البقالي في جنازة والده.. شعلة ذابلة في يوم طويل من الألم

ينشر بالاتفاق مع موقع جريدة “ملفات تادلة”.

في جو جنائزي مهيب، ومشاعر مختلطة وحتى متضاربة شيع جثمان العم شعيب البقالي والد المعتقل السياسي عبد الحليم البقالي بحضور هذا الأخير بعد أن وافقت أخيرا السلطات القضائية ومديرية السجون على منحه رخصة حضور مراسيم الدفن وتلقي العزاء.

الطريق إلى بوعياش، مدينة الجراح العميقة التي تحرس زوارها:

منذ الساعات الأولى لصباح اليوم بدأت وفود المعزين تتوافد على بني بوعياش التي أصبحت أشهر بلدات الريف إثر ضريبة قاسية أدتها من خيرة شبابها، فالمدينة تراكم الأحزان منذ أن قررت التصدي للفساد والفقر والتهميش، فما كادت تستفيق من هول فقدان ابنها كمال الحساني، حتى بدأت السلطات في الزج بخيرة شبابها في السجون بمدد سجنية طويلة.

القادم إلى بني بوعياش يستطيع أن يجد طريقه إليها بمجرد وصوله إلى تازة، حيث يعرف الناس أن من يسأل عن المدينة متجه إلى جنازة العم شعيب، من يدلك على الطريق يفلت بدون شعور مصطلح ’’مسكين‘‘ أو يستفسر ’’هل حقيقة سيحضر ابنه الجنازة؟ في الحقيقة من العار أن يرفضوا حضوره‘‘ والبعض قد يشير لك أن تازة تحمل من الجراح مثل ما تحمل شقيقتها لذلك فالأخبار تسري بينهما بسرعة.

من يدلك يكتفي بالقول ’’سير نيشان وحضي مع الطريق‘‘ بمعنى ’’اذهب في نفس المنحى واحترس من منعرجات الطريق‘‘، ويمكنك أيضا أن تسير دون قلق لأن المدينة فيما يبدو تحرس زوارها عن بعد.

بوعياش تترقب:

التوتر والترقب صارا سمة شوارع المدينة ومحيط منزل البقالي ومسجد المحسنين إلى حيث نقل جثمان العم شعيب في انتظار دموع ستذرف عليه من طرف الإبن البار عبد الحليم. الهواتف لا تتوقف هنا في المدينة، تستطيع أن تتبين اللكنات المختلفة واللهجات أيضا، ويمكنك أن تجد في نفس الزاوية من يتحدث بالعربية الدارجة وأمازيغية الأطلس فضلا عن الريفية أوكسجين المدينة.

جل الوافدين هم رفاق حليم في الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب وحركة 20 فبراير والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فضلا عن هيئات أخرى، قدم أغلبهم من مدن الريف الممتد من إقليم الحسيمة إلى إقليم الناظور وإقليم الدريوش، فيما حضر أوطميون من طنجة ووجدة وسلوان وغيرها، وأتى معطلون من كل ما سلف إضافة إلى آخرين من بني ملال ومريرت وسواها.

حين أذن لصلاة الظهر كان التوتر قد بلغ مداه، والاتصالات بكل اللهجات الممتزجة تتساءل، هل سيحضر؟ هل منحوه الرخصة؟ الاتصالات من مناطق بعيدة تبحث عن تأكيد أو نفي الخبر.

مشاعر مختلطة والجموع تعاين ما قتل العم شعيب في حالة حليم:

منذ الزوال والأعصاب مشدودة، يبدو أن السلطات أرادت أن تضغط أكثر فبعد أن أعطت موافقتها على حضور عبد الحليم صارت تماطل حسب مختلف التعليقات المتذمرة في المحيط، بلغت الساعة الثالثة ولم ترد أخبار عن مغادرته الزنزانة وليس في يد المنتظرين سوى موافقة إدارة السجن.

الساعة الرابعة بعد الزوال، اختلطت المشاعر بشكل مؤثر وما كان يفترض أن يكون فرحة في صفوف الرفاق صار حزنا أكثر وطأة، ظهرت سيارة تابعة لإدارة السجون وفي المقعد الخلفي يظهر حليم البقالي المغيب عن رفاقه وعائلته ومدينته المكلومة منذ ما يقارب السنتين.

التأثر بلغ مدى أعمق حين نزل عبد الحليم بخى ثقيلة وبدا أنه غير قادر على الوقوف، بمساعدة وحراسة حراس السجن انتقل إلى داخل المسجد ليودع والده ويقبل رأس أمه، قبل أن يعود إلى السيارة ويتحرك موكب رهيب مؤلف من أزيد من 60 سيارة في اتجاه منطقة تيفروين حيث سيرقد إلى الأبد جثمان العم شعيب.

الطريق التي تتعدى عشرة إلى خمسة عشر كلم بدت طويلة لشدة المنعرجات وسوء حالتها، السيارات تسير بسرعة أبطأ من الشرعة المعهودة للجنائز، والسيارات المليئة بالمشيعين اضطرت إلى حمل عدد كبير فوق سطحها ليتمكنوا من مؤازرة عبد الحليم وأسرته في هذا اليوم الرهيب.

حليم لا يقوى على الوقوف والمشيعون يعزونه على كرسي:

اكتشف الجميع حالة المعتقل واستطاعوا أن يتبينوا حالة باقي رفاقه داخل السجن، نزل عبد الحليم لفترة من السيارة لكن من شدة الحزن والمرض لم يستطع الوقوف على قدميه مما اضطره إلى العودة إلى سيارة السجن مكرها، الجموع الحاضرة بدت متأثرة لحال الشاب أكثر مما تأثرت لفقدان العم شعيب، وتأكدت الآن الحالة التي أودت بحياة العم شعيب حين رأى ابنه محمولا على كرسي في السجن، فهم الجميع أن تلك الحالة كان لا بد أن تودي بحياة الشيخ الذي قال يوما أن الحكم على ابنه بالسجن سيقتله.

حين سجي الجثمان قرب القبر أسند عبد الحليم من طرف رفاقه وأفسح له ليلقي النظرة الأخيرة، وقف بصعوبة أثناء الدفن وحين أوشكوا على الانتهاء لم يستطع الصمود وقدماه لم تعد قادرتان على حمله فأحضر له كرسي أرخى عليه حمله وحزنه.

فور انتهاء الدفن والمراسيم المصاحبة وأدعية وتراتيل الفقهاء اصطف طابور طويل يسلم على حليم الذي لم يعد هذه المرة قادرا على الوقوف، المعزون يقدمون له تعازيهم وهو على الكرسي يصارع الألم، وحين يقترب حدهم يزداد ألمه لسحنته ووضعه الصحي، قالوا أنه كان أشبه بشعلة متقدة، والنشاط والحيوية قتلتهما أو كادت سنتان رهيبتان من السجن والمحاكمات المتواصلة والإضرابات المتكررة عن الطعام من أجل أبسط حقوقه كإنسان في السجن.

ومن شدة ألمهم لحاله أوشك رفاق عبد الحليم البقالي أن يلتفتوا إلى القبر ليعزوا عمهم شعيب في صحة وحيوية ونضارة الابن الشاب.

حيلة إدارة السجون في هدر وقت الرخصة:

اكتشف رفاق وعائلة عبد الحليم البقالي حيلة إدارة السجون وتماطلها في إحضاره، فحسب عزيز كطوف، عضو المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، تماطلت إدارة سجن الحسيمة في إحضاره لتستنفذ الوقت الممنوح له وهو نصف يوم، ونصف اليوم يبتدئ صباحا لينتهي عند الساعة السادسة والنصف وبهذا أهدرت إدارة السجن ساعات من وقت حليم كان بإمكانها أن تشكل عزاء للأم المكلومة، ويضيف كطوف أن الغرض من ذلك هو عدم اطلاع الرأي العام على حقيقة وضعه الصحي جراء الإهمال والتماطل في عرضه على طبيب مختص وتوفير العلاجات اللازمة.

وحمل كطوف ’’النظام مسؤولية تردي صحة البقالي التي كانت السبب المباشر الذي أودى بحياة العم شعيب’’ لينتهي إلى أن ’’النظام قتل والد البقالي بالتعذيب غير المباشر الذي يعانيه رفيقنا داخل السجن‘‘.

أم مكلومة، أسرة تعاني والبوليس يراقب حزنها:

أمي فضيلة قليلة الكلام لكن دموعها تكشف حجم الألم والحزن والمرض الذي تختزنه، وكان واضحا أنها لم تعد تعرف على أي فقيد تذرف دموعها حين دخل الحراس بصرامة لينتزعوا فلذة كبدها من أحضانها ويعيدوه إلى السجن، اكتفت بالبكاء وكتم صراخها، بينما رافق خالد وعبد المجيد ونجاح أخاهم مخفورا بالحراس إلى السيارة والألم يعتصر الجميع.

ذهل رفاق عبد الحليم الذين قدموا من مناطق بعيدة وقريبة والذين تركوا له فرصة لقاء الأسرة على أمل العودة لرؤيته، حين وصلتهم الأخبار بنقل رفيقهم إلى السجن مجددا في غفلة من الجميع، وحول البيت المثخن بالفقد والألم لازالت عناصر الشرطة السرية التي واكبت بعيونها وتقاريرها اليوم بأكمله، ولا زالت سيارة الشرطة ترابط إلى حدود اللحظة أمام البيت.

النداءات تتصاعد لإنقاذ حليم من أجل صحة الأم:

خيم على نقاشات ودردشات من حضروا الجنازة اليوم أمر واحد مستعجل: يجب إنقاذ حليم البقالي من معاناته الصحية وضيق السجن حتى لا يضاعف وضعه من حالة أمه التي قد تشكل بعض العزاء له ولإخوته الثلاثة وشقيقاته الأربع.

مطلب ملح يؤكد عليه الجميع هنا في جنازة العم شعيب: يجب إنقاذ حليم وطرح قضية المعتقلين السياسيين بقوة والعمل بشكل أكثر جدية لإطلاق سراحهم، فالسجن لا يعذب السجين فقط بل قد يودي بحياة أفراد أسرته وأحبابه ورفاقه.

حليم 1 حليم 2 حليم 3 حليم 8 حليم 6 حليم 7 حليم 4

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.