأن الثورة الأكثر دموية لهذا القرن الجديد تجري على أرض “سوريا الممانعة” المزعومة،فهي لا شك من أسوء الأساطير التي ابتدعتها القوى المتخاذلة أمام امتحان الثورة،لإخفاء حقيقتها كأحزاب وتيارات منتحلة لصفات الثورية واليسارية،في وقت أدركت فيه الجماهير الثائرة وشبابها بالحس السليم أن هذه القوى هي فعلا من وصفت على الدوام بأنها بمثابة أجهزة كابحة للثورة وحليفة لنظام رأسمالي فاسد وقبيح.
ألم تكن أسوء السياسات الرأسمالية تخريبا للاقتصاد الوطني،هي التي تلك نهجتها أنظمة خلعت على نفسها رداء الوطنية والتقدمية مثلما فعل النظام السوري،وهي،علاوة على ذلك،رهنت مقدرات الأوطان لاقتصاد الريع تقتسم عائداته أقلية ضئيلة من العائلة الحاكمة وخدامها من الأمنيين والزبناء الأوفياء داخل أحزاب مزورة من بقية الخردة القومية والستالينية المنحطة،ومن المداحين وسط شريحة المثقفين المزيفين؟
في جميع بلدان الثورات،وباستثناء حالة تونس إلى حد ما،كشفت قوى ما يعرف ب”المعارضة” اليسارية،عن تصور بالغ الاختزال والضحالة للثورة والشعب،إذ جعلتهما من سلوكها وهويتها ك”معارضة”وجودها رهين فقط بالوصول إلى السلطة،مختصرة الشعب في حالة سياسية تقود إلى تقاسم السلطة أو نيل فتات منها بالأحرى،بدلا من تصوره كفاعلية طبقية تنشط انطلاقا من تقويض أسس النظام الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،وتحضر للتغيير الجذري،والذي ليس حيازة السلطة سوى محطته الأخيرة،أي تحصيل حاصل.وبدلا من الوقوف إلى جانب القوى الشعبية ضد السلطة وتطوير فاعليتها وأساليبها في الصراع وتنظيمها لتجاوز لحظة الانطلاق العفوية،راحت تطلق العنان لخيالها الانتهازي للتنصل من مسؤوليتها عن انحرافات الثورة،ومن السياسات الكارثية التي نهجتها طوال عقود وقادت إلى تعطيل الروح الثورية في صفوف الطبقات الشعبية،وانتهت بها إلى أحضان السلطات الاستبدادية. ولعل شباب اليسار المفلس والمعارضة المريضة بداء الشراكة مع السلطة القائمة في بلدان الثورات،كما يقدمه النموذج السوري،يبذل جهدا خارقا لوقف زحف الثورة المضادة،بدلا من التعفف من الثورات الجارية لكونها مخترقة من الخارج ومن قوى رجعية بالداخل،ويسعى بقوة إلى تجاوز أخطاء أحزابه ومنظماته المترهلة وحل المشكلات العملية للثورة بدلا من “الاستمناء” النظري في الوقت بدل الضائع،مدركا تجريبية الشعب الأعزل وقتاله بقدرات ذاتية محدودة،وهو قبل كل شيء يدرك جيدا أن المنحى الذي سارت فيه الثورة بعد تسليح المجموعات المقاتلة لا يعني السماح بحلول النشاط المسلح لمجموعات منغلقة،ومتحكم في بعضها بشكل ملحوظ،محل الثورة التحررية،ولا بتغيير مطالبها وأهدافها الاستراتيجية بمطالب فئوية وطائفية أو دينية،كما تسعى إلى ذلك الجماعات المسلحة من قبل السعودية وقطر،بممارساتها القروسطوية وتطلعاتها الاستبدادية المناقضة لروح الثورة وسياقها.لكنه في الوقت نفسه لا يسارع إلى “التعفف”الكاذب من دموية المجموعات المسلحة البارزة إعلاميا من مشتقات الأصولية الرجعية(القاعدة)،في حين أنه يعي أن بروز هذه الأخيرة لم يكن ليحدث لولا تقاعس من يعتبرون أنفسهم أحق بالثورة،ويتركون الساحة لها فارغة لتخوض مغامرتها،وتترك لليسار الليبرالي الوقت الكافي للتنظير لعبادة “اللاعنف” والتبشير بثورة سلمية “مخملية” على مقاسه وأخلاقه التسامحية الزائفة.والحال أن ذلك ليس بأكثر من مناورة ومدخل ذكي لإفشال الثورات جربته قوى قبلها في التاريخ فأفلح في إجهاض ثورات وتدميرها،وهي بها تتعظ وبنهجها تعتبر.
وأما سلوك شباب الثورة السورية بتمرده على قيادات اليسار “السلطوي” فيذكر بما حدث مع الأحزاب الستالينية التي باعت ثورات وحركات تحرر باسم الرزانة الثورية،واقترفت جرائم لا تنسى في حق الشعوب والطبقات العاملة،عندما تآمرت مع أنظمة تحت نفس “الحلف المقدس” الذي تقيمه اليوم بقاياها في الشوق الأوسط وبلاد الشام مع أنظمة توصف بأنها وطنية ومقاومة للامبريالية(الثورة الاسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي والأندونيسية مع حالة سوكارنو وغيرها)،كأن التاريخ يعيد نفسه بالضبط في الشكلين الذي افترضهما ماركس عندما يحدث أن يفعل التاريخ :المهزلة أو المأساة.
غير أن تركيز النقد على قوى اليسار بما اجتمع عليه من الأوصاف أعلاه،لا يعني تبرئة ذمة القوى التى سعت ولا تزال إلى تخريب العمليات الثورية،سواء تلك التي تعمل انطلاقا من مخططات سعودية لإفشال الثورات بإنتاج ممارسات وحشية ضارة بسمعة الثورة،أو تلك تعمل وفق نهج “قطري” للتمكن من السيطرة على النتائج في حال نجحت الثورات في التخلص من الأنظمة الحالية،كما حدث في حالتي مصر وتونس.
تحتاج قراءة تجربة الثورات الجديدة بشمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى مزيد من الجهد النظري والتحليلي للوقوف عند هذه المفارقة غير المسبوقة في تاريخ الثورات الحديثة،التي جعلت ثورات تسير جنبا إلى جنب مع ثورات مضادة في نفس الزمان والمكان،وحيث في المشهد نفسه تتجاور الخطابات المتضادة وتتعارك بلا هوادة وتتنافس على نفس المعين الرمزي الذي يجعلها ثورية في أعين الناس،وتقيم في نفس الساحات تلهب المشاعر وتحضهم على السير في خطى الثورة،قبل أن تنكشف المزاعم وتسقط الأقنعة في الهزيع الأخير من ليل الثورات المغدورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.