البوح وتشكل المعنى.. قراءة في ديوان “أناديك قبل الكلام”

للا الهاشمية باباهاشم*

“أناديك قبل الكلام” هو الديوان الشعري الثاني للشاعر والناقد المغربي”إبراهيم قهوايجي” الصادر سنة 2012 بعد باكورته الأولى ” للأزهار رائحة الحزن” سنة 2007، فبعد رائحة الحزن، و.خمس سنوات في سراديب الصمت تتدفق هذه النداءات في تلافيف العبارة لتفجر البوح المتكور في عمق هذا الصمت، وتضيء تلك المساحات المظلمة والمتخفية من ذات الشاعر، عبر سيول من كلام بوحي مختنق بين سياقات اللغة القاصرة عن إيفاء المعنى.

إن هذا الديوان سفر في عمق الذات الإبراهيمية لكشف دواخلها والانطلاق في رحلة بوح شعري وتعري أمام القصيدة لمعانقة المعنى، فالشاعر وحده من يعرف شهوة البوح في الكتابة فاتحا  النوافذ على الذات بكل خصوصياتها وتفاصيلها الزمانية والمكانية، مشكلا نسيجا بوحيا جماليا يحتال به على متلقيه فيلامس ذات القارئ ليولد فيه رعشة الانبهار والدهشة .

وإذا اعتبرنا البوح لعبة الكتابة التي لجأ إليها ابراهيم قهوايجي في بناء عوالم هذا المتخيل الشعري وإنتاج كتابة شعرية مكتملة المعنى الفني، إذن ماهي أهم تمثلاتها في الديوان؟ وإلى أي حد استطاع هذا الأخير من خلال بوحه خلق جمالية أسلوبية ولغة خاصة به تغوص في مناطق ذوقية عميقة؟

يعتبر البوح الفضاء العريض الذي يعانقه الشاعر لخلق معنى جمالي جديد وتحرير رؤية شعرية خاصة به، والمتتبع لخيوط البوح في هذا الديوان يجده يتجلى في كل معالمه من عناوين ومفردات وأسلوب وصور ومضامين، فلا تكاد تخلو قصيدة في الديوان من هذه الصبغة الجمالية بل نجد البوح القاطرة التي يعبر منها الشاعر لمعانقة المعنى بصيغ متعددة : مرة بصيغة الحزن والفقد والألم وأحيانا كثيرة بصيغة الحب وما يتولد عنه، فلنتأمل قول الشاعر ابراهيم قهوايجي في قصيدته ” هذا جناه الحب علي”:

“يقول المعزون: أنت خليفته

عجبا !..

أ لأن ملامحه انطبعت في محياي؟

كيف أكون خليفة من

تبره ينتهي قبل أن

ينتهي تبنه، وأنا”

ما أزال صريع حزني…؟

زهرة الدموع

تعانق منعطف الصمت

يسرقها الحزن إلى الحزن

ألقا أو أرقا،

في كل الجهات….[1]

لعلنا هنا أمام ومضة تستنطق الذات في رعشة خاطفة تعري إبراهيم المختبئ تحت شعره وتفضح حزنه لموت والده، فقد سخر هذا الأخير تجربته الشعرية للتعبير عن هول الفاجعة دون أن ينصاع لنرجسيته الكامنة خلف نصه الشعري، ويقول في قصيدته ” أناديك قبل الكلام”:

      مجازا أقول: فرحت

     ويمتد غيم حزين أمامي،

وأمتد في ما تبقى من أريج الذكريات..

ثمة فرشتان

تهبانني ضوء في المدى

فتحترقان،

ويحملني طائر

إلى جهة الصدى..[2]

انه بوح نابع من عمق الألم وتوتر الذات وتفجرها، فكلما تفجرت الذات، تفجرت اللغة معها مخلفة سيلا بوحيا تلتذ به الأذواق ، ورغم  هذه النغمة المأساوية المرتبطة بلحظة من لحظات تجربة الشاعر نجده بالمقابل يبوح بفرحه وحبه للجمال السرمدي كما يتجلى ذلك في قصيدة “سكرة” يقول:

تلبسين السكر وتقولين لي:

اشرب…

أتوجه إلى القصب

يهرب..

أسافر الى البن

يغضب…

تجلد…

وأرى ذهب القهوة في الفنجان

فرقد..

أشرب شعاع شمس

لا ينضب…

لا سكر الآن

غير الذي في شفتيك

يتحلب…[3]

فهذا بوح عشقي يمتزج فيه الوجداني بالأسطوري بلغة صادقة تخطف القارئ وتنقله إلى اللامنتهى ليرتشف مع الشاعر سكر الكلمات ويتلذذ برذاذ الحروف.

وغير بعيد من هذا البوح الجميل، تتدفق ذات الشاعر مرة أخرى فرحا وحبا في قصيدته ” حبيبة فوق العادة” حيث يقول في مقطع منها:

ها أنت أخيرا..

تجلسين حاملة ورود دمي

كل سنة فرح لا ينام

وحفل يقام..

أيها الإبراهيم

رد لي بسمة الطفل

حين يخجل الظل من ظلي

فيهمس لزهرتي بالشعر

للأطيار..

أحبك..[4]

ولا يقف الشاعر عند هذا الحد بل يسافر بنا في عوالمه الشعرية الخاصة عبر سياق البوح بما تختزله الذات من رؤى ومواقف إلى معانقة الحيرة والضياع والبحث عن أجوبة شافية للذات المنجرحة، يقول في قصيدته ” متى تغرب النايات “:

خزان حزنيك

صك الشوك في رئتي

إلى متى تغرب النايات ياأبتي؟

متى تقوم

وفي كفيك أدعية

للجائرين على فانوس أسئلتي؟

ستون حزبا

ونبتات الجنان فم

فكيف لا يحزن الإلفان يا أبتي..؟[5]

إنها أسئلة وجودية تنبثق من لغة شعرية مكثفة تعبر عن رؤية إبداعية تنقل التجربة الخاصة من الدفقة الشعورية إلى المستوى الإنساني، متجاوزة المضمون المباشر لتعيدنا إلى أنفسنا وتجعلنا نعيد طرح الأسئلة في أعماقنا عن أسرار الحياة والموت والوجود، إن الشاعر هنا يرتقي بإحساسه إلى نسج صور جمالية تكون موضوعا مشتركا مع قارئه.

هكذا نجدنا بعد هذه الرقصة على نغمات البوح وخيوطه المتشابكة في هذا المتخيل الشعري الرائع أمام عالم خاص مشيد بصدق العاطفة وحرارتها التي اشتعلت بوحا على الورق مما جعلها تجربة شعرية استثنائية أنضجتها الأيام فاستطاعت نقلنا معها إلى الزمان والمكان الذي اختارته ، كاشفة عن قدرتها على التأثير وسلب القارئ.

ومنه ف “أناديك قبل الكلام “، هو فض لبكارة الصمت الرهيب، و إبداع جديد ينضاف إلى مخزون الشعر المغربي الحديث وهو جدير بالقراءة وبثقة القارئ.

[1]–  ابراهيم قهوايجي : أناديك قبل الكلام ، منشورات اتحاد المبدعين المغاربة، الطبعة الأولى 2012، ص 120

– نفسه : ص 31[2]

– نفسه: ص 62- 63[3]

– نفسه : ص37[4]

– نفسه: ص 129[5]

*باحثة سلك دكتوراه بكلية الاداب والعلوم الانسانية القنيطرة ، تخصص نقد حديث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.