التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم: لماذا وكيف؟

  ليس المغرب من أول الدول التي انتهجت سياسة التوظيف بالتعاقد، ففكرة التعاقد تعود إلى العقود الأخيرة من القرن الماضي، حيث بادرت دول كثيرة ولأسباب داخلية وإكراهات خارجية مختلفة إلى نهج سياسة التوظيف بالتعاقد عوض التوظيف النظامي الذي يستتبع الترسيم في المنصب للموظف رفقة امتيازات أخرى عادة ما يُحرم منها الموظف بالتعاقد لأسباب سنأتي على ذكرها ونقاشها هنا.

ومن ضمن الدول التي تقبلت مُقترح التوظيف بالتعاقد في القطاع العمومي، وأخص بالذكر هنا قطاع التعليم، نجد فرنسا وإنجلترا والسويد ودول أوروبية أخرى، أما الدول النامية التي اتبعت نفس النهج فنجد من بينها كمبوديا والهند ونيكاراغوا ودول إفريقيا الغربية. سنخصص لكل دولة مقالا موجزا يلخص باقتضاب دوافع تقبلها لهذا الخيار، وكذا الأسباب التي تذرعت بها كل دولة في تبريرها لخيار التوظيف بالتعاقد.

         تختلف دوافع كل دولة في نهجها لسياسة التوظيف بالتعاقد، خصوصا في قطاع التربية. لكن سأقدم هنا جردا شاملا للأسباب التي تقف وراء نهج جل الدول المذكورة لهذا الخيار. من بين أسباب إقدام الدول على نهج التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم نجد:

(1) القدرة الضعيفة للوزارة الوصية على المجال في التعامل السريع والفعال مع التغيرات في نسب أعداد تسجيل التلاميذ الجدد، لأن معظم الدول العالمثالثية المذكورة عرفت في العقود الأخيرة من القرن الماضي تزايدا ديمغرافيا مطردا، وصاحب تركيب الزيادة الطبيعية هذا ضغط المؤسسات الدولية المانحة للمساعدات عليها من أجل فتح باب التمدرس في وجه كل الشرائح الشعبية، وهو ما شكل عبئا ماليا وإداريا كبيرا على هذه الدول التي تعرف  تعتبر أصلا دولا ضغيفة اقتصاديا وذات أنظمة إدارية بيروقراطية بالغة الجمود والتعقيد.

(2) أما السبب الثاني فيهم ضعف قدرة الوزارات الوصية في الدول المذكورة على التعامل السريع مع غياب الأساتذة النظاميين المؤقت عن العمل لأسباب صحية أو خاصة، وبطء إجراءات تعويض الأساتذة المتقاعدين، إضافة إلى الحاجة الدائمة إلى سد الخصاص، خصوصا وأن الدول المذكورة تعرف زيادة ديمغرافية مطردة.

(3) ويعود السبب الثالث إلى تجنب شريحة كبيرة من المتخرجين من الجامعات لمهنة التعليم نظرا لغياب أو انعدام محفزات مغرية كالترقي المهني حسب الأداء في العمل.

(4) أما السبب الأخير فيهم «أعباء» التوظيف النظامي المادية على هذه الدول. فعوض أن تعْمد هذه الدول إلى تخصيص ميزانيات أكبر لقطاع التعليم، نجد أنها تنهج غالبا سياسات قص أجنحة الميزانيات الهزيلة أصلا عبر إتباع مقترحات الحلول المرحلية التي تزيد طين الأزمات بلة، وهذا ليس اختيارا ذاتيا دائما، لأن معظم البرامج المماثلة كالتوظيف بالتعاقد غالبا ما تصدر عن المؤسسات الدولية الدائنة، ولي قول في هذا سأتركه لمقال لاحق.

         نهجت دول العالم الثالث المذكورة أعلاه التعاقد مع المدرسين أولا كسياسة تعليمية أولية غرضها فتح باب التّمدرس في وجه الجميع. وذلك حتى تضمن دعم المؤسسات الدولية المادي لها، لكن تجارب التوظيف بالتعاقد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأنها سياسة فاشلة في معظم هذه الدول، وخاصة بعد أن اتضح أن هدف هذه السياسة ليس «المدرسة للجميع»، بل هو إجراء تقشف يُبرّرُ غالبا ب «الإكراهات والأعباء» المادية لقطاع التعليم على الدولة. فمن جهة تنصلت الدولة من واجبها الدستوري والأخلاقي في توفير تمدرس ذي جودة عالية للمتعلمين دون تمييز أو استثناء، وأخلت بذلك بواجبها كسلطة مسؤولة عن القطاع، وفتحت الباب من جهة أخرى أمام كل أشكال شطط السلطة في حق الأستاذ(ة) المتعاقد من قبل مرؤوسيه. كما فتحت الباب بالتّبع أمام سُخط الأساتذة المتعاقدين على تدني أجورهم وحرمانهم من امتيازات الأساتذة النظاميين على زهدها وقلتها.

ومن الأمثلة على استغلال مرؤوسي الأستاذ له، وعلى سُخط الأستاذ يورد تقرير اليونيسكو والمؤسسة الدولية للتخطيط التربوي الصادر سنة (2005) حالات تشهد على العبث واللاهتمام الذي وصل إليه التعليم في هذه الدول: وتشمل هذه الممارسات استغلال بعض مدراء المؤسسات التعليمية لخوف الأساتذة المتعاقدين من الفصل بإجبارهم على تنظيف مؤسسات التعليم، وتكليفهم بالحراسة الليلية للمؤسسات التعليمية، والعناية بأشغال البستنة داخل المدرسة وإجبارهم على أداء أوقاتهم خارج العمل في أداء مهام إدارية من اختصاص أطر تربوية أخرى.

أما الأساتذة المتعاقدون فعبروا عن سخطهم عبر التغيب الغير مبرر، وعبر التخلي عن جزء من أجرتهم الشهرية لأطر معطلة مقابل تقاسم أعباء العمل معهم بتواطؤ من المسؤولين عن المدارس الذين تلقوا الرشاوى مقابل السكوت عن هذه الممارسات، كما أدى تكليف مؤسسات جهوية وإقليمية كالأكاديميات بتنظيم مباريات الولوج إلى التعليم إلى تجاوزات هددت الأنظمة التعليمية والسياسية بهذه البلدان، وشملت هذه التجاوزات شراء المناصب وأشكالا أخرى من الزبونية والمحسوبية في «منح» المناصب عوض التباري النزيه عليها، وهو ما حدا بهذه الدول إلى التخلي التام عن برامج التعاقد، والعودة إلى التوظيف النظامي لرجال ونساء التعليم حسب الاستحقاق.

         الآن وقد أتينا على ذكر أسباب نهج الدول لسياسة التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم ومآلاتها الخطرة، سنخصص ما تبقى من المقال للكيفية التي اعتمدتها دول التوظيف بالتعاقد في برامجها في هذا الشأن. على شاكلة دوافع نهج سياسة التوظيف بالتعاقد، تختلف أيضا كيفية التوظيف بالتعاقد وصيغِها باختلاف السياقات التي أتت فيها هذه البرامج في كل دولة. هناك نوعين من التعاقد مع الموظف:

(1) التعاقد كإجراء مستعجل مع موظف تتوفر فيه شروط معينة تحددها الوزارة الوصية، ويمتد لمدة زمنية محددة كموسم دراسي أو أسدس أو مدة أقل، ويُعتبر هذا الإجراء قرارا معتادا يمكن الوزارة من تعويض الأساتذة المتغيبين عن مهامهم لظروف صحية أو خاصة في ظرف زمني سريع، كما أنه يأتي غالبا دون اجتياز مباراة الولوج إلى المهنة، أو استيفاء التدريب والتكوين، ودون اجتياز امتحان الكفاءة المهنية، وعادة ما ينتهي مع استلام الأستاذ المتغيب لمهامه من جديد، أو تعيين مدرس(ة) نظامي مكان الأستاذ المتغيب. وتعرف بعض البلدان كالهند إجراء آخر يهم تعاقد المدرس(ة) مع أولياء التلاميذ الذين يتكفلون بأجرته الشهرية، ويقيمون عمله بمساعدة خبرة تفتيشية حكومية.

(2) أما التعاقد الأكثر علاقة بالتجربة المغربية فيهم اتفاق أكاديميات التربية والتكوين أو الوزارة الوصية مع مدرس بموجب عقد يُحدد الحقوق والواجبات للمُدرّس(ة). ويُحدّدُ العقد أيضا في هذه الحالة مدة العمل المتّفقِ عليها بين الجهة الوصية على المجال والمدرّس(ة)، وقد يضمّ العقد إضافة إلى هذا إمكانية التمديد في ظل توافر شروط معينة كالنجاح في امتحاني التأهيل التربوي والكفاءة المهنية، وقد يسمح العقد أيضا بإقرار الترسيم أو التعاقد الدائم في الوظيفة مع المدرّس(ة) كما سنوضح في مقال لاحق.

         إن المثير للقلق في أمر التعاقد هذا فعلا هو أن الجهات الوصية على القطاع غالبا ما تستفرد، بعيدا عن النقابات وتنسيقيات الأساتذة، بصياغة العقود، بحيث أن الأستاذ(ة) طرف العقد الآخر لا رأي له في العقد الذي يربطه بالمؤسسة الوصية، بل يُمنح نسخة عنه ليوقع عليه ويلتزم ببنوده مع حق الجهة الوصية المطلق في فصله متى تشاء، وهو ما يضع سلطة حساسة جدا في أيدٍ قد لا تُحسن استعمالها في ظل الغياب التام لأدنى شروط التحفظ على القرار، أو الحق في الطعن فيه أو المتابعة القضائية لهذه الجهات المسئولة.

إن هذا فعلا خرق مطلق لتسمية العقد نفسها، فالعقد بديهيا في حالنا هذا هو وثيقة يُصيغ طرفين موادها، وتتضمن بنودا تُلزم الطرفين، وعليهما معا واجب الالتزام به ولهما أيضا حق التخلي عنه إن أخل طرف ما منهما بواجبه تجاه أحد أو كل بنود العقد، وهذا هو الحال اليوم في تجربة التوظيف بالتعاقد في المغرب.

         تختلف إذا كما ذكرنا أسباب إقدام الدول على التوظيف بالتعاقد في التعليم، فمن الحاجة إلى سد الخصاص، مرورا بالانفجار الديمغرافي الذي يفرض هذا الخصاص كواقع معاش، وصولا إلى إقرار طرق في التوظيف أقل كلفة على ميزانياتها، ولو على حساب حقوق الموظف الأساسية، تتبع الدول سياسة التعاقد كآخر مقترحات العلاج التي تفرضها المؤسسات الدائنة. فآخر الدواء الكي كما يقال، لكن تجارب دول دخلت غمار التوظيف بالتعاقد أثبتت ولا تزال عجز التعاقد عن إنقاذ المدرسة العمومية، بل زجت بها في مستنقع ممارسات مشينة هددت وتهدد المنظومات التعليمية في البلدان النامية المذكورة، بل تهدد اليوم الاستقرار السياسي فيها بنفسها.

ذ.منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.