التعاقد: سياق اقتصادي لفرض آبّارْتايْد توظيفي

تقديم
تعاني فئة جديدة مهمة من الأساتذة اليوم من حجر الحكومة على مكتسبات الوظيفة العمومية في قطاع التعليم يشبه في صميمه نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا “الآبارتايد Apartheid”. فكيف أتى إذا نظام التوظيف المذكور؟ وما هو سياق فرضه، باعتباره خيارا اقتصاديا صرفا، تتعلل الدولة بإقراره بضوائقها الاقتصادية التي لا تنتهي؟
على غرار الدول التي استقلت ولو شكليا من ربقة الاستعمار المباشر عرف المغرب صراعات تمحورت حول السلطة وسبل تدبيرها. خرج القصر من كل الصراعات المذكورة منتصرا ولو على حساب تاريخ دموي همّ اعتقال المعارضين وتصفيتهم وتعذيبهم بطرق لا إنسانية يعرفها الجميع اليوم. لكن، وعلى الرغم من التطورات التي عرفها المشهد السياسي إلا أن هناك خيط ناظم بينها جميعا، ويهم الحجر الاقتصادي المفروض بالقهر والعنف السياسي.
الضرائب: أحد الأسباب الأساس في “ثورات” المغرب المعروفة بالسّيبة قبل الاستعمار
قبل الاستعمار كان الصراع على السلطة في المغرب دوما صراعا همّ تظلم القبائل من شطط الضرائب التي فرضها النظام السياسي وغالبا ما شط في قدرها وفي سبل استخلاصها، كما همّ أيضا الصراع حول الشرعية الدينية لسلاطين البلاد. لكن “الثورات” كانت لا تتم دون استدعاء نفس مُثُل الشرعية ذات الطبيعة الدينية والتي ارتبطت أساسا خلال القرون المتأخرة بالزوايا الصوفية. وتم وأد هذه “الثورات” غالبا عبر العنف المفرط الذي شمل التمثيل بجثث “الثوار” “حتى يعتبر المُعتبرون”، وبالسلب بالقوة لأملاك القبائل التي دعمت أو أوت “الثوار”.
كانت الشرعية الدينية إذا على الدوام سبيل شرْعنة الحكم الوحيدة ووسيلة “الثائرين” الوحيدة لشرعنة نزع البيعة والطاعة واستثمارها في المنافس الجديد على الحكم. لذلك فشلت كل أشكال “الثورة” على السلاطين، لأنها لم تأت بجديد، كما أن توالي السلالات على الحكم لم يغير في كُنه الحجر على الضعفاء من قبل الدولة شيء. ففي ظل غياب المؤسسات الراعية وانعدام أشكال الفكر الدنيوية البعيدة عن الشرعية الدينية للحكم، وفي ظل شبه انعدام للتعليم القار المتطور لم يجد كل من نازع السلاطين السلطة من شيء لتبرير شقه لعصا الطاعة سوى التحجج بمُثُل الجهاد ضد غير المسلمين كنهج للسياسة الخارجية، وتوطيد الحكم عبر التحالفات القبلية وتلك التي ضمت زويا التصوف. لذلك يصعب الحديث عن تطور سياسي أو مؤسساتي أو أكاديمي لتصور السلطة وأساليب عملها التي كانت قد تقادمت وتهالكت أسسها قبل الاستعمار مباشرة.
لكن ومع تعطل إمكانات الاحتلال ولو مؤقتا منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين، والتي أتت عبر جهود المقاومة المحلية المسلحة، كان النظام السياسي المغربي، في صيغته التقليدية على وشك خسارة هيمنته التي أبّدتها حرْكات السلطان الحسن الأول. لكن وبعد وفاة هذا الأخير تمكن جيشه من وأد آخر “الثورات” التقليدية بقيادة بوحمارة. مع بداية القرن العشرين، ستتمكن فرنسا من السيطرة على المغرب، وستعمل بناء على توجيهات مستشاري الحماية على إدخال إصلاحات همت جل القطاعات. لكن، والحق يقال، يصعب في وضع مماثل أن نتحدث عن إصلاحات يعرف الجميع حاجة السلطات الاستعمارية إليها لتأبيد خضوع المغاربة والاستمرار في استغلال ثرواتهم الطبيعية.
خلال فترة الاستعمار ستنبه سلطات الاستعمار انتباه الدولة المغربية إلى موارد إضافية، لكنها استفردت بجل عائداتها مباشرة أثناء الاستعمار، وعبر الوكالة بعده. شكلت المنتوجات الفلاحية، والفوسفاط، والخيرات البحرية للمغرب أهم الثروات التي ساهمت في إنقاد فرنسا وأسلوب حياة الفرنسيين من حربين عالميتين خرجت في الأولى منهما منتصرة، بينما انكسرت تحت نير الاحتلال النازي في الثانية. فقد فرضت سلطات الاحتلال الفرنسي على الفلاحين فيما سمته “المغرب النافع” ضرائب المحاصيل التي كانت تؤخذ من هؤلاء غصبا، وتحت مراقبة دقيقة، ووظفت في سبيل ذلك كل أشكال الحيف من مصادرة المحاصيل كاملة إلى مصادرة الأراضي وسجن الفلاحين، أو نفيهم، ولنا في رواية مبارك ربيع الريح الشتوية نموذج روائي لأسلوب عمل سلطات الاستعمار في هذا الصدد. أما الفوسفاط، وبحكم حاجة استغلاله إلى التصنيع والتكرير، فلم تكن سلطات المغرب على دراية بفوائده، لذلك استفردت به السلطات الاستعمارية، بينما اكتفت السلطات المغربية باستغلال ما تكرمت به فرنسا عليهم على نزره ويسره. نفس الأمر ينطبق على الخيرات البحرية للبلد، والتي لازال الاتحاد الأوروبي يستفيد منها أكثر مما يفعل المغرب وأهله، ولنا في أثمان المنتوجات البحرية المرتفعة على الدوام خير مثال.
ما بعد الاستعمار: ميلاد القطاع الخاص المعاصر واستيلائه على تركة المعمرين
بعد الاستعمار عرفت سياسات المغرب تغيرا طفيفا هم بالأساس اهتماماتها السياسية، أو هي اهتمامات اقتصادها السياسي. لكن الاستمرار كان من نصيب الضرائب غير المباشرة على المواد الاستهلاكية التي تجاوزت على الدوام 60%. ستختار الدولة، إذا، في شخص الملك الحسن الثاني “نهجا اقتصاديا ليبراليا” يقوم على تشجيع القطاع الخاص، أو هو تشجيع أعيان البادية في الاستيلاء على أراضي المعمرين، وابتلاع طبقة التجار المقربين من القصر المستمر للملك العمومي. لذلك اتجهت سياسات الدولة نحو إعداد بنية تحتية، همت بالأساس “المغرب النافع”، وشكلت المدخل الأول والأساس الذي سيقوم عليه قطاع خاص يعبر عن تخندق الدولة في المحيطين الدولي والإقليمي في المعسكر الرأسمالي. ومن ضمن جملة المشاريع التي همت تشييد البنية التحتية يذكر البروفيسور نجيب أقصبي في كتابه الاقتصاد السياسي والسياسات الاقتصادية بالمغرب (2017) (عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات) تشييد الطرق والموانئ والمطارات والسدود، وقنوات الري، والمركزيات الكهربائية والاتصالات، والمناطق الصناعية والمناطق الحرة إضافة إلى مشاريع أخرى. كانت كلفة البنيات التحتية المذكورة كبيرة: فمثلا ابتلعت الاستثمارات الأساسية للري في الفترة ما بين 1965 و 1985 30% من مجمل استثمارات الدولة.
وفي الوقت عينه، توافر لدى الدولة إرث اقتصادي مهم تركه المعمرون الفرنسيون. هم هذا الإرث الرأسمال العقاري، والصناعي، والتجاري، والمالي، وعملت الدولة بموجب استعادة هذه الرساميل على مغربتها وخوصصتها. لكن عملية المغربة والخوصصة، وهما اسمان لإجراء واحد، شابها الكثير من الغموض. فمثلا استرجعت الدولة مساحة من أجود أراضي البلد الفلاحية تقدر ب 1017000 هكتار، أو ما يعرف بين الاقتصاديين ب “المليون هكتار”. وعندما بادرت الدولة إلى مغربة جزء من هذه الأراضي يقدر ب 728000 سنة 1973، لم يسترجع منها سوى 300000 هكتار، بينما اختفت 400000 هكتار دون إدلاء الدولة بأي توضيح بشأن مصيرها.
استمرت عملية مغربة إرث المعمرين وإرث الاستعمار الرسمي إلى حدود أواخر السبعينات. وتزامن هذا مع ما يسميه الاقتصاديون “بفترة ازدهار أثمان الفوسفاط في السوق العالمية، أو phosphate boom”. كان لهذا الازدهار، إضافة إلى مداخيل الدولة مع عمليتي المغربة والخوصصة، وقع إيجابي على الاقتصاد المغربي، وأثمر في مناح عدة في ازدياد نسب استثمار الدولة في جل أشكال الإنتاج الاقتصادية من فلاحة وتجارة وتصنيع وخدمات، كما كان وقع هذا الازدهار إيجابيا على نسب رواتب العمال في القطاع العمومي.
الملك العمومي: الفريسة الموالية بعد تركة المعمرين
لكن سوء التدبير الذي هم إدارة هذه المشاريع، خاصة في ظل العودة المتدرجة للمحسوبية والزبونية التي سادت تدبير الشأن العام في المغرب في فترة ما قبل الاستعمار، وتراجع أثمنة الفوسفاط في السوق العالمية سيُدخل البلد في أزمة اقتصادية بلغت ذروتها سنة 1983. وفي ظل الجمود البيروقراطي الذي طبع القرار السياسي والاقتصادي، اختار مدبرو الشأن الاقتراض من المؤسسات الدولية الدائنة، واستشارتها للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يعيشها البلد.
وبالطبع ستلبي المؤسسات المذكورة نداء نجدة النظام بالمغرب، وستشترط -كالمعهود- ثلاثي الخوصصة، ورفع الضرائب عن القطاع الخاص، وفتح السوق للاستثمار الأجنبي والمحلي. وبالفعل ستعمد الدولة إلى إحداث وزارة جديدة سنة 1989 (وزارة الخوصصة) لأداء مهمة الإجهاز على الملك العمومي، كما بادرت إلى تعديل قوانين الاستثمار قوانين التبادل التجاري على الرغم من الاحتقان الشعبي الذي بلغ ذروته خلال أواسط الثمانينات وبداية التسعينات، والذي خلف العديد من الضحايا الرافضين لنهج الاستيدان وشروطه، ولوقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الفئات الهشة بالبلد. واستمر مسار خوصصة الملك العمومي حتى السنوات الأولى من العقد الماضي.
وعليه تراجعت نسب استثمارات الدولة، وانكمشت إمكانيات تدخلها في الاقتصاد والاستثمار، بل أصبحت مكلفة بتدبير أعمال الخوصصة، واستخلاص عائداتها من أجل تدبير مراحل قصيرة عادة ما تنتهي بأزمة خانقة تُضطر الدولة معها إلى التخلي عن مزيد من الأملاك العمومية.
الخدمات العمومية: آخر فرائس القطاع الخاص
كانت الخدمات العمومية هي آخر قلاع الملك العمومي حتى منتصف العقد الماضي. فقد شرعت الدولة بداية بسنة 2000 في تحديد وحدات الخدمات العمومية في ملكها من أجل خوصصتها. وإلى حدود اليوم نجحت في التخلي عن النقل العمومي، وخدمات الماء والكهرباء والاتصالات، وخدمات نظافة المدن بمعظم الحواضر بالبلد.
يُعتبر التعليم والصحة آخر قلاع الملك العمومي اليوم. وليس هناك من شك في أن الدولة تنوي التخلي عنهما كما عبر ذلك رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران في خطابه في مؤتمر بنك التنمية الإفريقي سنة 2014. قال: “لقد حان الوقت لترفع الدولة يدها عن التعليم والصحة”. كما عبرت الوزارة الوصية على القطاع في عدد من وثائقها على مضيها في مشروع خوصصة التعليم على دفعات ستهم أولا التعليم العالي ثم باقي المستويات. ومن أثر هذا المشروع كما يُلحظ اليوم إقرار الوزارة لبرنامج توظيف الأساتذة بالتعاقد. ونظرا لحساسية القطاع وأهميته لمعظم الأسر المغربية، فقد بادرت الدولة إلى “تطمين” المواطنين بأن فوترة التعليم لن تهم الجميع، بل ستقتصر على الفئات “الميسورة”.
هذا إذا هو السياق العام لفرض نظام التوظيف بالتعاقد. فمنذ الاستقلال عمدت سياسات الدولة إلى تشجيع القطاع الخاص عبر إعداد البنى التحتية لخدمته، وأطعمته أولى ثمار الاستقلال من رساميل المعمرين الذي استمر منذ السبعينات إلى حدود منتصف الثمانينات. لم يجد القطاع الخاص الجشع ما يقتات عليه بعدها إلى أن شرعت الدولة في الاستيدان، وبموجب شروطه تخلت عن ملكها العمومي في الذي كان يعرف ازدهارا أتى عليه سوء التدبير، والجمود البيروقراطي للقرارين السياسي والاقتصادي، والفساد الذي كان ينخر مفاصله. ومع بدايات العقد الأول من هذا القرن استنفذ جشع القطاع الخاص جل ملك الدولة، كما استنزفت سنوات الجفاف والتدبير المرحلي الغير متبصر للأزمات المالية الدورية التي تعيشها الدولة جل استثماراتها، فلم تجد بدا من التخلي عن الخدمات العمومية. ويُعتبر قطاعي الصحة والتعليم آخر قلاع الملك العمومي التي تُجزأ اليوم. وعلى الرغم من حيوية كل الملك العمومي للحياة اليومية للمغاربة، إلا أن هذين القطاعين، على شاكلة الخبز والغاز، على درجة وجودية من الأهمية بالنسبة للفئات الهشة، فئة الأغلبية، بالمغرب. ويعتبر برنامج التوظيف بالتعاقد أحد أولى المعاول في هدم التعليم العمومي، وعلى الرغم من الاحتقان الذي يعيشه القطاع منذ أشهر إلا أنه يلوح في الأفق ميل لدى المسؤولين عنه في التسوية الطبيعية له، أي إدماج الأساتذة والتراجع الفوري عن كل قرارات خوصصته وفوترته. وعلى الرغم كذلك من التغير الذي يشهده المحيط الإقليمي في الجزائر والسودان، وأشكال الاحتقان المخنوقة في مصر، والتي تعود أسبابها بالأساس إلى السياسات النيوليبرالية المتوحشة المرفوقة بالقهر السياسي، إلا أن الحكومة اليوم لم تبادر بعد إلى تسوية الملف والتراجع عن تشريد فئة عريضة من الأساتذة والتي يُتوقع أن تتزايد أعدادها بشكل سنوي في ظل الخصاص في القطاع. فبينما تزداد بوادر تهديد السلم الاجتماعي بالبلد إلا أن المسؤولين لا ينون يكشفون عن عمى سياساتهم التي يؤكدها القرار تلو القرار.
جيفة الوطن
ولأن آخر قلاع الخدمات العمومية اليوم على وشك الضياع ما لم تسارع الضمائر الحية إلى انتشالها من أيدي المضاربين الخواص، فإن دور الدولة، في حال فشل مناضليها، سيقتصر على أداء مهام تُعد على رؤوس الأصابع، ولا ولن تشمل المسؤوليات الطبيعية للدولة كما يعرفها الجميع اليوم. ستحتفظ الدولة فقط بأجهزتها القمعية لأداء مهام معروفة ومعهودة اليوم:
• قمع المناهضين للحيف وسجنهم، وسحل المحتجين واعتقال متزعمي التظاهر على الأوضاع المزرية، التي ما إن نقول أننا قد وصلنا قرارها حتى تأتي أجندات أشد بأسا ووقعا، والتنكيل بهم اعتقالا وسجنا، وعزل عائلاتهم والتغاضي عن المُشهرين بأعراضهم.
• الدفاع المستميت عن فئة الأثرياء ومصالحها وخدمة أغراضها تشريعا وتنفيذا وقضاءا.
• جمع الضرائب لأداء مهمتين: 1) دفع أجور جهازها القمعي. 2) تفويض أداء مهامها لقروش القطاع الخاص دون المراقبة الواجبة لجودة أداء هذه المهام، ودون أشكال المناقصة القانوينة، بل ستُفوّتُ، كما يحدث غالبا اليوم، إلى شركاء المسؤولين أو أقربائهم أو المنتمين إلى نفس الحزب.
• الحفاظ على التراتب الطبقي عبر تطويع القانون، أو التلاعب به، وإقصاء البسطاء من المواطنين من حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
سيلاحظ القارئ أن معظم هذه الشروط شروطا مُعاشة اليوم، ولا نحتاج إلى أن نُسبغ عليها سين التسويف. والأمر كذلك فعلا. لكن ما الذي سيمنع هذه القوى المتوحشة من تعميق السياسات المذكورة والتفنن في تقنين صيغ السلب والقهر والحجر؟ لن يتبقى من الوطن سوى فئة عريضة من المُعدمين تقتات على الفتات الذي تمنحه الفئة المتخمة ماليا، بينما يستغل قروشها ثروات الوطن، بطرق أشد بأسا مما نعيشه اليوم.

منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.