الاستقرار المغشوش

خلال كلمة ألقاها رئيس الحكومة في الملتقى الجهوي الثالث للهيئات المجالية والموازية لحزبه بمدينة تطوان، تحدث بنبرة تبريرية للإجراءات غير الشعبية التي تتخذها حكومته، وتحدث مطولا عن الثقة التي تضعها المؤسسات المالية العالمية في المغرب، وإعلان استعدادها لتقديم قروض له.

السيد رئيس الحكومة تحدث بافتخار واعتزاز كيف أن المغرب بمجرد أن وضع طلبا لأخذ قرض ما، حتى انهالت عليه خمسة عروض تفصح عن رغبتها منح المغرب القرض الذي يريد، وهذا يعدّ بالنسبة إليه مكسبا مهما حققته حكومته..

في مختلف خطابات بنكيران عندما يريد عرض انجازات حكومته يركز على امرين اثنين: الامر الأول هو أن حكومته وفرت الامن والاستقرار بعد الحراك الشعبي، وجعلت المغرب يتفادى ما آلت إليه الامور في بلدان المنطقة. والأمر الثاني هو حديثه عن الثقة التي كسبها المغرب من المؤسسات المالية العالمية، حتى أن صحافة الحزب والمقربة إليه عادة ما تسارع الى الحديث عن مؤشرات المؤسسات المالية والمعاهد المتخصصة في رصد مؤشرات الاقتصاديات الوطنية.

في الحقيقة ما يفتخر به بنكيران في الشق الاقتصادي، هو فضيحة تستدعي البحث عن حلول لها وليست مزية يُفتخر بها، فأن تنال دولة ما ثقة المؤسسات المالية، يعني شيئا واحدا؛ هو أن هذه الدولة تُقدم بقوة على تنفيذ توصيات هذه المؤسسات، وطبيعة توصيات هذه المؤسسات تستند على قاعدة ثابتة ومعروفة؛ هي تقليص حجم النفقات على الخدمات العمومية وتخصيص هذه النفقات لإعادة جدولة الديون وكسب ثقة الدائنين…

أيما دولة تعتبرها المؤسسات المالية أنها تلميذ نجيب، فهذا يعني أن هذه الدولة تعمل على سن سياسات لا شعبية مقابل سخائها مع مراكز المال العالمي، لذلك تؤشر على نجابتها وانصياعها التام..

الثقة التي يفتخر بنكيران بكون حكومته حققتها للمغرب، يأتي تقرير معهد “ماكينزي” ليجيب عنها بوضوح وبأرقام: الثقة التي يتحدث عنها بنكيران جعلت المغرب يحتل الرتبة الاولى عربيا وإفريقيا في المديونية حسب تقرير ماكينزي، ويحتل الرتبة 29 عالميا ضمن ترتيب الدول الأكثر حصولا على القروض، كما كشف ذات التقرير أن قروض المغرب ارتفعت سنة 2014 الى أن بلغت نسبة 136 في المائة من الناتج الاجمالي الخام.

هذا الوضع جعل المعهد يصنف المغرب ضمن المنطقة البرتقالية التي لا تفصله عن منطقة الخطر (المنطقة الحمراء) إلا درجة واحدة، أي إذا تحدثنا بلغة السياسة، فالمغرب على بعد خطوة من الانهيار، خاصة أن التقرير حذّر أيضا من أن ارتفاع المديونية يسير وفق منحنى تصاعدي منذ سنة 2008، اي منذ اندلاع أزمة الرهون العقارية وما تلاها من ازمات عصفت باقتصاديات بعض الدول كاليونان وغيرها.. فارتفاع مديونية المغرب أضحى امرا بنيويا يسير بشكل مضطرد منذ سبع سنوات وغير مرتبط بأحداث فجائية.

إن اللجوء الى الاستدانة هو أهون الحلول وأشرها، فأن تنجح في استقطاب القروض، هو أن تنجح في تفقير الشعب وتقليص النفقات العمومية، لتخصيص هذا الهامش لجدولة الديون، وهو حل خطير لأنه يضع البلد على المدى القريب على فوهة الانهيار نتيجة تضخم الديون وتناسلها بسبب المنطق الذي تفرضه المؤسسات المالية التي تجعل فائدة الدين قد تفوق أصل الدين، مما يصعب كثيرا الفكاك من هذا الديون، فتظل سياسة الدولة متمحورة حول كيفية تسديد هذه الديون المتراكمة، وفي نفس الوقت التفكير في كيفية جلب قروض أخرى لتغطية هذا العجز وهكذا دواليك…

إن اللجوء إلى الديون ليس هو الحل الأنسب لمعالجة الأزمات، وتجارب عدة دول مع الديون وكيف قادتها للانهيار واضحة، لكنه الحل الذي تدعمه مافيا المال العالمي والمتحكمين في رقاب العباد، فثمة حلول ناجعة، لكن لا يلتجأ إليها عادة لسبب أو لآخر، ولغياب ارادة سياسية حقيقية..

من بين الحلول، عوض اللجوء إلى القروض، يمكن اللجوء إلى استرداد الأموال المهربة، يمكن العمل على وقف التهرّب الضريبي، فوزارة المالية نفسها تتحدث عن 30 مليار درهم تضيع سنويا من خزينة الدولة بسبب التهرب الضريبي، كما أن الثروات الوطنية المعدنية والبحرية لا يُعرف كيف تسير ولا أين تذهب أموالها ولا من يستفيد منها؟

لكن هذه الحلول تحتاج حكومة شعبية حقا، وذات ارادة سياسية لوقف النزيف لا مسايرته، حكومة تحكم، لا محكومة تنفذ وتتباهى بما تقدم عليه من إجهازات وليست إنجازات، فعوض تحميل المواطن البسيط عبء الازمة من خلال ارتفاع الاسعار وتقليص نفقات الخدمات العمومية، يمكن ارغام كبار اللصوص على الامتثال للقانون وإخضاع ممتلكاتهم للرقابة من أجل استخلاص الواجبات المترتبة عليها…

بيد أن حكومة بنكيران التي تنفذ الارادة الملكية، حسب ما صرح به بنكيران اكثر من مرة، كانت واضحة؛ عفا الله عما سلف بالنسبة إلى اللصوص الكبار، وانتظار الزيادات كل يوم وشهر بالنسبة إلى الفقراء ليساهموا في تجنيب البلد السقوط…

 تلك هي معادلة حكومة ثورة الصناديق في بلد الاستثناء…

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.