الاعتقال السياسي، لعنة الوجل

سنتين سجنا للمناضلة الحقوقية وفاء شرف ، و سنة مع وقف التنفيذ للكاتب المحلي للنهج الديمقراطي بطنجة ، و أعاصير الويل تعصف بكل من يقبض لا يزال على جمرة التغيير ، كلمات قد تبدو للبعض غاية في البداهة لكنها ستبدو لبعض أخر أشبه برسالة ، بل هي رسالة ، ثابتة ، حازمة و الأكثر ملغومة و أقل غموضا من أن يستعص علينا فهم أبعادها و توقيتها ، إنها رسالة السلطة ، الكيان الذي لا ينطق بالكلمات .
على مرمى البصر ، في وضح النهار أو تحت جنح الليل ، لا يهم الزمان و لا المكان ما دام الانقلاب على الديمقراطية و حقوق الإنسان سطر بنجاح مرحلته الأولى ، في منأى عن الجميع ، عن منظمات حقوقية تحدث قطع الليل عن بياناتها التنديدية و رأي عام منهمك في مواجهة مثالب معيشه اليومي ، و معارضة طلابية انكفأت إلى اجترار خطاب ماضوي متجاوز و شعارات زمن بائد ، يراها أصحاب القرار فاقدة لكل جدوى ، كقطع فلين على سطح بركة ، و تعتيم إعلامي مقصود أو غير مقصود يرخي بظلاله على المشهد ، و أحزاب سياسية بها ما بها ، في ظل تراخي الكثير من الكتل السياسية و نخب ألتزمت مسافة السكة ، أو تواطئها مع عدو الأمس درء لمن تحسبه شيطانا أكبر ، فالساذج وحده من يستشرف إرادة ترسيخ الوعي الديمقراطي و الفكر الحر لدى قنوات الوساطة الرسمية .
في ظل بهرجة مبتذلة و بهجة وطنية مستعارة ، يستمر مسلسل الاعتقال السياسي دون حنجرة بالحق تصدح أو يراع يرفض ، إنه الجرح الذي لا يندمل و الملف الغائب الحاضر الذي شيء له أن لا يتنفس الصعداء ، قد نتساءل عن ذاك الذي يجعل شبابا في مقتبل العمر بعضهم يتبوأ الصدارة في سلم العلم و البعض الأخر منفتح على ملذات الحياة أيما انفتاح ، يقدمون زهرة شبابهم قربانا للغد الديمقراطي الأفضل و وقودا لتنور الحرية ، و جواب هذا السؤال ليس بالصعوبة التي نتوهم ، فحينما يستبدل الإنسان حريته بالقيد و سلامته البدنية بالإعاقة و مضاجعة الحياة بغياهب السجون ففتش عن سبب اسمه النضال ، حينما يستبدل الإنسان دفأ السرير ببرد الزنزانة و حنين الأسرة بوحشة الأسر ، و الأهل و الأحبة بجلاوزة الظلام ، ففتش عن سبب اسمه حب الناس و التضحية ، آنذاك ستفهم لما اختار هؤلاء الشرفاء أن ينبروا للبؤس الجماعي بذل التفرغ لبؤسهم الفردي ، و لماذا أنكروا دواتهم و قبلوا بالسجون عوض حرية موهومة ، فمن مسلمات التاريخ أن أباة الضيم لا يحيون إلا بين الجذران أو تحت الثرى
المشكلة في اعتقاد هذا المعتقل السابق ، أن استمرار سياسة الكيل بمكيالين و اعتقال المناضلين الديمقراطيين ـــ دون دليل أو قرينة تصب في فلك ذلك ـــ و فبركة التهم لشيطنتهم و إسقاطهم من عيون الجماهير ، لأمر يبعث على كثير قلق من ما يحمله هذا المنعطف الخطير ، و يفتح الطريق إلى أفق قائظ ينذر أكثر مما يبشر ، فماذا يمكن أن نسمي هذا الخرق الفظيع غير أنه انبعاث جديد للاستبداد و الرجعية ، إذ إن عدم القطع مع هذه الممارسات المنافية لما تعارف عليه الكون ، سيكون له انعكاس جسيم ، يتمثل شأنه ، أولا في إضعاف بل تقويض عملية بناء المجتمع المنشود و صرح الديمقراطية و الحداثة ، القادر على مواجهة الواقع و الانفتاح على المستقبل ، ثانيا و كنتيجة حتمية ، سيبخر و لا ريب كل طموح صادق في جعل المغرب فضاء للحرية الفكرية و السياسية المنضبطة بالمسؤولية الأخلاقية ، فضاء بلا نصب و لا وصب ، يحترم رأي الأغلبية و لا يصادر وجهة نظر الأقلية كيف ما كان كنهها ، ما دامت تستظل تحت سقف حرية التعبير ، و ما ذكر على سبيل المثال لا الحصر فعواقب ما نحن فيه مديدة الصدد .
بحسب الرأي الشخصي لكاتب هذه الأسطر ، فالحل لا يتجلى في إعطاء الأحكام القيمية ، بقدر ما يكمن في دعوة الكل إلى التأمل في حجم المأساة و العمل على تضافر الجهود ، للخروج بهذا الملف من عنق زجاجة العدمية و التحييد المفتعل و الانطلاق من الواقع و مواجهة مظاهر النكوص الحضاري ، التي دبت في شرايين الوضع الحقوقي الراهن دبيب الموت في الحياة ، و تجلياته المتمثلة في عودة الخطاب التبريري للقمع و للاعتقال السياسي ، و تعالي المتجاوزين لحدود المنطق و القانون ، عن كل مسائلة سياسية أو قضائية ، و بروز نزعة تدفع في اتجاه إبقاء و ضع الهشاشة على ما هو عليه ، و إلغاء دور القانون كضرورة لصيانة و حماية منظومة الحقوق و الحريات و ما ينبغي أن يضطلع به ، من دور جوهري يتجلى في الإبقاء على المسافة الآمنة بين القضاء و تسخيره لتصفية الحسابات السياسية .
لن نجانب الصواب إذا خلصنا إلى أن اتساع رقعة الاعتقالات السياسية في المغرب ، كشف مناقب جنوح خفي لجهة خفية ـــ و لا يهمنا إن كانت جيوب اليوسفي أو عفاريت ابن كيران هي تلك الجهة ـــ نحو تكريس الانغلاق و الشمولية في الممارسة السياسية و القطع مع أمل القطع مع ماضي الانتهاكات ، لكننا سنجافي الصواب إذا ما تجاهلنا سؤالا كان و لا يزال يطرح نفسه بإلحاح ، إلى أي مطب يقتادنا هذا الذي نحن فيه ؟

تعليق 1
  1. عفراء يقول

    يقتادنا إلى نفس المطب الذي وقع فيه إخواننا في البلدان المجاورة التي لطالما عانت و ما زالت تعاني ويلات الظلم و القمع المغلف بزيف الديمقراطية و حرية التعبير..لكن ما دام هناك من يقاوم و ينادي بأعلى صوته بإيقاف الظلم و الاستبداد في هذه البلاد السعيدة،و ما دام هناك مناضلون حقيقيون في مستوى كاتب هذه الأسطرالذين لم توقفهم لا هياغب السجون البئيسة و لا معاناة الاعتقال السياسي فما زال الأمل موجود في تحسين الأوضاع يوما ما ..ربما ليس مكتوبا لنا أن نشهد التغيير،لكن مثل هذه التضحيات الصغيرة هي من تصنع القفزة النوعية التي ستأخذ منا مزيدا من الوقت و تضافر الجهود المستمرة و المتتالية..أسلوب رائع في التعبير..زادك الله إيمانا بقضية نضالك أخي لقمان ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.