التعليم …عندما تكون الدولة ضعيفة

حالة “الضُعف” كما هي حالة “القوة” عند الدولة يمكن تشبيهها بالجسم في حالة السقم أو حالة الصحة. فهذا الاخير يصحُّ ويُقوَّى باتخاذ أسباب العناية المتعارف عليها من تغذية متوازنة و ثقافة صحية سليمة، كما يَعِلُّ بخللٍقد يطرأعلى هذا التوازن في غياب تلك الاسباب.

ومن أجل تبسيط الامور، نكتفي بتبني تعريف الدولة الموجز فيأنها هي القانون والمؤسسات. القانون باعتباره علم اجتماعي موضوعه الانسان في علاقته مع الاخر والمؤسسات باعتبارها كلنظام سياسي اجتماعي اقتصادي قائم.

ومن هذا المنطلق، نُعبِّر عن ضعف الدولة بغياب النصوص القانونية أو عدم ملائمتها مع الواقع المتغيِّر أو تقصير المؤسسات عن تفعيل هذه النصوص، وفي المقابل نصطلح على قوة الدولة في وجود القانون الملائم وتنفيذه السليم من قبل المؤسسات ومن تم انعكاساته الايجابية على الانسان.

كما يجدر بنا المقام أن نؤكد على أن هذا المقال لن يسعفنا فيه حجمه الصغير في الوقوف على كل علة كبيرة عند تشخيص الحالة الصحية للدولة، فكيف بالصغيرة منها وقد عجز المتخصصون والباحثون في حصرها.

لن نغوص كذلك في العِلّات الكثيرة التي يعاني منها نظامنا التعليمي و لن نستطيع كذلك والحال على ما هو عليه أن نبحث عن أي قيمة مضافة للبحث العلمي في نمو البلاد والعباد.

ولكن المقصود هو تسليط الضوء على طبيعة العلاقة الراهنة بين الفاعِلَيْن العام والخاص المتدخلين في قطاع التعليم ومدى فعاليتها في النهوض بالمستوى التعليمي.

في الثمانينيات، كان التعليم العمومي عموما يتميز بنوع من الصرامة في تقويم العملية التعليمية ومصداقية مقبولة على مستوى التقويمات الاشهادية ومنح المؤهلات مما نتج عنه بروز لظاهرة الرسوب والانقطاع عن العملية التعليمية بعد استفاء المدة القانونية في تكرار السنة الدراسية. ومن هنا جاءت البوادر الأولى لظهور التعليم الخصوصي ليستوعب هذه الأعداد المطرودة من التعليم العمومي مقابل رسوم شهرية.

هذا الاقبال على التعليم الخصوصي من قبل أعداد كبيرة من الاسر جذب شهية مستثمرين جُدُد، وخاصة بعد الطفرة التي عرفتها رسوم الاشتراك، للاستثمار في التعليم الخصوصي تحت عنوان الكل ناجح ولا وجود للرسوب،ولوعلى حساب مستوى المتعلم. الامر الذي ساهم في نُموه مجموعة من التغييرات التي كانت تعيشها المدرسة العمومية تحت ضغطموجات متتالية من الإضرابات التي عرفهاالتعليم العمومي وتزايد مخاوف الأسر على المصير الدراسي لأبنائهم.

ليس تمت ضَرَر في دخول المستثمرين لقطاع التعليم قصد تنويع العرض وسد الخصاص في بعض المدن (رغم كوننا لا نراه مثلا في العالم القروي). ولكن الذي يُؤْسف له هو حتى هذا النوع من التعليم أضحى يعاني في مجمله من اختلالات بنيوية وتربوية (على مستوى الأداء التربوي، وغياب دور جمعيات آباء وأولياء التلاميذ و وجود مؤاخذات في المذكرات الوزارية التنظيمية و التملص من أداء الضرائب، وعدم تقنين رسوم التمَدْرس التي تجاوزت كل الحدود،…).

في مقابل هذه الصورة نرى أن الدولة لازالت تنظر الى الاستثمار في التعليم العمومي على أنه إنفاقٌ “اجتماعي” بمعنى أنه استثمار “غير انتاجي”وبالتالي فالأجدر التقليص منه أو استدعاء شريك يتحمل أو يتقاسم معها عبء التعليم فكان اللقاء ثم الزواج (غير كامل الاركان) بين الفاعلَيْن العام والخاص.

وتبقى العلاقة بين الفاعل التعليمي العام و الخاص عقيمة يتيمة تحكمها صعوبة التوفيق بين المنطق الربحي للمقاولة “المدرسة الخاصة” والخدمة الاجتماعية الالزامية “التعليم” الملقاة أصلا على عاتق الدولة والمفوضة في جزء منها للقطاع الخاص.

والحاجة هنا الى تأكيد ضرورة تحمُّل الدولة لمسؤولياتها ولعب دورها كاملا غير منقوص في العملية التعليمية أصبحت ملحة و مصيرية بعد كل هذا الخلط في الادوار، ولا يعقل بنا أن نُعول كثيرا في بلدنا على التعليم الخاص لينهض بتعليمنا رغم وجود ترسانة قانونية يراه البعض محاباة لهذا الاخير.

فحتى جمعيات المجتمع المدني ما فتئت تدق نقوس الخطر بعد اغلاق أزيد 181 مؤسسةتعليميةعموميةبالمغربمابين 2014 و 2015، في مقابل تنامي ” ظاهرةالتعليمالخصوصي” باعتبارهاالرغبةالملحةلكلالأسرالمغربية.

وأخيرا ربما يتوجبعلينا كمجتمع الان قبل الغد أن نقبل بأن دور الدولة في التعليم لن يستطيع أن يلعبه لا قطاع خاص و لا مدارس أجنبية، فقضية التعليم أكبر من اختصارها في  حافلات للنقل المدرسي و أنشطة موازية كل أسبوع وبنايات زجاجية رغم أهميتها ولكن تبقى غير كافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.