التجار الجُدد وتمائم الاشهار

قد يعتبر من الأخد بالمسَلّمات موضوعَ الإشهار أمرا محسوما فيه ، إذا ما علِمنا أن نوعا منه ويُعرف بالدفاعي لا يستقيم إلا بالحفاظ على كل المكتسبات بقوة التّواجد المستديم في السوق وتعزيز صورة المنتوج بالعمل على ترسيخه في الأذهان ، وذلك من خلال التكرار عبر كل الوسائل المتاحة بُغية التحكم في سلوك المستهلك وترويض محفزاته على التجاوب التلقائي مع كل المؤثرات التي من شأنها إقناعه على مواصلة الإنصياع والوفاء ، ومن ذلك مثلا إقحام بعض الحلول السحرية في وصلات الإشهار ، وترمي إلى إغراء المستهلك وتثير فيه رغبة إقتناء منتوج قد يقضي حاجة ذات بُعد صحي أو جمالي أو مادي .

مُجمل القول أننا أمام فن قائم بذاته عرَّفَه المختصون على أنه تقريبا فن الإستهواء والإغراء على الإتيان بسلوك ما بطريقة معينة ، وكل عزم أو إقدام على تنفيذ عملية شراء ما ، مرده إلى التأثير على السلوكيات اللا شعورية ، لذلك نلاحظ التواجد الدائم لمجموعة من الشركات القوية في كل وسائل الإعلام رغم غلاء التكلفة ، تجسيدا لعملية الإستهداف المباشر لجمهور عريض من المستهلكين وبالتالي تحقيق نتائج باهرة من حيث الأرباح التي تغطي في كل الأحوال كتلة المصاريف . لكن في مقابل كل هاته الجهود والإجتهادات للرفع من وثيرة الطلب، يؤسفنا أن نعرض على أنظاركم وضعية مول الحانوت المزرية وسط ترسانة من الملصقات الإشهارية التي تجثم على أنفاسه وتخنق حرية إختياره وتعيق إلى حد ما إرتساماته وإنطباعاته أثناء أي إختبار في المفاضلة والتفريق ، ما يمكن إعتباره غزوا وإستعمارا ممنهجا ، بل يمكن إدراج هذا الشطط في إستغلال الشركات العملاقة لفضاء الحانوت في خانة الديكتاتورية الإقتصادية ، أو حتى أنْأى من ذلك يمكن القفز بأمان إلى غاية توصيف هذا الأسلوب الفج بالإستعباد التجاري نظرا إلى شح أو الأنكى من ذلك ، غياب نظير الخدمات التي يحصل عليها هذا الكائن التجاري كوسيط مخترق في عملية التسويق والترويج ، وماعدا الوِزْرات أوالقبعات عديمة الجودة فليس ثمة شيء يذكر ، وشخصيا أكاد لا أفرق بين هاته الشركات وبين ذوي النفوس الضعيفة ممن تقودهم معتقداتهم المنحرفة إلى ردع كل مكروه محتمل بشتى أنواع التمائم ، الظاهر منها والمستتر أو المتصل منها والمنفصل ، وهذا طبعا يُحيلنا على ظاهرة ضعف التأطير المتفشية كالوباء الفتاك بين السواد الأعظم من التجار ، ما يُسَهل عملية الإستفراد التي تنهجها في حقنا كل اللوبيات المحتكرة للسوق . ومساهمة منا في إنجاح هاته المهمة القدرة حملنا عتاد الحروب الوهمية وقصدنا ساحات الوغى الزرقاء أو الأصح الجدران الزرقاء ثم إنخرطنا في صناعة الكوارث وكولْها يلغي بْلغاهْ ، هذا بدل لَمِّ الشمل الذي أضحى على مرمى حجر بسبب يُسر التواصل وإلتحاق الشباب بمعسكرات التجريد من حقوق الإنتفاع .

لقد حَقّ علينا الإسقاط إذ إنصهرنا في نكتة تحكي أطوارها أننا مثل الكومبارص أطلقَ ساقيه للريح خوفا من لعب دور الفريسة في حضرة أسد حقيقي وسط مشهد إشهاري ، ولسان حاله يردد : – مابالكم تميلون إلى إقناعي قبل إقناع الأسد ؟ . إنها لَحقيقة مُرّة بدليل هروبنا المتواصل من مواجهة الأسود في وصلات إشهارية سيطرت ملصقاتها على عقولنا كالتمائم ، إلى أن صرنا كالبلهاء من فرط السحر إذا بقلبِ الحانوت يُخيّل إلينا أنه عرينهم . إنه لَمُنتهى الإندحار هذا المستوى الذي أوصلْنا إليه أنفسنا عندما إنطلق الكبرياء كالسهم من قوس خصالنا ، تتعقبه عيون يزورها النوم خلسة ، فلا تكاد تغفو حتى يوقضها الواقع من حلم بين قوسين ، فما نحن إستمتعنا بالحلم كاملا ولا نحن إنسجمنا مع الواقع كما ينبغي ، لتتوالى وتتفاقم الحوادث المهينة في قطاع التجارة على هذا النحو المقرف ، إذِ الناسُ ما إنفكوا لغاية بلوغ المستعجلات ، يعبرون الطرق مغمضي أو معصوبي العيون وهم بذلك في زعمهم إنما يسلكون أقصر وسيلة .

إنّ هذا العداء الحرفي الذي تخصبه وترعاه بيننا الشركات المستفيدة من إستبلادنا لم يعد مقبولا في زمن الألوان وتقنية رباعية الأبعاد ، وهاهو ذا حيوان الزّيبرا على بهيميّته يأبى إلاّ أن يتمرد في وجه الكاميرات بإظهار لسانه وأسنانه على حالتها الطبيعية نافيا عنه بذلك صفة أقدم مخلوق ، دائما ما كانت خطوطه تُحيلنا على زمن الأبيض والأسود . فلا تذهَبَن بكم الظنون سُدى وأنتم العارفون أن نوعا من السيارات العالية السمعة تحمل إسم هذا الحمار الوحشي .

حقيقة إنه لتجنّ على مول الحانوت بلغَت أساليبه قياسات وطيئة من الدقة والإحكام ، أمسى معها هذا الكائن التجاري كمَن إبتلع شواري من التْقاشر ، وعليه فقد بات إلزاميا الخضوع لعملية تفوسيخ جماعي تحت إشراف فقهاء لايخشون لومة لائم في إبطال حْجابات البّوبْليسيتي . ومَن يدري فلربما بعد تحريرنا قد تستهوي مآسينا منتجا ما ، فتصدر سيرة إعتقالنا على شكل سلسلة كرتونية ، لا أستبعد أن تلقى إقبالا فائقا لا يضاهيه ما حصدته حلقات الإخوان دالتون كأشهر مساجين الرسوم المتحركة ببدلهم المخططة ، مع فارق بديهي يكمن في أنهم من العصابات بينما نحن ضد كل عصابة ؟ .

لقد أصبح ضروريا أن تُبدع الشركات وتبتكر بوسائل فنية مناهجَ إشهارية ترقى إلى مستوى رصيدنا الفكري كتجار المرحلة الراهنة . فنحن التجار الجدد ندين بقوة المنطق كل إقصاء ممنهج في حقنا ، كما ندعوا كل العملاء إلى إعادة النظر في طرق توزيع المنافع والفوائد ، هذا لأن إنشاء سمعة نظيفة وإكتساب شهرة واسعة لأي مشروع ليس مقرونا فقط بحجم ونسب مبيعات السلع ، بل إن أساسها قبل كل شيء لن يكون مثينا إلا بتوفير الخدمات العامة والإسهام الفعال في إنجاح مجمل النشاطات الإجتماعية ، ما سيخلق جوا تنافسيا بين الشركات وقطعا سينال بعد جني المحاصيل كل طرف منها حصة .

*الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين بعمالة الصخيرات تمارة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.