التنبيه إلى مابين الصحافي و”البراح” من انفصال

بعد أن وضع مؤتمر النقابة الوطنية للصحافة أوزاره، وتم تنصيب السي عبد الله البقالي على “عرش” النقابة الذي توارثه الاتحاديون والاستقلاليون أباً عن جد، تكون هذه النقابة قد أكملت دورتها وبلغت أدنى مستويات تحلّلها وانحلالها، البداية كانت مع ما سمي بحكومة التناوب، منذ وقتئذ والمسكينة (النقابة) تمشي بخطى حثيثة للمستنقع، وبدأت تتحلل شيئاً فشيئاً من مسؤولياتها المفترضة لتمارس المسؤوليات المطلوبة منها…

انتهى المؤتمر، وانفض الجمع الذي حجّ الى مدينة طنجة حيث انعقد المؤتمر السابع الذي انتهى قبل أن يبدأ، كلّ شيء تمّ الفصل والحسم فيه خارج أسوار بناية “بيت الصحافة”، المؤتمر كان مناسبة لتكريم الآباء والاعلان عن نتائج التعينات في المكتب التنفيذي والمجلس الوطني، بعده تحرّك التصفيق وتبادل التهاني بهذا النجاح الباهر لمؤتمر صاحبة الجلالة.

الغريب في الأمر أنه ثمة من ساهم في هذا “العرس الديموقراطي” من ألفه إلى يائه، وعمل على انجاحه بدءاً من التحضير، مرورا بالتعبئة لنجاح المؤتمر ووصولا إلى التصويت والتصفيق والسريط ( بالدارجة من فعل سرط يسرط سرطا، يأكل بنهم)…

وبعد أن “نجح” المؤتمر، انبرى بعض هؤلاء الذي سهروا على انجاح الحفل، ليكتبوا على صفحاتهم الفايسبوكية ويتأففوا من “مهزلة المؤتمر السابع للنقابة الوطنية..” مستعرضين أسماء النقباء السابقين الذين تعاقبوا على النقابة والذين توزعوا بالانتماء تناوبا إما إلى حزب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي، وكأني بهؤلاء لم يعرفوا هوية هذه الأسماء من قبل، ولم يطلعوا على تاريخ هذه النقابة وعلى واقعها الحالي إلاّ صباح اليوم أو مساء أمس على أبعد تقدير، رغم أن الواقع يقول أن الكلّ ذهب إلى المؤتمر وهو على علم مسبق بكل نتائجه وتفاصيله، ومن ذهب، فَعَلَ ذلك ليؤدي واجبه في أداء دوره التمثيلي لا غير، ومن يزعم أنه لم يكن يعرف ذلك، فإما هو كذّاب كذّاب، وإما هو في أقصى درجات السذاجة…

المؤتمر الأخير للنقابة الوطنية للصحافة هو وجه اخر من أوجه الضياع والبؤس الذي تعاني منه صاحبة الجلالة في هذا الوطن، وتعاني منه أيضا حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية… مازلنا كشعب وكصحافيين وهيئات سياسية وحقوقية ومهنية.. مازلنا ننظر الى الصحافة وفي لاوعينا تتحرك صورة “براح الدوار” أو إعلامي الدوار كما يسميه عبد القادر وساط في كلماته المسهمة …

مازالت الصحافة بالمغرب عرضة لتكالبات وضغوطات شتى، والمؤسف أن هذا الضغوطات لا تأتي من المخزن فقط فهذا امر وارد ومحتمل في ظل نظام سياسي غير ديموقراطي، لكن أيضا حتى من يُفترض فيهم أنهم مع حقوق الانسان ومع حق التعبير والرأي واستقلالية الصحافة تراهم هم أيضاً يروجون لصحافة على المقاس تتقن مهمة “البراح” ويبحث أهلها عن الدراهم والاغتناء بشتى السبل…

في افتتاحية لأحد أعداد مجلة الى الأمام التي كان تصدرها منظمة الى الأمام من فرنسا بعد أن تم ترحيل ابراهام السرفاتي مباشرة بعد خروجه من السجن بداية التسعينيات، كتب السرفاتي في هذه الافتتاحية أنه اثناء احدى حصص التعذيب التي كان يشرف عليها كبار الضباط، قال له أحد الجلادين وهو يترنح ويتمايل سكرا “سِيدْنا قَال لِينا بَعْدُو على السياسة واغتنوا وابحثوا عن النساء والخمر واستمتعوا كما تشاؤون”.. نفس الوصية تتكرّر بصيغ مختلفة لتكون الدليل المهني لصحافة يريدونها أن تكون مُهِينة لا مِهَنِية، ابتعدوا عن السياسة واغتنوا كما تشاؤون، ومن “سخن له رأسه” نحن له بالمرصاد، والعبرة كل العبرة ما زالت ماثلة أمامكم: علي لمرابط، علي عمار، بوبكر الجامعي، علي أنوزلا… والعديد العديد من الأسماء التي لم تقبل أن تعمل بالوصية.

كثيرا ما يتم الخوض في نقاش مغلوط، نقاش هل من واجب الصحافي أن يكون مناضلا حتى نسلم بمهنيته؟ وأرى أن هذا النقاش وفق هذا المنظور هو نقاش مغلوط، الحقيقة أن أيما صحافي يحترم أخلاقيات مهنته إذا كان في دولة غير ديموقراطية، دولة لم تستكمل بناء مؤسساتها، ما زالت تعيش على الريع والاستبداد فإنه بالضرورة هنا يكون “مناضلا” ليس هو من يختار ذلك، بل هو مناضل بالقوة هكذا ينظر اليه المخزن، وهو من يبوئه هذه المهمة، لأن من تحصيل الحاصل ان كان الصحفي يحترم نفسه ويحترم أخلاقيات مهنته، فبالضرورة أن يكتب عن الفساد وعن مظاهر الاستبداد وعن الاختلالات وعن… هنا سيتعرّض للمضايقات والاعتقال و…وسيقال عنه أنه مناضل في زي صحفي، رغم أن الحقيقة هي أنه صحافي في وسط لم يتشبّع بعد بقيم الصحافة، صحافي في وسط ما زال يربط بين وظيفة “البراح” ووظيفة الصحافي، لذلك ان خرج عن قواعد “تبراحت” فهو مناضل يستغل الصحافة  يجب التضيق عليه والتخلص منه، لتبقى الصحافة مهنة “نظيفة” من المناضلين، أهلها “الطيبون” يتقنون جمع الأموال وتقديم فروض الطاعة والولاء…

استبشرنا خيرا بما سمي تحرير قطاع الاعلام، وانتظرنا أن تكون لنا اذاعات خاصة ،وقنوات تلفزية تكسر نمطية تلفزة دار البريهي، لكن الذي حدث أن ثقافة البرّاح ميّعت كلّ شيء، هناك من هرّب أمواله من قطاعات مشبوهة ليمنح لها شرعية الضوء باستثمارها في قطاع الاعلام، لكن دون أن تكون له أدنى علاقة بهذا القطاع ولا حتى له استعداد لاحترام مقتضيات المهنة، بل منهم من فهم الاذاعة الخاصة أنه اذاعة له (خاصته) يفعل بها ما يشاء، الاذاعة الخاصة بالنسبة إليه هو خوصصة لوظيفة “البراح”، أي أن يكون لك “براح”ك الخاص تتباهى به بين أصدقائك وأعدائك، فيمكن لك أن تتدخل لتقديم هذه الأغنية دون تلك، واستضافة هذا الضيف دون ذاك، وتناول هذا الموضوع دون غيره، أي أن الصحافي هنا محرّد منفذ، مجرّد براح، و”مول الشكارة” هو الآمر الناهي…

إن هذه الأوضاع الكارثية التي تتخبط فيها صاحبة الجلالة، وكذا الانحلال التي بلغته النقابة الوطنية للصحافة، يطرح بإلحاح ضرورة البحث عن اطار بديل بعد أن استحال اصلاح الاعوجاج في الاطار القائم، وبعد أن مضى أيضا هذا الاطار بعيداً، ليس في التفريط في مشاكل الصحافيين بل للعبه أحيانا دور الراهب الذي يمسّد جسد الضحية بعد أن يكون قد قدّم كل المسوغات للجلاد، هذا ما حدث مع البيان الشهير لهذه النقابة خلال اعتقال الصحافي علي أنوزلا، إن الوضع يفرض الآن وليس غدا البحث عن اطار ليلم أصوات الصحافيين ويكفكف دماءهم التي تفرقت بين القبائل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.