التحكم والتحكم المضاد

لطيفة البوحسيني

واحد يقدم نفسه على أنه الضمير الحي والمدافع الشرس في كل ما يتعلق بقضايا حقوق الانسان والحريات وضمنها الحريات الفردية….لا يتردد في التعبير عن ذلك ولا يدع أية فرصة تضيع دون أن يسمعنا دوي صوته…بل يلجأ احيانا إلى الارتماء على أحداث عرضية وبعيدة كل البعد عما يشكل جوهر الحريات الفردية، فيستغلها شر استغلال ويوظفها ويحولها بقدرة قادر الى قضية حرية…مصرا في ذلك على أن يُحمل الحكومة كل المسؤولية فيما يحصل ومؤكِدا بالكثير من المبالغة بل وحتى المزايدة أن كل ما يقع من انتهاك لما يسميه تعسفا حريات فردية هو بسبب العجز الحكومي في تفعيل الدستور وغياب الإرادة لديها….هذا الواحد يسعى جاهدا بأن يقدم نفسه على أنه المنقذ من ظلام الظلاميين وأن النور ….نور الحداثة والديمقراطية سيضيء معه …هو حفيد الأنوار الكونية التي ستجعل المغرب في مقدمة بلدان المنطقة….والحال أن هذا الواحد نزل كالصاعقة على الساحة السياسية بدون لون ولا طعم ولا ذوق، كل همه هو الوقوف ضد كل من يقف في وجه مشروعه اللقيط.

وآخر يقدم نفسه مدافعا عن العدالة الاجتماعية ومعها التوزيع العادل للثروات…بل أكثر من ذلك، يسعى هذا الآخر ليقنعنا بأنه التعبير الأسمى للنزاهة والاستقامة وأن برنامجه الرئيسي هو محاربة الفساد بكل أنواعه، بل يقدم نفسه على أنه يشكل جدار الممانعة ضد التحكم…والحال أنه لم يُعرف عنه يوما وقوفه ضد الفساد ولا الاستبداد…بل الأدهى من ذلك، فقد بين في الحاضر وبما لا يدع مجالا للشك، قدرته على ضرب الحد الأدنى من المكتسبات التي تحققت بفضل نضالات أجيال من الديمقراطيين الذين أدوا من أجلها ثمنا غاليا…منعُ عدد من التظاهرات والمسيرات أو التهديد بذلك، الاقتطاع من أجور المضربين كتهديد واضح لضرب العمل النقابي، الهجوم على المتظاهرين بشكل سافر في عدد من المسيرات التي تم تنظيمها من طرف قطاعات واسعة…استعمال العنف في الشارع ضد كل من سولت له نفسه المطالبة بحق من الحقوق.هذا بالإضافة إلى سلوك بائد ومتعجرف لعدد من المحسوبين على صفه من الوزراء والوزيرات في القطاعات التي يسيرونها واعتبارها ضيعة خاصة يتحكمون معها في أنفاس الاطر والموظفين ويتخذون قرارات موجهين حولها تعليمات شفوية عبر الهاتف في ضرب سافر للقوانين والمؤسسات….وهو الأمر الذي يجعلنا نستشف أن الهدف من ادعاء مواجهة التحكم هو بالأساس من أجل تعويضه بتحكم آخر…هو يقاتل ضد التحكم ليخلو له الجو من أجل فرض تحكم آخر…

يجتهد هذا الآخر في تنويع المفردات و التوصيفات في شكواه مما يعانيه من مقاومة من طرف من أطلق عليهم العفاريت والتماسيح مرورا باستعمال الدولة العميقة وما تعنيه في مخيلة من يناضل ضدها لنصل مؤخرا إلى التحكم….ما يوحي بالظلم الذي يعانيه ويواجهه وحيدا معزولا…والحال أنه وقف ضد حراك اجتماعي واسع كان بالامكان أن يشكل لحظة مفصلية في الانتقال الى نظام أقل تحكما لو أن موقفه كان مختلفا حينها…أي موقف الانخراط في الحراك بشكل ايجابي وفعال.

فلا عجب إذن أن تظل دار لقمان على حالها….وكيف لها أن تتوقف حينما يصل إلى بيوتها وغرفها من ليس في ذاكرتهم ماض نضالي ولا نفس كفاحي.

ثنائية التحكم والتحكم المضاد ستظل كذلك ما لم تفرز الساحة المغربية صوتا ديمقراطيا حقيقيا…وهو على ما يبدو، سيحتاج إلى وقت ونفس طويل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.