التكوين المستمر وتحليل الحاجات

التكوين مطلب مجتمعي ومقوم من مقومات التنمية الاجتماعية، يروم تأهيل الإنسان وإحداث تغييرات إيجابية على مستوى معارف ومهارت واتجاهات فرد أو مؤسسة. ولما باتت مسألة أهمية العنصر البشري في كل مشروع تنموي في حكم المؤكد البديهي، فإن تأهيل هذا العنصر والرفع من أدائه باستمرار لن يتأتى إلا بفضل ممارسة التكوين ممارسة عملية وموجهة لتلبية حاجات المؤسسة المدرسية والاستجابة لخصوصيتها في ظل محيط يتسم بالديناميكية والتطور.

ولأن كل مشروع تكويني يخلف آثارا إيجابية في مجموعة أفراد ما يجعلهم أكثر كفاية ومقدرة لأداء مهامهم من خلال تكوين عادات فكرية وعملية مناسبة واكتساب خبرات جديدة، فإن الدافع الى الاستثمار في التكوين لن يكون سوى تحقيق التأقلم والتكيف مع التطورات والتحولات الداخلية والخارجية.

ماهية التكوين المستمر:

يشمل التكوين المستمر كافة أنشطة التكوين التي تأتي عقب نهاية فترة التكوين الأساس، وتستهدف إثراء وتحيين المعارف وتطوير الكفايات المهنية. وصفة الاستمرارية تجعل التكوين المستمر سيرورة إكساب المؤسسات والأفراد الكفايات والمهارات اللازمة لأداء مهامهم وأنشطتهم الخاصة على ضوء الاحتياجات الشخصية والمؤسساتية أو المجتمعية. وبفضل التكوين المستمر- وعبر أنشطته وبرامجه ، وانطلاقا من الأهداف المسطرة والمقاربات البيداغوجية المعتمدة – يصبح متاحا لكل شخص في إطار فردي أوفي إطار انتمائه المهني ، وبشكل منظم، تحقيق تكوين مستمر منتج.

يمكن التمييز في إطار التكوين المستمر بين المستويات التالية:

  • أنشطة للتنمية والتأهيل تهدف الى :
  • الحفاظ على التكوين المكتسب وتحصيل مؤهلات ومهارات من مستوى أعلى؛
  • مواكبة التطورات والمستجدات على مستوى المهام والأساليب والتقنيات، وتحسين الأداء باستمرار وتنمية الابتكار والتجديد؛
  • مواجهة وضعيات جديدة تتطلب مؤهلات جديدة أو الاندماج في أنشطة مهنية مختلفة.
  • أنشطة تندرج في إطار الاستعداد للامتحانات والمباريات المهنية ما يسهم في الارتقاء الاجتماعي للأفراد؛
  • أنشطة تمنح الأفراد فرصة تحليل كفاياتهم المهنية والشخصية، وكذا مهاراتهم وحوافزهم بغاية تحديد مشروع شخصي، أو مشروع للتكوين إذا لزم الأمر.
  • أنشطة تلبي الحاجيات البيداغوجية والمعرفية والمجتمعية للمتكونين، وتستهدف التكوينات بشكل عام التنمية الشخصية للأفراد.

تتخذ أنشطة التكوين المستمر شكل ندوات، ورشات ، لقاءات… تخلق باستمرار إطارا للتفكير وإعادة التفكير، وفضاء ثريا لتقاسم المعارف وتنمية الخبرات وتعديل التمثلات إزاء المهنة وتصحيحها، دونما الحاجة الى ضرورة فرض تقويم محدد للمكتسبات في نهاية النشاط. ويتغيا كل مسار تكويني تطوير أداء المؤسسة وتثمين مواردها البشرية، وتنمية مكتسبات التكوين الأساس، ومن ثم اكتساب مهارات وقدرات ومؤهلات جديدة تتيح ممارسة مهنة جديدة (إعادة التوجيه، إعادة التأهيل، وغيرها.)

 

جودة التكوين المستمر ومعاييرها:

يلزم عند تخطيط أنشطة التكوين اتباع أربع خطوات أساسية:

  • تشخيص الحاجيات: ما الذي يتعين إكسابه للمتكونين؟
  • تحديد أهداف التكوين: ما مقدار ونوع المكتسبات المتوقع تحصيلها من طرف المتكونين في نهاية التكوين ؟
  • اختيار الطرائق المنهجية للتكوين والتعلم: ما الوسائط الكفيلة بتحقيق الأهداف المسطرة؟
  • التقويم: هل تحققت الأهداف المنتظرة من التكوين؟

وتتوقف جودة التكوين المستمر على مدى توفر المعايير التالية:

  • حسن انتقاء الفئة المستهدفة بناء على معايير دقيقة ومؤشرات سليمة؛
  • تشخيص دقيق للحاجات انطلاقا من دراسة علمية؛
  • تحديد الأهداف المنتظرة من التكوين؛
  • اختيار مناهج وطرائق التكوين والتعلم؛
  • مشاركة فعالة للمتكونين؛
  • تقويم الحصيلة في نهاية التكوين.

تحليل حاجات التكوين المستمر:

الحاجة هي الفرق بين الطريقة التي نرغب أن تكون عليها الأشياء، وبين الطريقة التي تظهر عليه حاليا، ويمكن للحاجة أن تتخذ تعبيرات وتجليات متباينة: مشكلة، نقص…

يرتكز التكوين المستمر على تحديد الحاجات، باعتباره مدخلا مركزيا يؤمن مدى ملاءمة أنشطة التكوين المستمر -الذي يتولاه متخصصون وخبراء – مع الحاجة إلى تحقيق الجودة والكفاءة في العمل ، والقيام بالواجب على الوجه الأكمل. ويعد اعتبار الحاجات المنطلق الرئيس لتحفيز المتعلم الراشد للانخراط في التعلم والتكوين من المرتكزات البيداغوجية الأساسية لمنظومة الأندراغوجيا.

تحدد حاجات التكوين المستمر كفارق بين الوضعية القائمة بالنسبة لأفراد أو مؤسسة والوضعية المنتظرة، فالأمر يتعلق إذن بخطوة ضرورية أو على الأقل مفيدة بالنسبة للمؤسسة أو للأفراد أو هما معا لتحقيق هدف ثمين.   ويتم فرز الحاجات الجماعية انطلاقا من دراسة مجموع الحاجات الفردية التي تخضع لعمليات انتقاء ومعالجة ثم تنظيم للوصول الى القاسم المشترك الأدنى. وعلى ضوء الحاجات التي تم جردها يتوقف الانطلاق السليم لمشروع التكوين ولأنشطته، ففعالية برنامج تكويني معين تتوقف على اعتبار تغيير السلوك سيرورة للتعلم، هذا وكلما كانت المجموعة التي تستهدفها الدراسة أكثر تجانسا، كلما كانت عملية تحديد الحاجات الجماعية أو حاجات المجموعة سهلة المنال.

ويتم التمييز في إطار حاجات التكوين بين ثلاث مستويات:

  • مستوى يقف عند حدود اكتساب معارف، وهو مجال معرفي صرف؛
  • مستوى يرتبط بالمهارات والأداءات، ويحيل على المجال النفس-حركي؛
  • مستوى ثالث خاص بالاتجاهات، ويتصل بالمجال العاطفي.

ويعتبر التكوين وسيلة مباشرة لتحسين الأداء، خاصة إذا لم يركز على اكتساب معلومات فقط، واهتم في المقابل بالاتجاهات واكساب كفايات العمل والسلوك المهني للمتكونين، فقد ثبت أن الراشد يحتفظ ب: 10% مما يقرأ، %20 مما يسمع، %30 مما يرى، 50% مما يرى ويسمع في آن، 80% مما يقول، و90% مما يفعل بنفسه.

أصناف حاجات التكوين:

تتعدد أصناف حاجات التكوين وتتنوع، ومن بينها: الحاجات المعيارية، الحاجات المؤسساتية، حاجات المقارنة، حاجات الملموسة، حاجات متوقعة.

  • الحاجات المعيارية:

تنطلق هذه الحاجيات من التطوير المستمر للعلوم والتكنولوجيا، وبالتالي تستند إلى الحاجة إلى تحديث المهارات مع التقدم في البحوث، هذا النوع من الحاجات يحدده خبراء وأخصائيون ينتمون لمنظمات مهنية، أو يشتغلون في أوساط البحث. وتنتج هذه الحاجات عندما تعاني مؤسسة ما أو افرادا معينين من عجز أو نقص ما، ويكون الأداء دون مستوى المعيار أو لا يلبي التوقعات، ويرتبط ذلك في الغالب بإدخال عناصر جديدة ومبادئ توجيهية للممارسات مثل معايير وأساليب جديدة، ويتم إدراج الفروقات بين الممارسات الحالية والمعايير الجديدة التي وضعها الخبراء عن الحاجات المعيارية لمجموعة مهنية. عموما هذا الصنف من الحاجات يتلخص في عمليات التحديث والتحيين المفترض أن تطال بفضل التكوين كفايات المتكون ومهاراته.

  • الحاجات المؤسساتية:

ترتبط الحاجيات المؤسساتية للتكوين ارتباطا وثيقا بالمؤسسة المسؤولة عن النشاط التكويني. يتعلق الأمر إذن بالكفايات والمهارات التي تسعى المؤسسة الى توفرها لدى مختلف مجموعات المهنيين لأداء مهامهم.

  • حاجات المقارنة:

تشير الى الفوارق التي رصدت بين مجموعتين أو مجموعات، ونريد المقارنة بينها.

  • حاجات ملموسة:

هي الحاجات المنبثقة عن الفرق بين مستوى المهارات المهنية والمستوى المنتظر من قبل المختصين، ويمكن أن يكشف عن هذه الحاجات من خلال تحليل نتائج الاستبيانات، واستمارات التقويم الذاتي، وتجميع تقديرات الأقران، أو من خلال تقارير مجالس المؤسسات…، عموما فهي حاجات موضوعية تنبع أهميتها من التغذية الراجعة ومن فعل التقويم، فالتغذية الراجعة تعزز الأداء الناجح، وتتيح فهم طبيعة التعديلات المطلوبة لتحقيق نتائج أفضل.

  • حاجات متوقعة:

لها طابع ذاتي وتجيب على سؤال ذاتي يطرحه المتكون (ما الذي ينقصني؟) ، وتعبر عن الفارق بين مستوى الكفايات التي يمتلكه الفرد في إطار مهنة معينة ، والمستوى الذي يتطلع إليه. التقويم الذاتي هو ما يجعل الشخص قادرا على تحديد حاجاته ومتطلباته انطلاقا مما راكمه من تجربة وخبرة مهنية. وينظر الى هذه الحاجيات على أنها الإطار المرجعي للفرد باعتباره مركب لمجموع المعارف وخلاصات التجارب والظروف التي عاشها الفرد، وكذا موروثه الشخصي والثقافي، فعامل التجربة/ الخبرة أساسي للتعلم والتكوين ومنطلقا لتنظيم أنشطة الراشدين الذين يصعب معهم الانطلاق من مبادئ محددة غير مشبعة بتأثير سابق.

جدوى تحليل حاجات التكوين:

يستهدف تحليل حاجات التكوين رأب الفجوة بين الوضع الحالي والوضع المرغوب فيه عن طريق تحديد الاختلافات على مستوى النتائج، مع ما يستوجبه ذلك من عمليات ترتيب وانتقاء الأولويات لمعالجتها والاستجابة لها. تحليل الحاجات كخطوة سابقة لتنظيم أنشطة التكوين تضمن تحقق الأهداف، ودراسة الحاجات عمل يضمن التوفيق بين متطلبات الفرد من التكوين، والحاجة إلى تحسين كفاءة وجودة العمل، ومن ثم تطوير المؤسسة ككل. وللقيام بذلك، فإن تحليل البيانات يتيح تجميع أكبر قدر من المعطيات بشأن:

  • طبيعة ومستوى الكفايات المطلوبة لأداء العمل؛
  • المستوى الحالي من الكفايات بالنسبة للفئة المدروسة؛
  • آراء المهنيين بخصوص أدائهم؛
  • الأسباب المحتملة للفروق القائمة بين الوضع الحالي والوضع المأمول، وكذا الحلول الممكنة وفقا لوجهات نظر متعددة.

في نهاية المطاف، فإن التعبير عن نتائج تحليل حاجات التكوين وترجمتها لا يعود بدرجة أساس الى سياسة التكوين وأنشطته وبرامجه، وإنما إلى قاعدة المعطيات التي تعكس بدقة حاجات المفحوصين انطلاقا من البيانات المحللة ، فانطلاقا من هذه القاعدة يتم توقع تقديرات للتكوين.

ظروف تحليل حاجات التكوين:

يشكل تحليل حاجات التكوين خطوة حاسمة لهندسة تكوين مناسب يستطيع تقريب الفارق بين الوضعية القائمة والوضعية المنتظرة، ما يؤمن علاجا مناسبا لمشكلة محددة بكيفية سليمة. وطالما تكون الاعتمادات المخصصة لهذا النوع من التكوين في الغالب محدودة، فإن مجالات التكوين التي ستحظى بالأولوية هي تلك التي تحقق النتائج المرجوة، وتضمن الحد الاقصى لتكوين أفراد أو مؤسسات.

المؤهلات اللازمة لتحليل حاجات التكوين:

تقتضي مهمة تجميع حاجات التكوين وتحليلها امتلاك مؤهلات ومواصفات كفيلة بإنجاح العمل والتكوين معا، ومنها التحلي قدر الإمكان بالموضوعية عند تحليل المعطيات والبيانات، وإشعار المفحوصين بالأمان والثقة سيوفر للباحث معطيات دقيقة ومفيدة أيضا، فالمكلف بتحليل الحاجات مطالب بتخطيط مشروعه وتنظيم اجراءات التحليل بأكملها، مع ما يقتضيه ذلك من اختيار طرائق ومنهجيات واستعمال شبكات المعايير والمؤشرات التي سيعتمد عليها العمل التحليلي من أجل انتقاء وتدبير الاستراتيجيات التي تؤمن حصول التفاعلات المرغوبة مع مختلف المتدخلين والمعنيين، لذلك فإنشاء مجموعة يسند إليها تخطيط وهندسة العمل التحليلي أول خطوة في هذا الاتجاه.

على سبيل الختم:

تأهيل الموارد البشرية من صلب وظيفة التكوين المستمر الذي يراهن على تثمين هذه الموارد وتنميتها، لذلك فحضور سؤال التكوين وبقوة في كل اصلاح لمنظومة التربية والتكوين لا يحتاج الى تأكيد، وعدم طرح هذا السؤال لا يعني سوى استدامة أعطاب المدرسة، لأن الطموح إلى تثمين المورد البشري لا يمكن أن يتحقق بدون سياسة طموحة للتكوين، والاستمرار في الفصل بين استراتيجيات التكوين واستراتيجيات التنمية الترابية تقدير متجاوز، لأن رهانات التكوين ليست سوى جزء ضمن بنية رهانات المجتمع ككل.

 

jirinaw@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.