البعد الجنسي في الشخصية بين الذاتي والقيمي(قراءة نفسية – أجتماعية)

لعل من البديهي، أن أي خطاب عن مسألة أو أشكالية الجنس، لا يكتسي طابعا معرفيا فحسب، بل قد يأخذ طابع دفاع أونقد،هجوم أو شكوى ،إفتخار أو إحتقار…،لكن مادام أي خطاب حول الجنس لن يكون بريئا بالشكل الذي تكون فيه الموضوعية فقط شرطا منهجيا، بل أنطولوجيا سواء في لحظة الكتابة أو في لحظة القراءة.وهكذا فالخطاب حول البعد الجنسي في الشخصية لايعدو أن يكون تجسيدا للمجال أو بالأحرى للحقل الجنسي في وسط إجتماعي معي، هي البيئة الخارجية التي يحيا فيها الشخص بشروطها وتاثيراتها…،لذا فالبعد الجنسي مفهوم يمتد ليشمل كل ما يطاله الفعل أو الممارسة,أي كل ما يطاله إدراك المباشر للفضاء الخارجي كمحدد للحقل الجنسي الذي يتحرك فيه الكائن البشري.
سنحاول- قدر الإمكان- في هذا المقال أن نركز على إحدى الشخصيات المتاثرة بالجنس والمؤثرة في المجتمع وهي شخصية المراهق(ة) المغربي ، لذا فستحضارنا لمسألة الجنس في هذه المرحلة من النمو الشخصية شيئ بديهي،نظرا لأنها تطرأ عليها تغييرات فزيولوجية, نفسية وجتماعية تمس بالدرجة الأولى المناطق الجنسية بفعل البلوغ ونضج الأعضاء التناسلية التي تفرض نفسها بشكل حاد. وكل هذا ناتج عن إتخاذ الطاقة الجنسية مسارها الحقيقي في التصريف،أي كوظيفة جنسية تناسلية،وبذلك يصل السلوك الجنسي إلى قمة هدفه وغايته. ولهذا،إفان مانسعى إليه في مقالنا هذا هو تحسيس بأهمية البعد الجنسي في الصراع الإجتماعي والنفسي.
إن الحديث عن الجنس في الثقافة المغربية كما تتداوله الألسن ،يؤدي منذ الوهلة الأولى إلى آستحضار تلك القارة المظلمة التى تتحدث عنها كتب ومؤلفات ذات رؤية أحادية الجانب,ومن هنا فالحديث أو إعادة قراءة الحقل الجنسي في هذه الثقافة يوازيه الحديث عن مايسمى”بالطابو”أو المحرم الذي ينبغي السكوة عنه.مما يعني ضمنيا،أن المراهق(ة)الذي يتطلع الى الرغبة – تصريف الطاقة الجنسية – يدخل في صراع بين تلبية الإشباع الذاتي وبين تعديل وتكيف سلوكه ليساير الطابع العام والمنظومة الثقافية السائدة والمقبول من التصرفات وأنماط العلاقات. وهكذا، فعندما يصل الأمر إلى قراءة متعلقة بدراسة مثل هذه المواضيع من قبل المثقفين والمفكرين, وكذا البداغوجين في مجتمعنا نجد أن هناك إعادة نفس الخطاب الذي يشكل حدث شكلي لا يرقى الى المستوى الملموس والمادي كما هو كائن، من هنا ينبغي – حسب مشيل فوكو- التخلي عن الاستمراريات الهشة التي ينظمون بواسطتها مسبق الخطاب الذي يريدون تحليله، لذا فلا غرابة أن تكون هذه القراءة(نفسية-اجتماعية)التي نود المساهمة بها تدخل في هذا الإطار، إلا أننا مقتنعون كل الإقتناع بالحدود الفاصلة بينها وبين القرءات الأخرى،وعلى هذا الأساس،نرى فيها الأداة الناجعة.
فعلم النفس الإجتماعي كما هو قائم منهجيا لايهتم بالنمو الجنسي في ذاته، وإنم بالاثارة السلوكية لهذه الظاهرة، ويرجع ذلك إلى إختلاف الرؤية إلى البعد الجنسي من مجتمع لآخر، وبالتالي من فرد لآخر، “فمارجيت ميد” “يرى أن المجتمعات البدائية لاتضع قيودا على هذه الظاهرة، وإنما ترحب بالسلوك الجنسي وتقيم الشعائر والحفلات إيذانا بالبلوغ، وأن الفتى المراهق قد تخلى عن سلوك الاطفال، فيندمج بذلك في حياة الكبار ويقوم بأعماله”(1) .
ان ما ذهب إليه “ميد” يمكن أن ينطبق على المجتمع المغربي الوسيط (العصر الوسيط) بمنطقة جبال الريف عند قبائل غمارة التي اشتهرت بعادات جنسبة عز نظيرها في كل بقاع المغرب والتي تسمي “بالمواربة” يقول عنها أبو عبيد البكري:” المواربة عند أهل غمارة كلها متعارفة يفخر بها نسواتهم، ذلك أن الرجل إذا دخل بإمراته البكر وأربها شباب ناحيتها، فاحتملوها وأمسكوها عن زوجها شهرا اوأكثر ثم يردونها، وربما فعل بها كذلك مرارا على قدر جمالها. وبمقدار الرغبة فيها تفضل لذاتها. ولايتم إكرام الضبف عندهم، إلا بأن يؤنسون بنسائهم الأيامي منهن. ويبيت الرجل مع ضيفه أخته الثيب أو بنته أو من لم تكن ذات زوج من نسائه، ولا يتركون ذا عاهة يستقر ببلدهم، ويقولون أنه يفسد النسل، وهم يرغبون في الرجل الجميل الشعاع، وهم مختصون بالجمال، ولهم شعور يسدلونها كشعور النساء، ويتخذونها ضفائر، ويطيبونها ويتعممون به (2) ، إنطلاقا من هذا النص يمكن القول أن قضية الجنس في مغرب العصر الوسيط (خصوصا في منطقة غمارة) لم تكن ” مقدسة ” كما ناد بذلك الدين الإسلامي، مما يعني أنها ظلت تتعامل بالأعراف المحلية بعيدة عن القانون الإسلامي، وهذا ما نجده كذلك في قبائل برغواطة وصنهاجة الصحراء حيث أن “الشخص منهم كان يجمع بين العشرة” (3) وعلى غرار الرجل نجد أن المرأة في المجتمع الصنهاجي كان” بإمكانها الإتخاد الخلان والأصحاب دون أن يثير ذلك غيرة الرجل أوحفيظته” (4) ، إن ما يمكن أن نستخلصه هو أن تلك العلاقات الجنسية داخل هذه المجتمعات وخصوصا منها الماقبل الزوجية لاتنال سخط القيبلة والاقارب، وهذا يجيز حرية تمتع الرجل والمرأة بالممارسة الجنسية، بالمقابل يحدث العكس في المجتمعات الاخرى التي تقيم قيود شديدة عليه.
فالمجتمعات الإسلامية ـ على سبيل المثال ـ تحيط البعد الجنسي بنظرة ملؤها الريبة والشك وعدم الثقة، ذلك أنه لاوجود ولا إعتراف بأية ممارسة جنسية خارج مؤسسة الزواج، بعبارة أخرى أن الزواج وحده فقط هو المؤسسة الوحيدة التي تشرعن الفعل الجنسي (النكاح)، وأي نشاط جنسي استمنائي أو مثلي يعتبر محرما وخطيئة، وبالتالي أي نشاط جنسي خارج هذه المؤسسة من شأنه أن يعرض صاحبه لعقاب اجتماعي( مادي ومعنوي). وفي هذا السياق، فالأسرة داخل المجتمع المغربي، لاتتحدث عن العلاقات الجنسية بين الفتى والفتاة خارج مؤسسة الزواج باعتبارها مجالا تتلاقى فيه عدة أبعاد وقيم دينية، أخلاقية ، إقتصادية وثقافية، لذلك فكل فعل جنسي بين المراهقين لايمكن الحديث عنه، إلى درجة أنهم لايتطرقون للحديث إلى كل ما له صلة بالجنس مع الأباء، لأن أي ” لقاء يتم بين الفتى والفتاة ـ في نظر الآباء ـ إلا ويكون ” ثالثهما الشيطان ” وهذا يؤثر على المراهقين بحيث لايتجرأون على التلفظ ولو بكلمة ” فتاة أوفتى ” أمام ابويه” (5) ، وبالأحرى الحديث عن مشاكله الجنسية التي تغزو كيانه، وفي ظل هذا الوسط الإجتماعي الذي يسوده منطق التقليد في العلاقة الأباء بالأبناء، يجد المراهق(ة) المغربي نفسه في صراع بين ذاته والذات الإجتماعية – والأسرة جزء منها- أي صراع بين ثقافته المتفتحة والمنفتحة عن طريق المدرسة،وسائل الإعلام،الجمعيات والنوادي المختلفة وثقافته الإجتماعية التقليدية المتقوقعة على ذاتها، حيث تمنع أي إنفتاح على الثقافات الشعوب الأخرى، وهذا ما يؤدي إلى نشوء نوع من التصورات والتمثلات الفكرية متناقضة بين الإستقلالية والتبعية، مما يجعل المراهق(ة) في صراع نفسي وجداني وفكري… لذا فما يميز الروابط الاسرية وعلاقتها بالمراهقين في الثقافة المغربية هو قوة القيم، ” وتمثل ذلك في التوجيه الدراسي، وإختيار شريك الحياة، وإختيار المهنة …وغيرها، وتمثل السلطة كقيمة إجتماعية في شتى مظاهر حياة الفرد، متعارضة مع إعتباره لذاته، أو واضعة حدودا لهذا الإعتبار، سواء كانت هذه السلطة مدرسية ” تعليمية أو قانونية إدراية أو سياسية حكومية أو أسرية إجتماعية ” (6)…إن هذه المعايير والمظاهر السلطوية التي تمارس على المراهقين ستؤثر عليهم، بحيث يكون من الصعب تقبلهم لمبدأ المساواة الجنسية في مجتمع ينخره التخلف وفي وضع مقابل متطلع إلى ما هو حداثي. فإذا كان المجتمع المغربي- كما سلف ذكره- يتحدث ويتمثل الحياة الجنسية مقرونة بمؤسسة الزواج لها ضوابطها وحدودها الشرعية، فإن المراهق(ة) كفرد له خصوصيته المرتبطة بمرحلة نموه النفسي-الجنسي والعقلي،لايتحدث عن الحياة الجنسية كمؤسسة لها ضوابطها وحدودها، بل يمكن القول، أنه يجسدها في عدد من العبارات والمفاهيم الجنسية أو ذات الدلالات الجنسية على مستوى الشعور اليومي، لكن حضور اللاشعور- كحامل لثقافة المجتمع – يؤدي به الى صراع ذاتي، وبالتالى يكون أي سلوك يسلكه المراهق(ة) محفوفا بمخاوف ومشاعر الذنب، وهكذا فالحديث عن النشاط أو الفعل الجنسي يجد نفسه في الهوة الحاصلة بين الجيل الماضي المتشبث بالقيم التقليدية (الزواج) وبين الجيل الحاضر المتطلع إلى القيم الغربية (إشباع اللذة الجنسية) والتي تلعب فيها وسائل الاعلام المختلفة دورا هاما في الإغراءات الجنسية كمتنفس عن الجوع الجنسي في هذه المرحلة.
ويمكننا أن نقف مع ” جورج مردوك” على صنفين من المجتمعات فيما يخص طريقة وضبط الغرائز الجنسي”(7) .
الصنف الأول يقوم بتعميق داخلي شديد للموانع الجنسية خلال عملية التنشئة الاجتماعية أي ترسيخ عميق للأعراف والتقاليد الجنسية في وعي إلى حد يجعل الفرد المراهق مطمئنا لهذا الوضع كالعفة قبل الزواج، الشرف …الخ  . ومن أوجه هذا الترسيخ، كون أن حديث الفرد/المراهق أو الرجل في المجتمع المغربي عن الممارسة الجنسية بقوله : “أصبتها” “درت لها” ـ عوض ما يقابل ذلك في الثقافة الغربية ” نمنا سويا أو مارسنا الجنس معا” (8)  ما هو إلا موقف جنسي يعكس من جهة تشبث الرجل بذكورته، من جهة أخرى يظهر هوس الفحولة الذي يسم سلوكه الجنسي.
أما الصنف الثاني فيلجأ إلى حوافز الاحتياطات الخارجية كقواعد السلوك القائمة على التفرقة بين الجنسين، نظرا لعجزه عن تعميق الموانع الجنسية لدى الأفراد، أي عزلهما، مراقبة كل تحركاتهما، ومن الطرق والوسائل الممنهجة في هذا السياق، نجد طريقة اللباس كالحجاب مثلا…المجالية la teritoriale و المكان كقطب أساسي في الهندسة الاجتماعية أي تقسم المجتمع إلى قسمين:
أمكنة خاصة بالرجال وأخرى بالنساء، وما يزكي هذه الفكرة أن بعض المؤسسات التعليمية في مجتمعنا تمارس تلك العملية، بحيث هناك أمكنة خاصة بالفتيات وأخرى بالفتيان، إن تطبيق هذه العمليات في المؤسسات التربوية والاجتماعية خير دليل على التمييز الجنسي الذي يعتبر أحدى القواعد التقليدية في المجتمع المغربي ما بالك بالمؤسسات الاخرى.
إن فرض القيم والمثل عبر عقلية الضغط والإكراه المعنوي والمادي (البدني) سيؤدي بالمراهقين إلى ردود أفعال سلبية لهذه العملية، في محاولة لتجاوزها من خلال أسلوب القطيعة والنكوص أو الرفض وممارسة العنف والإنحرفات الجنسية بشتى أنواعها، لأن المراهقة هي أساس مرحلة يتعلم فيها الفرد كيف يؤكد هويته، وهذه الهوية ليست فقط شخصية بل ترتبط أيضا بالأدوار المتعلقة بالذكورة والأنوثة، إذن  ” فالجرائم العنيفة عند الذكور كالإعتداء والإغتصاب كثيرا ما تكون تأكيدا رمزيا ” للذكورة ” ليس المراهق واثقا منها، بالمقابل إن “الإستفزاز” الجنسي والدعارة عند المراهقات غالبا ما يكون تأكيدا للمؤهلات ” أنثوية” يتم وضعها موضع الاختبار” (9) .
مما لا شك فيه،أن هذه السلوكات “الإنحرافية ” التي يقوم بها المراهق(ة) يمكن إعتبارها رسالة جوابية للسلطة والضغوطات المفروضة عليه من قبل وسطه الإجتماعي من جهة، وتأكيد إستقلاليته من جهة أخرى، إلا أن استقلال الفرد/ المراهق (ة) لايعدو أن يكون خضوعا مرحليا أو التمرد عليها (السلطة) وكلا الأسلوبين (الخضوع/التمرد) سلبي يؤديان إلى اضطربات وصراعات نفسية شديدة، وبالتالي، فالضغوطات السلطوية الملاحقة لمختلف الإشباعات الجنسية كخصائص بيلوجية تدفع المراهق إلى تركيز إنتباهه على هذه الإشباعات، التي تنطوي بين المسموح والممنوع، وهكذا يمتد الصراع النفسي من الذات، ليشمل عالم العلاقات مع الجنس الآخر، فمثلا، التحرش  ” ظاهرة  المعاكسة ”  للجنس الآخر في الشارع أو ما يطلق عليه البعض ” القنص العاطفي” تعتبرعملية مقبولة وليست شدوذ بأي معنى من المعاني، ذلك ما صرح به80 % من الذكور و60 % من الاناث, وأن علاقة خارج مؤسسة الزواج كما صرح به 60% من الذكور و40% من الاناث، إنها علاقة المراوغة والمكر والخدع…”(10) .  إن أهم ما يمكن أن نشير إليه أن الحاجات الجنسية لدى الفرد المراهق (ة) تختلف بحسب القيم المهيمنة عليه، وكذا مستوى فعاليتها على الأفراد بسبب إستعدادتهم الشخصية لدى الجنسين الذكور والإناث، وأيضا نوعية الوسط الاجتماعي (فقير/غني…) أي أن الإستقلالية لدى المراهقين لاتتوقف فقط على الجانب السكولوجي فيه، بل كذلك من الناحية السوسيوـ إقتصادية، وهذا ما يؤدي بنا إلى القول أن الوسط الإجتماعي في مجتمعنا المغربي الأسروي هو في الأغلب وسط قهري محبط، وفي ظله ينشأ الطفل والمراهق ليتشرب المبادئ الأساسية لتكوين الشخصية التي تنمو طبعا على المحظورات والمحرمات المجسدة في شخصية الأب التي يمنحها الدين والتقاليد الاجتماعية الموروثة ـ إنها سلطة أبدية لاحدود لها ـ هذا يؤثر على نفسية المراهق(ة)، بحيث يصبح عنده كسر نفسي، وبالتالي ضمور الشخصية واهتزازها الكلي، وكذا تحريك آليات العنف المضاد من لدن المراهق، عنف مضاد/ ضد الجماعة، ضد الأب، بل وحتى ضد الذات، إما بمحاولة تدميرها بسلوكات إنحرافية أو فتح صراع ضد الآخر عبر مهاجمة قيمه وثقافته.
إن مواجهة هذا الواقع القاسي خلال المراهقة، حيث الجوع الجنسي منظم بطريقة ممنهجة، يؤدي بالمراهق(ة) إلى خرق القانون الإجتماعي بتعاطيه لممارسات سرية ( العدة السرية، المثلية …إلخ ) وهكذا يجد القمع الجنسي الغير المتوقع الذي يفرضه المجتمع على المراهق(ة) فرصة للتعبير عن نفسه، لكن حضور القانون في ذهنيته يؤجل ( كبت) لو بشكل نسبي منه، وهناك يكون المراهق(ة) المقموع جنسيا مضطرا إلى البحث عن مجال لتفريغ وتفجير كبته ( ممارسة الهوايات…) من جهة وتأمين نفسه من عقاب القانون الإجتماعي من جهة أخرى، لذا يشكل المجال الأسري المكان الطبيعي لتصريف كبته بشكل ضمني/ رمزي – حسب فاطمة المرنيسي- حيث تلعب فيه الأم الدور الأكبر. بما أن هذا التتفريغ يبقا سلبيا، فلا غرابة إذا قلنا أن  “الأمراض النفسبة والعقلية والجنسية إنما ناتج عن حالة من الركود الجنسي” (11)  أي أن أهمية اللذة الجنسية تكمن في البناء السوي والمتزن للشخصية ـ حسب فرويد ـ لكن مادام أن ” أنا ” المراهق(ة) المغربي متأرجحة بين ” أناه ” المغربي المعاش (ثقافيا اجتماعيا…) المجسد في مجتمع محبط وقهري نموذجه سلطة الأب، و”أنا” متطلع إليه وهي غربية كرمز للحرية والعدالة يجسد نوعا من الرقي والتفوق، فإن وظيفة التوازن لدى المراهق المغربي عسيرة بين الهو والأنا الأعلى، وهذا كله يؤدي إلى تكوين الصراع حاد بين أجهزة الشخصية، بحيث تتصدع وتبتعد عن الانسجام الذي تنشده.
وتجدر الاشارة إلى أن عدم توفرنا على بينات إحصائية في مجتمعنا حول السلوك الجنسي في فترة المراهقة، راجع – كما سلف ذكره – الى أن مجتمعنا مازال ينظر إلى المواضيع المتعلقة بالجنس نظرة تستر وتزمت، وهو موقف ما يزال يعيق إمكانية معرفتنا لواقع السلوك الجنسي وأهميته وأبعاده النفسية الإجتماعية، وخاصة في أهم مرحلة من مراحل نموه الفرد ( مرحلة المراهقة) .
وخلاصة القول إن أي تمعن في الخطاب حول الحياة الجنسية في المجتمع المغربي، يؤدي بنا إلى القول بأن مؤسسة الزواج لاتمثل حلا مطلقا للمشاكل الجنسية النفسية ـ الاجتماعية، بقدر ما مثلت بؤرة انصهرت داخلها هذه المشاكل بشكل جد معقد، وما ظاهرة المثلية، الاستمناء البغاء … إلخ التي عرفتا تصاعدا مذهلا في مجتمعنا إلا دليلا بليغا على حدة الصراع الذي يعيشه الفرد بين الحاجات الجنسية /الذاتية والقيم الاجتماعية.
لهذا فإن تحقيق الاشباع الجنسي يبقى في الغالب شيئا مستحيلا داخل مجتمع يستعمل قمعا مباشرا وفزيائيا لضبط السلوك الجنسي، وبالتالي ” فالحصول على اشباع جنسي مرهون بتنوير الهياكل الإقتصادية والإجتماعية والتربوية و التربية الجنسية(12) “. لذا فستحضارنا لشخصية المراهق(ة) وعلاقتها بالبعد الجنسي هو تعبير ضمني عن وجوب قيام تربية جنسية علمية وعملية تأخذ بعين الاعتبار هذه الشخصية في جانبيه السكولوجي والسوسيولوجي،لأنها تكون مطبوعة بالعاطفة المبالغ فيها, وهنا نستحضر ما قاله الخمار العلمي:”ان تحرير العقل الجنسي من خلال تربية جنسية عقلانية، يبقى مدخلا لتحرير المجتمع من وطأة التبعية والتخلف والثورة على الوضع القائم وعلى المؤسسات التي تدعم هذا الوضع وتتعارض مع كل تغيير وتطور وتنمية ” (13) .
الهوامش:
1- أحمد أوزي:سكلوجية المراهق، ط 1986 ص208.
2- الحسين بولقطيب \ الهلالي الجلالي: حول مسألة الجنس بمغرب العصر الوسيط، مجلة دراسات عربية عدد 10-12 ط 1993ص 99
3- الحسين بولقطيب \ الهلالي الجلالي: نفس المرجع ا لسابق ص100
4- نفس المرجع السابق ص 100.
5- أحمد أوزي: المرجع السابق ص210
6- مبارك ربيع:” مظاهر الصراع بين الحاجات والقيم لدى الشباب المغربي”, مناظرة رقم 49″ حول محور الشباب ومشكلة الاندماج”,منشورات كلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط, ط95 ص13.
7- فاطمة المرنيسي: الجنس كهندسة إجتماعية بين النص والواقع، ترجمة فاطمة الزهراء أزريول ط 96ص 14.
8- عبد الحق توفيق: الجنس الخطاب والممارسة، جريدة النشرة عدد106، 28 أبريل04 ماي 1997.
9- كداح محمد: المراهقون في مواجهة القانون-موقف سكولوجي-، مناظرة59 ، محور الشباب المغربي في أفق القرن الحادي والعشرون/ منشورات كلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ط1997 ص 82.
10- مبارك ربيع:” الشباب التحول وصراع القيم”, مناظرة59 ص24.
11- قيس خزعل جواد: ” رايش والتحليل النفسي” أضواء على سيرته الذاتية, دار الحداثة ط83ص80.
12- عبد الصمد الديالمي:”الجنس والمجتمع” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا( خزانة كلية الأداب بالرباط) ص273.
13- الخمار العلمي:”دراسات في التربية,الطفولة والجنس” منشورات تانسيفت ص75

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

للتواصل: besp-akrouh@Hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.